ومهما تكن عند امرئ من خليقة..
بعد الغزو الأميركي
لأفغانستان، وتدمير العراق واحتلاله وإشاعة الفوضى فيه، وسيل القرارات الأميركية
المتتالية التي تتلخص بدعم مطلق للكيان الصهيوني وممارساته، وإدانة مستمرة للشعب
الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال، وبعد تصدُّع مصداقية إدارة الرئيس الأميركي جورج
بوش و " تبخُّر" خطر أسلحة الدمار الشامل العراقية التي تهدد أمن
الولايات المتحدة الأميركية والعالم! وتدهور صورة الولايات المتحدة الأميركية أمام
الرأي العام العربي والإسلامي بصورة خاصة وفي الكثير من بلدان العالم بصورة عامة،
بدأت هناك عمليّة تجميليّة إعلامية ودبلوماسية كبيرة لتحسين الصورة؛ وتم رصد أموال
وتوظيف طاقات وخبرات بشرية، وإنشاء وسائل إعلام أميركية موجهة للعرب والمسلمين
وناطقة بالعربية، وقام تعاون مع وسائل إعلام عربية وغير عربية مقروءة ومسموعة
ومرئية لتحقيق هذا الهدف. وبعد تأسيس إذاعة (سوا) التي تبث من الأردن اتخذ قرار
بتأسيس فضائية أميركية باللغة العربية ستنطلق في عام 2004.. وهناك اقتراحات بترجمة
كتب أميركية ونشرها، وإحداث مراكز معلومات، ومراكز ثقافية.. إلخ.
وكل ذلك الجهد الذي
يبذل لتحسين صورة الأميركي في نظر العرب والمسلمين يشبه " ماكياج"
السيدة العجوز التي "تَتَزَنْطَر" من صورتها كلما فاجأها " جمالها
الأخاذ" عندما تستيقظ من النوم في الصباح وتنظر في المرآة. ولا تقدم لها
المساحيق سوى صورة تتهافت في المساء، وتزداد قبحاً في كل يوم بعد كل نوم.
والجهد التجميلي
الأميركي المبذول مهما بلغ لن يؤدي إلا إلى المزيد من هتك الحجب عن الصورة
الجوهرية الحقيقية التي تظهر بلا أقنعة بمجرد: استخدام حق النقض في مجلس الأمن
الدولي بغير وجه حق وضد قضية عادلة، وعندما يتكرر اللحن البائس باتهام بلدان عربية
وإسلامية بامتلاك أسلحة الدمار الشامل، ورعاية الإرهاب لتحقيق أغراض سياسية، ورفع
بلدان من قائمة الإرهاب الأميركية عندما تخضع للابتزاز الأميركي، وعندما تُرسَل
القوة الأميركية للغزو، وعندما يتم وضع الأميركي فوق القانون، وفوق الاتفاقيات
الدولية المتعلقة بالبيئة " كيوتو مثلاً" أو بمحكمة العدل الدولية أو
بالتجارة الخارجية، وأمور المال والطاقة والأعمال.. إن تلك الصورة تظهر على
حقيقتها بلا أقنعة أو مساحيق تجميل: صورة قاطع الطريق الدموي القوي الغني المتغطرس
المشبع بالجشع الذي يعيش وهماً يجعله يقدِّم نفسه منقذاً ومخلِّصاً ومحرّراً
ومعلِّماً وصاحب رسالة كلفه بها الرب!وهو يحتاج إلى ذلك كله قبل سواه وإلى إنقاذه
من الصورة التي يرسمها لنفسه.
في الآونة الأخيرة
شكل الكونغرس الأميركي لجنة برئاسة السفير السابق دجيريجيان لوضع تقرير يرصد
الواقع، ويقدّم مقترحات لتحسين الصورة من خلال الأداء الدبلوماسي، وجاء في التقرير
الذي وضعته لجنته في ثمانين صفحة، وصدر في واشنطن عن وزارة الخارجية بتاريخ
1/10/2003 جاء فيه: "وصل العداء لأميركا إلى مستويات مذهلة، أو صاعقة
".. و.."إن الولايات المتحدة غائبة عن "صراع الأفكار في العالمين
العربي والمسلم" وأن أميركا "من خلال عملية نزع أسلحة أحادية الجانب في
المجال الإعلامي خلال العقد الماضي، قد ساهمت في مشاعر العداء الواسعة ضد
الأميركيين، وتركتنا معرضين للتهديدات الفتاكة لمصالحنا ولسلامتنا. وفي هذا الزمن
الخطير، فإن الدبلوماسية العامة غير ممولة بصورة يصعب تصديقها، وإعادتها إلى
مستوياتها خلال الحرب الباردة بكل بساطة غير كاف". كما أشير إلى أن ما هو مطلوب "ليس التأقلم التكتيكي، بل التحول الجذري
والاستراتيجي". وأشدد على أن تحوير الحقائق ليس حلاً كما أن تفادي النقاش،
أيضاً ليس حلا ".
