صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الخامس) - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2004

موقف في بتراجايا

قامت قائمة الغرب والحركة الصهيونية على الرئيس الماليزي مُحاذر/محاضر/ محمد لأنه سمّى الأشياء بأسمائها في المؤتمر الإسلامي الأخير في بتراجايا/ ماليزيا/، ووقف موقفاً جريئاً وصادقاً وصريحاً مبنياً على وقائع التاريخ وحقائق الحاضر ومعطياته، حيث قال ما معناه: إن الغرب الذي قتل ستة ملايين يهودي في الحرب العالمية الثانية يخضع اليوم لنفوذ اليهود الذين يحكمون العالم ويتحكَّمون بقرار الكثير من دوله، ويجعلون غيرهم من الشعوب والدول تقاتل ويُقتل أبناؤها بسبب اليهود ومن أجلهم وتنفيذاً لمشاريعهم؛ وهم يمارسون الإرهاب، إرهاب الدولة الأشنع من أي إرهاب، من دون ردع أو إدانة من أي نوع، ومن دون أن يرتفع صوتٌ ضد إرهابهم وجرائمهم وامتلاكهم لأسلحة الدمار الشامل التي تهدد بلدان العرب والمسلمين.. وإنهم يقودون الغرب، الذي ينقاد لهم، إلى الإضرار بمصالحه ومصالح الآخرين في حملة ظالمة على الفلسطينيين والمسلمين والإسلام الذي تُشوَّه صورتُه، حيث يتمُّ التعريض به، والتطاول عليه ويُتهم بالإرهاب، في حين أن الإرهاب لا دين لـه ولا وطن، وأن من يقوم بعمل إرهابي من أي دين أو قومية أو جنسية كان لا ينسحب فعلُه على قوميته أو دينه أو جنسيته. ولا يقوم بذلك التعميم المستهجَن أحد سوى الصهاينة والغرب المحكوم بالصهيونية، ولا يوجه إلا إلى العرب والمسلمين بالتحديد.‏

لم يقعد الغرب بعد قيامته تلك على الرئيس الماليزي إثر كلامه الشجاع، واتهمه بتهمة جاهزة هي معاداة السامية، وهي تهمة عجيبة غريبة لا تنص عليها قوانين إلا في أوربا والولايات المتحدة الأميركية بتأثير اليهود ونفوذهم الواسع هناك. ويتم الحديث عن اتهامه بتلك التهمة على الرغم من أن الرئيس الماليزي ذكَّر بجريمة الغرب بحق اليهود التي يسمونها المحرقة، ويتهمون كل من يشكك بها، أو يعيد قراءة ملفاتها قراءة منطقية منصِفة، ويفتح تاريخها للفحص والتدقيق، يتهمونه بمعاداة السامية، التي يبتزون بها الغرب سياسياً ومالياً وعسكرياً، وأشار إلى الرقم الذي يحب تأكيده اليهود وهو: مقتل "ستة ملايين يهودي".. ولم يشر إلى الرقم الحقيقي الذي أثبتته دراسات المؤرخين الجدد، ويقع في حدود مليون وربع المليون ضحية من بين ما يقرب من خمسين مليوناً هم ضحايا الحرب العالمية الثانية تسربوا كلهم من ذاكرة التاريخ والأمم وبقي فيها اليهود.. واليهود فقط! وذلك ما يحرص اليهود عامة، والصهاينة منهم خاصة على تذكير الغرب به من دون فتور أو تهاون ليستمر التخويف والابتزاز.. عجب.. ولكل من يريد أن يعرف الحقائق أن يعجب على هواه، ولكنه لن يغير من هذا الأمر شيئاً ما دام يخاف ويكتفي بالعجب، ويرضى من الغنيمة بالإياب.‏

