|
المشهد الحاشد
المشهد ممتلئ، والموضوعات الملحة تتزاحم في مسارب العقل والروح، والتفاصيل تتداخل وتتشابك مشكلة "غرونيكا" مرعبة من نوع خاص.. ومساحة القلب حاشدة بعويص المشكلات وتضاريس الهموم وصور الدم والدمع والدمار والعويل وصرخات المستغيثين: يا عرب.. يا مسلمين.. يا بشر .. أغيثونا، نحن منكم، أين نذهب وقد تقطعت بنا السبل، وسدَّ قطَّاع الطرق منافذ الدروب وأبواب الأمل، وبدأ الصهيوني تحطيب أجسادنا في أرضنا بكل سلاح؟!.. استيقظوا يا بشر.. أغيثونا يا بشر.."!!.
المشهد والقلب حالة احتشاد دامية وبائسة وغاضبة، فما الذي يأخذ المرء وما الذي يترك وقد حفلت اللحظة بالأحداث والتحديات والتهديد والاحتمالات، أيها يتقدم فيه الحديث على الآخر وأيها يطغى موضوعه على الآخر يا ترى:
1 ـ مجازر رفح وغزة وسيل الدماء والدموع، وجموع الفلسطينيين المقهورين المنتشرين فوق ركام حياتهم المدمرة، أولئك الذين يبطش بهم الوحش النازي الجديد، ويحيل، في غرة شهر رمضان، بيوتهم والأبراج السكنية في رفح وغزة إلى ركام بذريعة أن شخصاً فكّر وهو فيها بأن يقاوم الاحتلال الصهيوني الذي يمتص دمه ويدمر مقومات حياته وأمنه ومستقبل أسرته ووطنه؟!
2 ـ أم التهديد الأميركي الصهيوني المتصاعد بالعدوان على سورية، ودخول مجلس الشيوخ والإدارة الأميركية "الحصيفة جداً" إلى المرحلة الأخيرة من مراحل إقرار ما يسمى قانون محاسبة سورية?! وما يمهد لـه هذا القانون من تصرفات وممارسات، وما يُبنى عليه من قرارات وممارسات ومضايقات لاحقة وسلوك عدواني سيؤدي إلى المزيد من انعدام الثقة المتبادل، والاستفزاز، وتأسيس للكراهية والعدوان من جانب الأميركيين والصهاينة الذين يطلبون من سورية ما لا يمكن لدولة مستقلة ذات مبدأ وقضية وانتماء قومي أن تقبل به. ومن بعض ملامحه ما ذخرت به جلسة الاستماع التي عقدها مجلس الشيوخ يوم الخميس 30/10/2003 وهي الأقل سوءاً مما يعج به مجلس النواب من حقد أعمى وتهم يؤسس لها الحقد والرغبة بالعدوان وإذلال الآخرين. ومما هو "معتدل" فيها قول وليم بيرنز في شهادته أمام الكونغرس: "سورية تنسق مع إيران في مساندة حزب الله المنظمة الإرهابية الخطرة جداً ذات النشاط العالمي والقدرة على تهديد قوات التحالف في العراق". وأضاف: "إلى جانب مساندة سورية الإرهاب، لا تزال لدينا هموم جدية في ما يتعلق بوجود سورية المستمر في لبنان، وبسعيها إلى امتلاك أسلحة الدمار الشامل".
وقول كوفر بلاك: "ما نطلبه من سورية ليس غير عادي، وليس استثنائياً... نحن نطلب منهم أن ينضموا إلى مجتمع الأمم الذي يرفض الإرهاب كأداة سياسية، ونطلب منهم أن يتوقفوا عن مساندة جماعات هدفها الوحيد هو القتل". ومن المعروف أنهم يتهمون المقاومة المشروعة ضد الاحتلال بالإرهاب، ويناصرون الإرهابي شارون الذي ينفذ مسلسل إبادة ضد الشعب الفلسطيني، ويحتل أرض الغير ويقوم بالعدوان عليهم، وهو أنموذج للفساد، ويرون فيه " رجل سلام" وفق نظرة الرئيس بوش، ويقوم بدفاع عن النفس؟!
