|
بدمهم يرسمون لنا الطريق
يوم السبت في 4/10/2003 ظهراً نفذت الشهيدة هنادي تيسير عبد المالك جرادات من جنين، عضو حركة الجهاد الإسلامي، عملية استشهادية في مطعم مكسيم بحيفا، انتقاماً لمقتل شقيقها فادي جرادات المجاهد الذي اغتالته قوة الاحتلال الصهيوني في منزله أمام أعين أهله وبينهم أخته هنادي. وكانت تلك القوة التي اقتحمت بيته قادرة على اعتقاله وأخذه لمحاكمته لو شاءت، ولكنها قتلته بدم بارد وهو يتناول كأس الشاي. وبقيت صورة دمه واختلاجات جسمه أمام عيني أخته، وبقيت كذلك صور الدم والدمار والاجتياح والقتل والحصار، وكل ما جرى في مخيم جنين على الأقل في وجدانها وذاكرتها.. بقيت تلك الصور تجلدها وتعذبها وتطالبها بالعمل وتدفعها إلى الثأر.. حتى جاءت ساعة ذلك. وأسفرت العملية الاستشهادية التي قامت بها عن 19 قتيلاً بينهم أربعة من عرب فلسطين 1948 و50 جريحاً، وكان الحزام الناسف الذي حملته الشهيدة هنادي بقوة 20 كغ مما دمّر المطعم تدميراً تاماً.
وفي اليوم ذاته الذي وقعت فيه العملية قتلت قوة الاحتلال الصهيوني سرحان سرحان من شهداء الأقصى في جنين، ودمرت بيت أسرة الشهيدة هنادي وبيت أمجد عبيدي، أحد قادة الجهاد الإسلامي الذي قالت إنه المسؤول عن تدبير العملية في حيفا، وأنذرت زوجه وأولاده بأنها سوف تهدم كل بيت يلجؤون إليه.! وشددت الحصار على الشعب الفلسطيني، وهددت بتنفيذ القرار الصهيوني السابق بطرد عرفات أو قتله أو محاكمته في فلسطين المحتلة بتهمة الإرهاب، وهو القرار الذي شجبته مئة وثلاث وثلاثون دولة في الأمم المتحدة.
أدان الرئيس بوش عملية حيفا بسرعة ووصفها بأنها: "عمل إرهابي وحشي" وقال: " لقد أوضحت في اتصال مع شارون بعد العملية.. إن إسرائيل لديها الحق في الدفاع عن نفسها من دون حرج.." وهذا تصريح واضح في تحريضه على العدوان، وهو يحث شارون على القيام بتوسيع دائرة الإرهاب والإجرام كما يشاء، وتفويض برفع درجة التوتر في المنطقة استناداً إلى دعوة صريحة من الولايات المتحدة الأميركية. وجدد الرئيس تأكيده أن "على عرفات أن يحارب الإرهاب.. وعرفات هو العقبة".
وكان الرئيس بوش الغارق في مستنقع العراق بعد تصاعد عمليات المقاومة هناك، والذاهب إلى أبعد مدى في محاولاته لتصدير الأزمة على الجوار الجغرافي لذلك البلد العربي، والمصمم على تحميل الآخرين مسؤوليات أخطائه السياسية القاتلة، وعلى إلقاء عبء الأمن في العراق على الأمم المتحدة من دون أن يعطيها أي دور فعلي في العراق، لاسيما بعد رفض أعضاء مجلس الأمن الضمني مشروع القرار الذي تقدمت به حكومته حول الموضوع بعد تعديله، وصدور تقرير الأميركي "ديفيد كيلي" حول أسلحة الدمار الشامل في العراق الذي ينذر بهبوب عواصف شبيهة بالعواصف التي ثارت بوجه "بلير" وسببتها وفاة "ديفيد كيلي" في بريطانيا؛ كان الرئيس الأميركي قد قال في يوم سابق في أثناء مؤتمره الصحفي مع "برلوسكوني" وفي نص مكتوب: " "اليوم سوريا وإيران تواصلان توفير المأوى والدعم للإرهابيين. هذا السلوك غير مقبول على الإطلاق، والدول التي تؤيد الإرهاب ستحاسب".!
ومما تجدر ملاحظته هنا أن الجانب الأميركي كان منذ زمن يركز على أن عرفات هو العقبة، وأن سورية ترعى "الإرهاب"، أي تدعم المقاومة الفلسطينية واللبنانية ضد الاحتلال الصهيوني، ويطلب من سورية وإيران اتخاذ مواقف يمليها هو وحليفه "شارون" تحت الضغط والتهديد واختلاق الأسباب، وكلها في صالح احتلاله للعراق وخدمة للاحتلال الصهيوني لفلسطين وممارساته النازية ضد شعبها، وعملياته التدميرية المستمرة لكل مقومات الحياة في ذلك البلد المغتصب بقوة الإرهاب منذ سبع وخمسين سنة. وها هو الرئيس يلوّح الآن بتغيير أدوات الصراع وأشكاله وميادينه وبتوسيع دائرته، ويعمد إلى التحريض على التصعيد في عمليات الدمار والقتل والتهديد التي يقوم بها الكيان الصهيوني، إلى أن تسلم دول المنطقة وشعوبها بما يطلبه المحتلون منها، وبما ترمي إلى تحقيقه المخططات الإمبريالية الصهيونية في المنطقة، التي يمثلها في هذه المرحلة الثلاثي: شارون بوش بلير.
ومن موقع آخر متصل بالأول عضوياً جاء الكلام حول عملية الشهيدة هنادي يؤسس لكلام الرئيس بوش ويتناغم معه تماماً، ويستند إليه، ويستمد منه دفعاً وعنفاً ويجعله برنامج عمل، قال "داني نافيه" أحد متطرفي الليكود: "إن الاعتداء الإجرامي يشكل بلا شك مناسبة لتنفيذ قرار الحكومة بالتخلص من عرفات".. وقال وزراء آخرون في الكيان الصهيوني بما هو أشد وأوسع أثراً تدميرياً من ذلك حيث يشمل أبعاداً أخرى، والجميع يريد أن يصدِّر الأزمة الداخلية ويخرج إلى فضاء إجرامي أرحب وأكبر، ويغطي عورته في الداخل. لأن الانتفاضة المباركة ألحقت بالعدو خسائر بشرية ومادية ومعنوية جعلته على درجة من اليأس والإحباط، لخصها بعض الكتاب الصهاينة على مدخل السنة العبرية الجديدة بأقوالهم:
ـ "الإسرائيليون يائسون.. فللمرة الأولى يكشف استطلاع رأس السنة الذي تجريه صحيفة "يديعوت أحرنوت" عن مخزون هائل من اليأس الكامن في قلب المجتمع الإسرائيلي.. فبعد ثلاث سنوات من نشوب الانتفاضة، يجبي عبئها الاقتصادي والمعنوي ثمنه.. وإذا كان التشاؤم السياسي الأمني غير أسود بما فيه الكفاية، فإن التشاؤم الاقتصادي هو قلب الظلام."./ يديعوت أحرنوت 26/9/2003
ـ “.. الدولة تتدهور، والانتفاضة تتواصل، والاقتصاد يتردى، والفساد يستفحل، وعرفات أيضا سيواصل جعل حياتنا مريرة في العام القادم."./ معاريف 26/9/2003
ـ “.. بعد ثلاث سنوات صار من حق سكان الدولة أن يسألوا رئيس حكومتهم، إلى أين يقودهم.. وهو يمكن أن يُذكر بوصفه الشخص الذي بلغت "إسرائيل" في عهده أزمة متعددة الجوانب لم يسبق لها مثيل. وسماته الشخصية: المكر، الميكافيلية، القدرة على ملاحظة نقاط ضعف الخصم، القدرة على سحر الآخرين."/ ها آرتس بتاريخ 26/9/2003
في هذه الأجواء جاءت عملية هنادي جرادات لتجعل شارون وجهاً لوجه أمام الانتفاضة مَشْبوحاً إلى جدار الكراهية الذي بناه، عاجزاً عن تحقيق حسم على الرغم من الدموية واستمرار الاجتياح والتصفيات والحصار. فاندفع في مدى حماقته إلى الأمام لأنه يطرب للجريمة والدم وليس لـه سوى أفق الحرب والإجرام والعدوان من أفق. وكثور بائس في حلبة الصراع يلوّحون لـه بالرداء الأحمر.. راح بحمقه المعهود ينطح الجدار.. ولم يكتف بالتوجه إلى جنين وطولكرم ورفح، بل انطلق إلى قرية عين صاحب على مقربة شمال غربي دمشق يلاحق القائد رمضان عبد الله قائد الجهاد الإسلامي ظناً منه أنه هناك مع عناصره؟!.