ومع أن الرئيس الماليزي لم يغير في الأرقام التي يريدها اليهود، وذكر الحقائق فيما يتعلق بالموقف من المسلمين، فقد طاف العداء لـه أربعة أركان الأرض بأجنحة عنصرية صهيونية قوية، وبدأ الببغاء العربي يردد في الإعلام اتهامات الغرب والصهاينة السمجة للرئيس مُحاذر/ أو محاضر/ محمد، ويشن عليه حملات لا تقل في سخفها وغوغائيتها عن هجمات اليهود والموالين لهم والخاضعين لسيطرتهم في العالم. والمؤسف أنه يفعل ذلك بدلاً من أن يرى الوجه المنطقي والإيجابي الصحيح في موقف الرئيس الماليزي، رئيس القمة الإسلامية، الذي يناصر الحق، وقضايا العرب والمسلمين، ويقول الحقيقة، ويؤلمه سفك الدم الفلسطيني البريء والعدوان والتهديد بالعدوان لكثير من بلدان العرب والمسلمين؟!.‏

ذلك أمر عجيب.. ويدخل في سلسلة عجائب بعض العرب الكثيرة والمثيرة، وهو أمر لا فت للنظر بدرجة واضحة وكبيرة في هذا الوقت الذي يلِغ فيه شارون في دم شعبنا الفلسطيني، ويحرث رفح ويهدم بيوت أهلها ويشردهم في الأرض، ويستمر في القتل وفي تصيد قيادات المقاومة الفلسطينية وملاحقتها وتصفيتها، وبتدمير حياة الشعب الفلسطيني ومقومات صموده وبقائه في أرضه، ويتكفل حليفُه الأميركي بتغطية جرائمه تلك بكل الوسائل: مالياً وسياسياً وإعلامياً، ويستخدم حَقّ النقض لحمايته من أية إدانة دولية، ويعطيه التفويض بمهاجمة سورية وتهديد لبنان وانتزاع ما تبقى من أرض الفلسطينيين وحصارهم بالسور المموَّل أميركياً، وتهويد القدس بالكامل!؟.‏

لماذا يجرؤ رئيس بلد مسلم على قول الحقيقة، ويرفع صوته بوجه القوى الصهيونية والإمبريالية الاستعمارية المنافقة والحاقدة على العرب والمسلمين في مؤتمر إسلامي كبير تحضره أكثر من خمسين دولة، ويمثل ملياراً وثلاثمئة مليون من سكان العالم؟! ذلك ما لم يكن يتوقعه أحد من الغربيين والصهاينة والعرب الموالين لليهود، أو الخائفين منهم، والمحكومين بأوامر حليفهم الأميركي، وذلك ما يرغبون في قتله في مهده وتخويف من يقومون به وتهديدهم.. وهو بالذات ما يتطلع إليه المسلمون ويرون فيه أقل ما يمكن أن يُقال في مؤتمر للدول الإسلامية ينعقد في هذا الوقت الذي تجاوز فيه التهديدُ والعداء وحملات التشويه الكريهة على الإسلام كل الحدود والتوقعات.‏

أمر عجيب.. بل أمر في غاية الغرابة والاستهجان أن يقف بعض العرب ضد من يقف مع قضاياهم، ويناصر حقهم، ويعلن الحقيقة التاريخية المعروفة لأعدائهم، تلك التي يسكت الكثيرون عن قولها خوفاً أو طمعاً، ويُحاكَم من يدقق وقائعها في الغرب " الحر والديموقراطي" وفق قانون "العداء للسامية" الذي كان اليهود، ومنظمة "بناي بريت" الصهيونية الأميركية على الخصوص، وراء فرضه على دول أوربية منها فرنسا!!.‏

إن موقف الرئيس الماليزي يستحق التقدير والتحية والاحترام، والهجمة المتصاعدة ضده وضد بلده بسبب هذا الموقف في الأوساط السياسية والإعلامية الغربية والصهيونية وأذنابها العربية تستحق الإدانة والشجب. وينبغي أن يتكاتف العرب والمسلمون، وكل من تعنيهم الحقيقة وحرية الرأي والتعبير وتعاون دول العالم وتعايشها على أسس من الاحترام والأمن المتبادلين، لدفع الحملة عنه وعن ماليزيا ودفع شرورها عن كل البلدان التي تتعرض لحملات عدوانية مسعورة من الصهاينة والإدارة الأميركية المحكومة بعدائيتهم وعنصريتهم ومشروعهم الإمبريالي الاستيطاني. وإذا ما دفع الرئيس الماليزي نفسه، أو دفع بلده ثمن هذا الموقف الشجاع، فإن وصمة جديدة ستلحق بالمسلمين، وباباً جديداً من الخذلان والامتهان سيُفتَح عليهم وينالهم منه سوء كثير، لأنهم لم يقفوا بقوة مع الحق ومع أنفسهم ومع رئيس مؤتمر منظمتهم الذي قال الحق ووقف موقفاً واضحاً بوجه معادين للحق والحرية والقيم والسلام والعروبة والإسلام، وتصرف بوحي من إيمانه وانتمائه لثقافة وحضارة وعقيدة يمثلها الإسلام الذي يحث على قول الحق واحترام الحرية والقيم السليمة، ويرى في الصامت عن قول الحق شيطاناً مصاباً بالخرس.‏