3 ـ أم اجتماع وزراء خارجية الدول المجاورة للعراق سورية وتركيا وإيران والسعودية والكويت والأردن، وممثل مجلس الحكم في العراق الذي سيعقد السبت 1/11/2003 في دمشق لبحث الموضوع العراقي، وما نتج وينتج عن تدهور الأوضاع هناك، وموقف دول الجوار ودورها منه، ومحاولات الإدارة الأميركية التملّص من مسؤولياتها بوصفها دولة محتلة، وتصدير عجزها وتخبطها وأخطائها بإلقاء اللوم على الآخرين، واللجوء إلى اتهامهم وتهديدهم وتحميلهم مسؤولية إخفاقها التام في الرأي والرؤية والتصرف، بدلاً من التحلي بالشجاعة وتحمل المسؤولية والاستجابة لنداء العقل ورغبات الدول والشعوب بالانسحاب من العراق وترك العراقيين يحكمون أنفسهم بأنفسهم ويقررون مصيرهم بحرية؟!
الملاحظ أن القاسم المشترك لعناصر المشهد المتشابكة هو الولايات المتحدة الأميركية وبرنامجها الإمبريالي من جهة، وحليفها الصهيوني ومشروعه الاستيطاني العنصري من جهة أخرى، وهما الطرفان المتحدان عضوياً، وترسم سياستهما وتحركاتهما الحركةُ الصهيونية التي يرفع صوتها في واشنطن من يسميهم المرشح للرئاسة الأميركية "لندون لاروش": " صقور الدجاج". وهم يستأنفون نقيقهم هذه الأيام ضد سورية، ويقول قائلهم الصهيوني "ريتشارد" بيرل الذي منحه اليسار "الإسرائيلي" في قمة القدس جائزة قبل أيام ـ ربما على دوره في تدمير العراق ومناداته بشن عدوان على سورية وإشادته بعدوان الكيان الصهيوني على عين الصاحب، ورغبته في أن تمضي حكومة بوش في طريقها لضرب سورية بصورة مباشر ـ يقول: " أنا سعيد لرؤية الرسالة قد وصلت إلى سورية من خلال سلاح الجو الإسرائيلي، وأتمنى أن تكون الأولى من العديد من مثل هذه الرسائل.. وآمل بأن تقوم الولايات المتحدة بنفسها بعمل عسكري ضد دمشق، لأن "سورية نفسها منظمة إرهابية."؟!
أما الضحايا في المشهد فهم الآخرون العرب والمسلمون الذين يستهدفهم هذا المشروع.
وهذا التوجه نحو التهديد والتصعيد بشكل مباشر أو غير مباشر من جانب الولايات المتحدة الأميركية وحليفها العضوي يشكل استئنافاً مجنوناً لسيناريو تمهيدي ـ تصعيدي يستكمل البرنامج العدواني الأميركي الذي يستهدف خمسة بلدان عربية وإسلامية في المرحلة الأولى من استراتيجية الإمبريالية الأميركية الجديدة للسيطرة على المنطقة والعالم، بذريعة محاربة الإرهاب.. أو الحرب العالمية على الإرهاب كما يحب متطرفو إدارة الرئيس بوش أن يقولوا "..؟.
ولا تبدو في الأفق دلائل تشير إلى إمكانية تفاهم وتعاون لأن: " حوار الطرشان" ناتج عن:
ـ موقف أميركي يُصنع في تل أبيب التي تشتهي الدم ولا تعيش من دون إرهاب وعدوان وتوسع، وفي برنامجها أن تفني الفلسطينيين، وتقهر العرب وتهيمن على سياستهم ومقدراتهم وإرادتهم.
ـ واستراتيجية إمبريالية أميركية تبرمج الأزمات والذرائع للوصول إلى أهدافها الاستراتيجية في الوقت المناسب، وتستخدم سلعاً سياسية تشوه بها الحكام والأفكار، وتخترق بها البلدان والسياسات والدول، ولا تتورع عن القيام بأي شيء للوصول إلى أهدافها، فكل شيء مباح عند الصهيونية والإمبريالية لتحقيق أهدافهما.
لا يوجد معطى حقيقي للتفكير العقلاني المتزن والممكن والمطلوب للتعامل مع الآخرين على مستوى من الاحترام والتفهم من جانب الأميركيين، لا سيما في الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلدان العربية والعالم الإسلامي. فالاستفزاز يزداد، والاتهامات العشوائية التي تعبر عن غطرسة وجهل مطبق وعنصرية بغيضة تتوالى، والسكوت عن الممارسات الإرهابية الصهيونية وعن والأصوات العنصرية الأميركية مستمر. فالجنرال المهووس بحرب الرئيس بوش "الصليبية المقدسة" وليم بويكين: "… يؤمن بأن الإسلام دين وثني دنس نشن ضده حرباً مقدسة"، ويقول عن المسلمين الذين حاربهم في الصومال وسيحاربهم في أي مكان: "كنت أعرف أن ربي أكبر من ربهم، كنت أعرف أن ربي إله حقيقي وأن ربهم صنم".. و" يجب أن نهزم هؤلاء باسم يسوع" ؟! ولا يعرف أن يسوع جاء بالمحبة.؟!