ولكن الوزير كولن باول بدا
غائباً عن هذه الصورة، أو أراد أن يظل غائباً عنها، وبقي يغرّد في مسار خلف سرب
الصقور، وهو الحمامة المكسورة الجناح والساق؟! وكيف لا يفعل ذلك؟!.. وكيف يخرج من
ظلال ريش الطاووس الذي ينشره الرئيس بوش أينما ذهب، وباول هو لسان حال رئيسه الذي
يهتف بتغيير ثقافة المنطقة لتغيير توجهات أهلها، وبتغيير ثقافتها السياسية لتغيير
الجغرافية السياسية لبلدانها إن هو استطاع؟!. قال كولن باول أمام مؤتمر اقتصادي
نظمه العرب الأميركيون في ديترويت، في معرض تعبيره عن رؤية للخروج من المأزق:"..
وليس من المبالغة القول إن المنطقة ستظل، من دون إدخال تغير جذري شامل على الشرق
الأوسط، مصدراً للعنف والإرهاب اللذين يغذيهما الفقر واليأس والشعور بالانسلاخ.
ينبغي ألا نسمح بحدوث ذلك. ولن نسمح بحدوث ذلك.. وأضاف: " لا يوجد صراع بين الحضارات كما يريد لنا الإرهابيون ونذراء الشؤم أن
نصدق. إن هناك فقط صراعاً للدفاع عن القيم، القيم التي نتشاطرها مع أصدقائنا
وحلفائنا في الغرب، ومع الغالبية العظمى من العرب والمسلمين في الشرق الأوسط
أيضاً/ ديترويت 30/9/2003. ولكن القيم التي يتحدث عنها باول هي القيم الأميركية
التي يريد أن يفرضها على الآخرين ليشاطروا الأميركي قيمه بعد أن يتخلوا عن قيمهم
بعد تغيير ثقافتهم التي تقوم أسسها على قيم وعقائد وتقاليد وعادات هي من مقومات
هويات الشعوب، وأحد عوامل التنوع والغنى الحضاريين!؟.
ويبدو لي أن الوزير
زاد المأزق شدة، ولم يخرج من دائرة تأثير اليمين الأميركي الصهيوني المتطرف الذي
يرسم استراتيجية تكون الدبلوماسية في خدمتها.. وأن دجيرجيان وفريقه في واد
والقيادة اليمينية الأميركية ومن يسير في ركابها في واد آخر. ومنذ زمن بعيد
يُتَّهَم كل من يتخذ موقفاً صحيحاً وينظر نظرة متوازنة إلى الصراع العربي
الصهيوني، وأمور المنطقة من رجال وزارة الخارجية الأميركية، يتَّهَم بأنه منحاز
للعرب "أرابيست"، بينما يُنظَر إلى الذي يأخذ بالاستراتيجية "
الصهيونية المتطرفة" التي تهيمن على سياسة الدولة الأعظم، يُنظَر إليه على
أنه "الأميركي القح".. هكذا.. من دون انحياز أو تشوه رؤية أو نقص
معلومات، أو اتهام باللأرابيست"؟!
إن صورة الأميركي
ليست حسنة.. هذا حق، وإذا كان يهتم فعلاً بها وبتحسينها فإن ذلك ليس مستحيلاً،
فصورة البلدان ليست مثل صورة العجائز حين تتقدم بهن السن.. ويحتجن إلى المساحيق..
إنه وضع مختلف. ولكن التغيير في مثل هذه الحالة ينبغي أن يكون جذرياً وجوهرياً
وعميقاً، وهو لا يتوقف عند شكليات ومتغيرات في إطار أعمال العلاقات العامة، بل
يذهب بعيداً إلى النقد الذاتي، والمراجعة الشجاعة، والرؤية الثقافية، ومعالجة
الأطماع والأوهام والنظرة إلى الذات والآخر من خلال منظار سليم تحكمه قيم روحية
وإنسانية وحضارية مشتركة ومستقرة، ومعايير ومقاييس منطقية سليمة.
وعلى طريق توضيح ما
أذهب إليه أقول: إن أي علاج يُراد لـه أن يؤدي إلى تحسين صورة الولايات المتحدة
الأميركية في الوطن العربي وبلدان العالم الإسلامي يجب أن يقوم على أسس منها:
1 ـ تبني حل عادل
لقضية فلسطين يتضمن حق العودة للشعب الفلسطيني، وجعل القدس عاصمة لدولة فلسطين
المستقلة ذات السيادة التامة على الأرض والسكان. والعودة بهذا الأمر مع الثقل
السياسي للولايات المتحدة الأميركية إلى الهيئات الدولية وقراراتها، والوقوف خلف
هذه القرارات من دون مراوغة أو خداع.
2 ـ نزع أسلحة
الكيان الصهيوني ذات القوة التدميرية الشاملة: النووية والكيمياوية والبيولوجية،
لأن المنطقة ودولها وأهلها يبدون رغبة صادقة بان تكون خالية تماماً من أسلحة
الدمار الشامل، وهو ما تقف ضده الولايات المتحدة الأميركية التي حالت دون مناقشة
مشروع قرار في مجلس الأمن حول هذا الموضوع. والكف عن تزويد الكيان الصهيوني
بالتقنيات النووية وبالأسلحة ذات القوة التدميرية الشاملة.
3 ـ أن تقوم
الولايات المتحدة الأميركية بمراجعة جريئة للذات والسياسات التي تتبعها حيال الوطن
العربي والعالم الإسلامي، وأن تتوقف عن شن الحروب على الآخرين وتهديدهم بالعدوان
والحصار الذي تلاحق به بلداناً عربية وإسلامية بهدف الابتزاز، وإخضاع تلك البلدان
للمطالب الصهيونية، والهيمنة الأميركية الصهيونية المشتركة، لجعلها تسلِّم بضياع
حقوقها وأراضيها ومصالحها ونهب الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها لثرواتها
والسيطرة على قرارها السياسي وإرادتها.
وأن تقوم بنقد
ذاتي لما قامت به من عدوان على أفغانستان والعراق، ومن تشويه لصورة الإسلام والعرب
المسلمين.
4 ـ أن تعلن عن
تغيير جوهري في سياستها واستراتيجيتها الرامية إلى: احتلال المنطقة والسيطرة على
ثرواتها وأسواقها ومصادر الطاقة فيها، وتغيير ثقافتها السياسية، والجغرافية
السياسية لدولها، ومناهجها التربوية ومنظومات قيمها، وكل ما يتصل بالبعد الثقافي
والعقيدي للأمة العربية وهويتها، والدين الإسلامي وأسسه ومصادره وقيمه وأصوله
ومرجعياته، وأن تكف عن الوقوف بوجه الأحلام والتطلعات القومية المشروعة للأمة
العربية.
5 ـ أن تقف على
مسافة واحدة من البعد والحياد بين الكيان الصهيوني والشعب الفلسطيني في موضوع
الصراع، وأن تكف عن كونها دولة تدعي الحياد في الوساطة وتمارس أسوأ أنواع الانحياز
والتحالف مع الكيان الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني والأمة العربية، وأن تتوقف عن
رعاية إرهاب الدولة الصهيوني، وأن تصحح الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي شوهتها
تماماً من خلال التداول السياسي والدبلوماسي، أو في الإعلام والثقافة والترويج
المخابراتي، وأن تقر بأن من حق الشعب الفلسطيني أن يدافع عن نفسه وأن يقاوم
الاحتلال، وأن تلك مقاومة مشروعة وليست إرهاباً، وهي حق لكل الشعوب، وأن تدين الإرهاب
الصهيوني، وتكف عن دعم الاحتلال والاستعمار والتوسع، وعن دعم المشروع الصهيوني
الرامي إلى صهينة المنطقة.
6 ـ أن تضع حداً
للكذب والتزوير والافتراء الذي يقوم به الصهاينة واليمين الأميركي المتطرف
المتحالف مع الليكود، والأجهزة الأميركية الأخرى التي تقوم بذلك.. وهو فعل يرمي
إلى تشويه صورة العرب والمسلمين وحقائق توجهاتهم ومشروعية نضالهم ضد الاحتلال
والاستعمار والإمبريالية، ودفاعهم المشروع عن أنفسهم وأوطانهم ومصالحهم وعن دينهم
الإسلامي وهويتهم.
7 ـ أن يُسأل أو
يحاكَم كل من قدم معلومات وتقارير كاذبة وضخَّم معلومات، أو أوحى بتضخيمها، بهدف
توظيفها في شن الحرب على العرب والمسلمين، وتشويه صورة العربي والمسلم والتطلعات
العربية المشروعة.. مهما كانت هويته أو جنسيته أو انتماؤه أو قضيته ليعلو صوت
الحق، وترتفع الحقيقة إلى مكانتها في سلم الحكم على الأفعال والأشخاص والسياسات.