يتذرع الذين يهاجمون موقف الرئيس الماليزي بأن ذاك أضرَّ أو يضرّ بالمسلمين، ويزيد في تشويه صورتهم، ويضعهم في موقف العداء لما يسميه الغرب " السامية"، ويشجع على اتهامهم بالإرهاب، ولا يحسّن علاقاتهم بالآخرين؟! وكأن هذا الصنف من العرب مصاب بفقدان الذاكرة المزمن والعمى التام، فلا يذكر ولا يرى صور العداء الكريه للعرب الساميين أبناء إسماعيل خاصة وللمسلمين كافة، ذاك العداء المتنامي الذي يمتد من تل أبيب إلى واشنطن، وينتشر في فضاء الإعلام والثقافة الإمبريالية الصهيونية، ويغطي مناطق من العالم، ويتسرطَن به الجسم العربي، ويقدّم أبشع صور العداء وأكثرها عنصرية ودموية لأمة هي الضحية، وتقدَّم على أنها الجلاد بإصرار صهيوني أميركي وقح على الكذب والتلفيق والتزوير والافتراء المدروس الموظف توظيفاً سياسياً وإعلامياً دقيقاً ضمن مشروع عدواني كبير. ولا يرون أن تدمير أفغانستان والعراق واحتلالهما عمل عدواني صارخ تمّ خارج حدود الشرعية الدولية والقانون الدولي، وإرادة الشعوب في العالم كله، وأن ذلك يدخل في سلسلة أفعال ضمن استراتيجية عمل إمبريالي لمصلحة الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأميركية، لا يتوقف عند حدود ما تم من احتلال وتدمير في تينك الدولتين، وإنما يمتد وفق الخطة الأميركية المعلنة منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 على الأقل ـ حتى لا نذهب إلى مدى أبعد من ذلك في الإشارة إلى التخطيط والاستهداف ـ ليشمل دولاً عربية وإسلامية منها: سورية وإيران والسعودية، وتصفية قضية فلسطين وفق منظور الكيان الصهيوني ومصلحته، وجعل المنطقة كلها تحت الهيمنة أو السيطرة المباشرة: أمنياً واقتصادياً وعسكرياً، ويصل إلى إعادة النظر بالسياسة الثقافية للمنطقة ابتداء من مدخل التربية والمناهج ومنظومات القيم الروحية والاجتماعية والقومية وصولاً إلى الجغرافية السياسية لتلك البلدان، حيث تكون هي وأنظمتها بيد المحتل الأميركي الصهيوني يعيد رسم حدودها وعلاقاتها ويقسّمها على هواه إن هو استطاع. وذلك لا يشكل سوى المرحلة الأولى في استراتيجية تستهدف العروبة والإسلام ومنظومات القيم والثقافة والعقيدة الإسلامية في وطن العرب والمسلمين.‏