والرئيس بوش الذي " وضعه الرب في البيت الأبيض"، كما يقول الجنرال السيئ الذكر بويكين، يرى نفسه مؤهلاً لحكم العالم، وأنه لم يخطئ في حربه على العراق، ولم يكذب على العالم وعلى شعبه بشأن شراء العراق اليورانيوم من النيجر، ولا بشأن أسلحة الدمار الشامل العراقية التي ".. تهدد أمن الولايات المتحدة والعالم وجيران العراق" ؟! ولا يجوز أن يتراجع في أي من سياساته وبرامجه وأفكاره " الحكيمة.. المتميزة"، بل يريد أن يمضي إلى أبعد مما مضى حتى الآن؟! وها هو يعد بالمزيد من عمليات الحصار العدوان والدمار في المنطقة. وها هو وزير دفاعه دونالد رامسفيلد يرسم بعض ملامح الأفق للحملة الأميركية المستمرة انطلاقاً من أفغانستان والعراق وصولاً إلى سورية ولبنان وإيران، و.. تحت ذرائع مقاومة الإرهاب فيقول: " ينبغي علينا أيضاً أن نجد سبلاً للحيلولة دون تشكل الجيل التالي من الإرهابيين ـ يقصد المقاومين الشرفاء الذين يتصدون للاحتلال العنصري الإمبريالي الصهيوني"ـ.. وينبغي علينا للانتصار في الحرب على الإرهاب، أن ننتصر أيضاً في حرب الأفكار، في المعركة للفوز بعقول أولئك الذين تقوم حالياً شبكات الإرهاب في مختلف أنحاء العالم بتجنيدهم. " /الواشنطن بوست في26/10/2003
والمعلم العنصري الصهيوني كيسنجر يقول: ".. لا بد من ضرب القوى التي تحرّك الجهاد وإنهاء المدارس التي تعلّم كره الغرب" ؟! وكأن الغرب الذي يمثله هو وبيرل وولفوويتز وفورميسير وبيكين وفولويل.. وأمثالهم ممن يسمون أنفسهم زوراً وبهتاناً " المدافعين عن الحضارة؟!" وهم أشد أعدائها في العالم كله.. كأنه لا يكرهنا نحن العرب والمسلمين ولا يربي أجياله على كرهنا والعداء لديننا وثقافتنا وحضارتنا؟!.
في هذا المناخ السياسي الذي ترسمه الحركة الصهيونية وتمليه على البيت الأبيض ويتبناه الرئيس بوش منتشياً بالتكليف الإلهي المترجَم: عدواناً على الشعوب والدول، واحتقاراً للقوانين والشرعية الدولية، وتهديداً للأمن والسلام الدوليين، وانتشاء للعنصرية والفوضى ولغة القوة والطغيان.. إلخ في هذا المناخ السياسي الذي تزكمنا به روائح العنصرية والصهيونية والتعالي والعنجهية والعدوان والأفكار والرؤى الغبية: ما الذي يمكن أن نتوقعه سوى انتشار البؤس والموت.. ومنطق العدو الصهيوني المعلن يقول: " من الأفضل أن تبكي أمهات فلسطينيات وليس أمهات يهوديات". والمنطق العربي الرسمي يقول فيما يبدو: من الأفضل أن تبكي أمهات فلسطينيات وعربيات بدلاً من أن يغضب علينا السيد بوش ويتهمنا باسم شارون بالعداء للسامية"؟!
هذا هو المشهد الحاشد الذي تغرقنا به سياسات هذه الأيام، الطغيانيّة العنصرية الباغية من جهة والعاجزة عن الرؤية، واتخاذ موقف وقرار من الجهة الأخرى، وها هي لوحة واقعية أكثر بؤساً من لوحة بيكاسو الفنية المسماة" غرونيكا" تنتصب أمام العيون لتجعل الأرواح تعيش شهراً غنياً بالفضيلة والعمل الصالح هو شهر رمضان الفضيل...
رمضان الدم والقهر والدموع على مداخل غزة ورفح، وفي مساحات من العراق، وعلى أبواب سورية، وفي أماكن كثيرة من بلدان العرب والمسلمين.
ولكنه في الوقت ذاته: رمضان الخير والبركة والجهاد والانتصارات على الذات لتولد إرادة تنتصر للحق والحرية والحياة.
وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون.
دمشق في 31/10/2003
|