8 ـ أن يقوم فهم
مغاير في الولايات المتحدة الأميركية لدور سفرائها، ومكانة تقارير أولئك السفراء،
لا أن يُرمى كل ذلك عند عتبة وزارة الدفاع ومراكز الأبحاث الصهيونية التي تقدِّم
المعلومات الكاذبة، وتوظفها لخدمة سياسات ومخططات معينة، وتبث الحقد الأعمى
والكراهية، والنزوع العنصري الصهيوني الاستعماري في العروق الأميركية، من خلال
يهود شديدي التعصب والتطرف أمثال: ريتشارد بيرل ودانييل بايبس وولفوويتز..إلخ
وبقية طاقم الصهاينة الذي يسيطر على عقول أميركية وعلى القرار السياسي الأميركي من
خلال التسميم المعلوماتي والمخابراتي المستمر، وترويج كل ما يقول به الاحتلال
الصهيوني ورموزه من الإرهابيين، وتقديم كل ذلك إلى صانع القرار الأميركي بوصفه
حقائق لا يرقى إليها الشك، وحلولاً لا تتجاوز معطيات الواقع ولا تقفز فوقه، وضخ
المعلومات المزورة، والسيطرة على رجال الكونغرس ومنافذ الهواء والنور في البيت
الأبيض. وكل هذا يستدعي نقاء وموضوعية وحيوية ضمير، ونظرة عادلة ومتوازنة للناس من
كل لون وجنس ودين، كما يتطلب شجاعة كبيرة، ومعرفة واسعة بالأمور، وجرأة على
الإقرار بالخطأ من جهة وبحق الآخر بالاختلاف من جهة أخرى، وليس الركون إلى أن
الأميركي معصوم وديموقراطي ومحرِّر.. وأنه هو الذي يرعى هذا النوع من القيم
والحقوق و..و.. إلى آخر هذه الأقوال المتهافتة، فذلك ادعاء من جملة الادعاءات
الأميركية الكثيرة والكبيرة التي تحتاج إلى مراجعة دقيقة على أسس منطقية وإنسانية
وحضارية سليمة وصارمة.
9 ـ إعادة نظر
جذرية بسياسة الولايات المتحدة ونظرتها للآخرين وبالثقافة التي كونت تلك السياسة
والرؤى النابعة منها أو الخادمة لها. ولا سيما ما اتصل بذلك، ونتج عنه من مواقف ضد
العرب والعروبة والإسلام والمسلمين ومن أحكام عليهم.. بعيداً عن التعالي والحقد
والكراهية والنزعة الصليبية، أو النزعة العنصرية المتورمة والتوهم القتال لدى بعض
الأميركيين، وكل الصهاينة والمتصهينين.
وأحد أهم المداخل
إلى ذلك هو سماع العقل وصوت الآخر الذي قد لا نرضى عنه ولا عما يقول، والكف عن
السير وراء نزعة الشر وسياسة شراء الأشخاص والمواقف والسياسات، وسماع الكلمات التي
نريد أو نحب سماعها، لأن ذلك لن يغير الواقع ولن يغير عقول الناس، ولن يقنع أحداً.
إن ذلك بتقديري أحد
أهم المداخل الملائمة والضرورية لتحسين الصورة وتغيير العلاقات والمواقف، والقضاء
على الأزمات، ووقف التصدع والتطرف والتهديد والتصعيد الذي يؤدي إلى الكراهية
والعداء. فهل ينظر الأميركي المسؤول في أي موقع كان إلى الأمور نظرة موضوعية تؤدي
إلى " تجميل الصورة " أو تغييرها ليكون جمالها طبيعياً، أم أن هذا الأمر
ميؤوس منه، وأن العجوز الأميركية ينطبق عليها القول الذي أورده الجاحظ:
|
عجوزٌ ترجَّى أن
تعود فتيَّة
|
|
وقد لحِبَ
الجنبان واحدودب الظهرُ
|
|
تدسُّ إلى العطار
ميرَةَ أهلها
|
|
ولن يصلح العطارُ
ما أفسد الدهرُ
|
إن الحكم على هذا
متروك للرجال والزمن، وتحسين الصورة الأمثل في هذا المجال لا يتم بالتجميل، ولكن
بالتغيير الذي يشمل الجوهر ويتخلى عن الأقنعة والزيف والتكلف والخداع.. وشاعر
العرب يقول:
|
ومهما تكن عند
امرئ من خليقة
|
|
وإن خالها تخفى
على الناس تُعلَمِ
|
دمشق
في 3/10/2003