اخترق بطيرانه أجواء دولتين، واعتدى على لبنان وسورية، ودمر أبنية، وأصاب رجلاً، وعاد ليدخل السبت ويوم "الكيبور" بمباركة من "رب" الحرائق والدماء ومن الرئيس بوش الذي كرر بعد أن شعر بالتعاطف مع موقف سورية وضعف موقف الكيان الصهيوني في مجلس الأمن الدولي، قال:" على إسرائيل ألا تشعر بالحرج من دفاعها عن نفسها."، وكأن شارون بعدوانه الهمجي ذاك في وضع الدفاع؟! إنها حركة سياسية صارخة في خطئها تأتي لطمأنة الكيان الصهيوني ووحشه النازي بأن الفيتو الأميركي سيجنب الدولة التي أدمنت الجريمة والإرهاب والعدوان، غضبة المجتمع الدولي.
ورُفعت جلسة مجلس الأمن للتشاور مساء الأحد الخامس من تشرين الأول 2003 في حركة من رئيس المجلس الأميركي "نغروبونتي" تترك وقتاً يستمتع فيه اليهود بعيد لا تتخلله الإدانة والملاحقة، وتبقيهم مطمئنين إلى أن الدولة العظمى سوف تحميهم "بالفيتو". وقد حرص على أن يقول في كلمته أمام المجلس: "سنقف ضد القرار". وليس من عجب أن يتطابق كلامه مع كلام الإرهابي الوقح "غيلرمان" ممثل الكيان الصهيوني في الأمم المتحدة حيث قالا عن طلب سورية عقد الجلسة: "كأنما طالبان تدعو لعقد الاجتماع"!. في إشارة إلى اتهام سورية "بالإرهاب" مثل طالبان المتهمة أميركياً به!. وهذا هو قلب المفاهيم وتشويهها الذي غدا ديدن الصهاينة والأميركيين، وأشاعوه على نحو مثير في كثير من الأوساط السياسية والإعلامية وحتى الثقافية للأسف؟!
من الواضح أن هناك حرصاً أميركياً مذهلاً على عدم إزعاج دولة "الرب" التي تتغذى على الجريمة والإثم والعدوان والشر وتدمن الدم البشري في الأعياد.. تصنع منه فطير صهيون، وتدعي أنها دولة أخلاقية!. يا للعجب.. يا للفضيحة!.
لقد لجأت سورية بعد الغارة على قرية عين الصاحب إلى مجلس الأمن، وليس أمام سورية سوى أن تلجأ إلى مجلس الأمن لتؤكد للمرة المئة بعد الألف احترامها للمؤسسة الدولية التي لم ينفذ الكيان الصهيوني أياً من قراراتها خلال مدة تقرب من ستين سنة، ولترفع صوتها هناك بأنها ليست مع الإرهاب كما تقول الدولة التي تجسد الإرهاب وتمارسه عملياً وتدعي أنها تحاربه؟! وأن مقاومة الشعب الفلسطيني حق مشروع لا يمكن أن ندينها أو نتهمها أو نتخلى عنها.. ولتشير إلى أنها تلتزم بعدم خرق الاتفاقيات، ومنها اتفاقيات وقف إطلاق النار، منذ أكثر من عشرين سنة، على الرغم من أن أرضها محتلة منذ ست وثلاثين سنة.. تحت سمع العالم وبصره! ..
ولكن هل هناك من يسمع ومن يتفهم هذا الالتزام على وجهه الصحيح يا ترى في عالم ديدن الناس فيه يردد مع من قال:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد * * * * * ذا عفّة فلعلة لا يظلم؟!
لن يذهب مجلس الأمن الدولي إلى اجتراح المعجزات، ولن تكون الولايات المتحدة عادلة أو متوازنة الحضور، أو غير منحازة للكيان الصهيوني بصورة مطلقة. ولن تقود هذه الطريق، طريق البكاء على عتبات الأمم والصراخ في ممراتها بالتمسك بالقانون في وجه من يمزق القانون ويلقي به في وجوه الضعفاء، ويضع قانون القوة موضع التنفيذ، أقول لن يجدي هذا الأسلوب، ولن تقود تلك الطريق إلى تحرير الأرض، وعودة الشعب المشرد، وحماية المقدسات، وفرض احترام السيادة، والحفاظ على الكرامة.. لا بد من امتلاك القوة، والدفاع عن النفس بالقوة، والوقوف في وجه الاحتلال والتوسع الاستعماري، وقانون القوة الغاشمة، وهمجية الشر المنطلق من كل عقال، وروح العدوان المتجددة، والإمبريالية الجديدة التي ترسل من عين الصاحب رسائل القوة إلى سورية بالذراع الصهيونية، بعد أن دمرت العراق واحتلت، ودأبت على التهديد والوعيد والتلويح بالحصار وبإقرار ما يسمى " قانون محاسبة سورية"... لا بد من الوقوف بوجه العنصرية والطمع والغزو بامتلاك كل ما يكوّن قوة بالمفهوم الشامل لها، من قوة الفرد والمجتمع إلى القوة المعرفية والقوة الضاربة الرادعة .
في هذه الأجواء وضمن هذا المناخ وهذه التحديات والمعطيات يجب أن نقرأ رسالتين بوضوح: رسالة الكيان الصهيوني وحليفه الأميركي في فلسطين والعراق المحتلين وفي عين الصاحب من جهة، ورسالة فتاة جنين هنادي جرادات التي جاءت إضافة إلى العمليات التي قامت بها أخواتنا وبناتنا وقام بها إخوتنا في فلسطين المحتلة وجنوب لبنان، لتشكل مفصلاً في الحدث والاختيار ولتبيّن بوضوح الاختيار الذي ترضاه أكثرية أبناء الشعب الفلسطيني وجموع الشعب العربي الصامتة من جهة أخرى.
الناس هنا أمام واحد من خيارين: إما الاستسلام من دون قتال لما يطلبه المحتلون وتحالف الأشرار الصهاينة والإمبرياليون الجشعون، وإما المقاومة ودفع ثمن الكرامة والحرية وتحمل عبء التحرير. ويبدو من استقراء تاريخنا القريب والبعيد، واستقراء تاريخ سوانا من الأمم والشعوب، أن الاستعمار لا يخرج طواعية، وأن المحتل يتم دحره بالقوة.. والمقاومة قوة روحية ومادية، وعناوين الكرامة تُكتب بالتضحيات وبدماء الشهداء التي لا تذهب هدراً وتبقى منارات هدى وهداية على مدى الزمن.
لقد قالت الشهيدة جرادات: " قررت بعون الله أن أكون الشهيدة السادسة.. أن أفجر نفسي بوجه الاحتلال الذي زرع الموت في أرضنا.. بوجه المستعمرين والمستوطنين والمحتلين الصهاينة..". وهي بقولها هذا الذي سجله دمها في الذاكرة، وبأقوال زملائها الذين انضمت إليهم وسجلوا أقوالهم بدمائهم، يرسمون لنا الطريق: طريق الحرية والتحرير والكرامة والوجود الحضاري الحي بين الأمم.
رحم الله الشهداء، وأحسن إليهم، ونفعنا بهم.
دمشق في 6/10/2003
|