وإذا كان أولئك الذين يرقصون على النغم الصهيوني الأميركي لا يعون أبعاد المشروع الإمبريالي العنصري ومخاطره القريبة والبعيدة، فعليهم أن يسعوا إلى معرفة ذلك بدقة لينصروا الحقيقة والحرية والاستقلال والثقافة والعقيدة المستهدفة بمجملها، هذا إذا كانوا مسكونين بشيء من الهم الإنساني العام والحرص والانتماء الوطنيين والقوميين، أمّا إذا كانوا يعرفون ذلك المشروع، وينساقون في ركاب المحتل والعدو، وصاحب الاستراتيجية الإمبريالية الاستيطانية الشيطانية التي تستهدِف الوطن العربي، والعالم الإسلامي بذريعة محاربة الإرهاب، فذاك موقف يضعهم في صف العدو، أو المتجاهل عن عمد وإصرار لحقائق الواقع وتوجهات تلك السياسة وأهدافها البعيدة، ويضع الرئيس الماليزي محاذر / محاضر/ محمد، ومن يرى رأيه، ويقف موقفه في صف الدفاع عن الوطن والكرامة والحرية والأمة والدين ضد من يستهدف ذلك كله، ويغزو الآخرين في أرضهم وبيئتهم الثقافية ليحقق أهدافه غير المشروعة.. ونتوقع من أولئك المنتمين لغير معسكر أوطانهم وأمتهم، في أدنى درجات التوقع، إن يتركوا المعنيين بأوطانهم ومصائرهم وعقائدهم أن يعبروا عن آرائهم ويحدّدوا اختياراتهم ويدافعوا عن أنفسهم بالقدر الذي يستطيعون. أما أن يتجرأ الإرهابي والمعتدي والمحتل والعنصري علينا وعلى كل ما يكون هويتنا ووجودنا، ويقف إلى جانبه تابعُه الثقافي، أو المسحوق تحت أعباء تفوقه المالي والعسكري، أو المرتبط به ارتباطاً من أي نوع والمنسلخ عن أمته وحضارته وعقيدته بصورة ما، أن يتجرأ علينا ويتهمنا في اختيارنا ودمنا ويسفَّه الحق والمنطق وسلامة الرؤية والموقف، فذاك والله أبعد من الظلم بكثير، ويجعلنا أشد استهجاناً وثورة ورفضاً واعتراضاً وقدرة على المقاومة والتضحية من جهة، وأكثر أحقية في الدفاع عن أنفسنا، والتمسك بمبادئنا والتكاتف فيما بيننا لفضح العدو وأعوانه، والدفاع عن الحقيقة والوطن والحرية والاستقلال والثقافة والدين: الإسلام.. من جهة أخرى.‏

نحن لا نريد شهادة حسن سلوك من عدونا، ولن نحصل سوى على الذل والقهر والموت إذا ما تعلقنا بذلك وسعينا إليه وسرنا في تلك الطريق.. والتاريخ معلِّم كبير لمن يريد أن يتعلَّم الكثير. وعلى من يريد أن يوردنا هذه الموارد أن يسأل نفسه لماذا ولأي غرض؟! وإذا كان يدفعه حرص من نوع ما على تجنيب الأمة مأزقاً فليتأمل في الوضع القريب، منذ سنوات ثلاث على الأقل حتى اليوم، وليتفحص جيداً، ويحصِ ويخبرنا من بعد: ما الذي جناه الضعفاء المستضعفون المحتلة أوطانهم، المُهدَرة دماؤهم، المهددون بالذل والقهر والتشريد والموت، ما الذي جنوه من سكوتهم على المحتل وخضوعهم للعنصرية.. ماذا جنوا من ربح وماذا حققوا من نتائج، ولأية نهاية وصل بهم أمر التودد والتنازل والتذلل والتفريط واتهام الذات، والتسليم للأميركي والصهيوني بما يريد..؟! هل تحرر وطن أو نال فرد أمناً واحتراماً وحرية من أي نوع بالخنوع والخوف والاستسلام لعدوه وظالمه ومحتل أرضه والتسليم لـه بما يريد ؟! وما الذي حققه أو خسره الذين لا يملكون سوى لحمهم ودمهم يدافعون بهما عن أنفسهم وأُسَرِهم وأرضهم ومقدساتهم ومقومات عيشهم وبقائهم.. ألم يرفعوا في أفق الناس على الأقل راية حقيقة تقول: إن المقاومة حق مشروع، وإنها تلحق بالعدو الخسائر، وتقود إلى طريق طويلة شاقة ولكنها طريق الحرية والتحرير في نهاية المطاف.. إنها طريق الكرامة والأمن من جوع وخوف تلك التي تليق بالإنسان الكريم في حياة يعيشها مرة واحدة فقط؟!.. فليتأمل وليتفحَّص، وليعدل في القول والحكم.. ويقول القول الفصل.. والتاريخ معلِّم كما قلت.‏

والله من وراء القصد‏

القاهرة في 20/10/2003‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |