|
أيها الصامدون أنتم العيد وكل عام وأنتم بخير
العيد على الأبواب، والعيد موسم كبير، وفي كل موسم يجني الزراع محاصيلهم.. لكن الحقول في المواسم مختلفة، وفيها من كل الثمر أنواع: الصائمون العابدون والركع السجود ينتظرون رحمة الله وغفرانه ويحصدون من بركة ما يزرعون، وبعض التجار يرون العيد موسم أرباح بصرف النظر عن المعايير وأصناف السلع وجودتها، وبعض الباعة يرون العيد موسماً تَنفُق فيه البضائع ويسهُل فيه استغلال الناس ورفع الأسعار والغش والضحك على الذقون، وبعض الساسة يكون العيد أحد مواسمهم الكثيرة لتسويق الكلام وتلميع الشخصية والظهور بمظهر " أمير المؤمنين، وإمام المسلمين" لا سيما في صلاة العيد، والعيد موسم الأطفال الذين يحلمون بكسوة جديدة وهدايا وحلوى ومبلغ من المال وإن كان صغيراً ينفقونه في أماكن اللعب التي تشكّل هي الأخرى مواسم لأصحابها.
العيد موسم.. وفي كل موسم ثمر طيب وثمر مُرّ، ولا يشذ العيد عن هذه القاعدة في بلادنا على الرغم من أن المفترض أن يكون العيد موسم فرح للجميع ومناسبة تغتسل فيها النفوس من الأحقاد بعد أن تطهرت في شهر الصوم من كثير من الذنوب والأدران.
العيد موسم كبير، وهو عند كثيرين من إخوتنا في العروبة والإسلام والإنسانية "موسم" تتكاثف فيه سحب الهم وكوابيس الغم وتسيل فيه الدموع. وقد يكون بعض هذا النوع من المحصول المر نتيجة لما بذرت يد الشخص مثل ارتكاب الجريمة بأنواعها والوقوع تحت أعباء ما ينتج عنها، وقد يكون بسبب لا دخل لأي شخص فيه ولا قدرة لأحد على رده مثل الموت، وما يتركه من حزن وحسرات، وشعور بالفقد في نفوس ذوي القربى.. لكن موسماً من نوع فريد يحين قطافه في كل عيد، ولا يكاد يهتم بمحصوله معظم الناس في مساحة وطن وامتداد أمة وأبعاد إنسانية، على الرغم من أنه بُذِر من أجل الناس والوطن والأمة والحق والحرية، ويُفتَرَض أن تعود نتائجه، حلوها ومرها، على من قاموا به أولاً، ومن كان من أجلهم وبسببهم ثانياً.. أعني "موسم" الشهداء والأسرى والمعتقلين والمشردين والملاحقين، والذين أصيبوا بأنواع من الإعاقات والعاهات في سبيل قضايا وطنية وإنسانية عامة على رأسها الدفاع عن الوطن ضد العدوان والاحتلال، والدفاع عن النفس والحق والحرية والأرض والعرض والكرامة والمصالح العليا والقيم والمقدسات.
الشهداء من هؤلاء همهم يشمل ذويهم، وتتراكم سحابات دمع ثقال في عيون الأمهات والآباء والأبناء والبنات والإخوة والأخوات من أولئك صباح " الموسم" العيد، ولكنهم يكبرون بألمهم ويكابرون وهم يذرفون دموعهم، فرؤوسهم مرفوعة وفي القلب شيء من عزة وعزاء، حيث يشعرون أن شهداءهم في الجنة، وفي ذاكرة التاريخ والمخلصين من أبناء الوطن، أو هكذا يفترضون، ويعتقدون أيضاً أن الناس من حولهم يُكبِرون تضحية الشهداء، ومن ثم يكبِرون ذويهم على نحو ما. ومع مرور الزمن تتقطع سُحُب الهم والغم والدمع وتبقى الذكرى.. ويبتعد القريب.
أما من هم قيد الأسر والاعتقال فمعاناتهم والمعاناة بسببهم في تجدد، وهي لا حدود لها، ولا قدرة على تصويرها أو تصورها، ولا مجال لمجاوزتها، ولا سيما حين يكون السجان محتلاً عنصرياً مجرداً من كل خلق وقيمة وشرف ويريد أن يكسر إرادة مناضلين ذوي وعي وإيمان ومواقف ومبادئ وكرامة، يعرفون حدود حقهم في الحرية والحياة، وفداحة الظلم الواقع عليهم وعلى شعبهم، ويدركون جيداً مدى ما لحق بهم وبأسرهم وأوطانهم من ظلم، ومدى ما ينتظرهم من شر ودمار على أيدي المحتلين والغزاة والعنصريين.
في ذلك الوضع، المعاناة تكبر مع مرور الزمن، والذكرى تأتي في كل مناسبة و" موسم" محملة بأثقال إضافية يفرضها تراكم المأساة، وطول المعاناة، ومرور الزمن، والوقوع في التخييل الذي يلعب دوره الكبير في تقديم الحالة التي يعيشها كل طرف من أطراف القرابة والصلة بالموضوع: الأسير والمعتقل من جهة، ومن هم على صلة به، ويأكلهم الانتظار للإفراج عنه والشوق لرؤيته، ويخنقهم ما يتصورونه ويعرفونه من عذاب يلحق بالمعتقل والأسير من أبنائهم من جهةٍ أخرى، وهم لا يملكون لذلك رداً ولا يطيقون عليه صبراً.. ولا حيلة لهم في الأمر، ويلتهمهم الإحباط، والحال في الطرف الآخر من العلاقة هو الحال في الطرف الأول، بل يزيد كثيراً بسبب التعذيب والقهر وظروف الأسر والاعتقال.
الوطن لا يشعر بهذا النوع من العذاب والمعاناة، ويترافق انعدام ذلك النوع من الشعور مع النسيان في دنيا العرب، فالمواطنون يعيشون بذاكرة مثقوبة على نحو ما، وربما كان ذلك نعمة من بعض الوجوه لا يدركها ذوو العقول. والرسميون في دنيا العرب مشغولون عن هذا بألف باب من صنوف الانشغال المشروع وغير المشروع، وبعضهم يتجاهل ذلك أكثر مما يجهله لأنه يريد أن يعطي ظهره لحالة العجز التي يعيشها، أو يتسبب بها للوطن، ولهذا النوع من الوطنيين، من المواطنين الذين لا يدري كيف يواجه مشكلتهم، وما هي حاله عندما يقرر مواجهتها.
الإنسان هنا، والقيم والأوطان في محنة وامتحان.. والاستنتاجات مثل النتائج مرة، ولا يقبلها العقل كما لا يقرها الوجدان.. فواقع الحال يشير إلى أن يدفع أكثر على مذبح المبدأ والحرية والحق والقضية العادلة، يعاني أكثر، ويُنسى أطول، ويكرع من الألم والدمع والإهمال ملء كيانه كله، وتسمَّر روحه على صليب الوقت بانتظار فرج من نوع ما، ووعي وإنصاف ورؤية سليمة للأمور من نوع ما.. هذا إذا لم يتحول إلى هزأة في مجتمع يعلو فيه معياره العيارون و الشطَّار فوق المخلصين والجُسَّار. لقد كان يطمع هذا النوع من الأشخاص بالإنصاف والمجد والاحترام والتقدير كل على ما قام به.. ولكن التوقّع شيء والواقع شيء آخر.
في صباح العيد "الموسم" تفتتح أمهات بيادرهن بالدمع والحسرات والدعاء لله سبحانه أن يفرّج الكرب، ويصبِّر القلب، ويعيد الأعزاء، ويضع حداً للظلم، ويمحق الظُّلام والمعتدين.. وتفرح أمهات بما في بيادرهن من خيرات وبما يستشعرنه من سعادة.. وحين يطرح سؤال استنكاري يشي بضرورة المشاركة الوجدانية على الأقل، في مثل هذا الموقف يُقال في معرض الجواب: ومن ينسى ذلك.. ولكن..؟! والوطن واحد، والقضية واحدة، والأمن واحد، والمستقبل واحد..؟!
إنه لأمر غريب.. من قال: إن القلب الذي يكتوي بالنار مثل القلب الذي يتفرج على المكتوين بها؟! ومن قال إن الرافلين بالأمن والسعادة والثروة والجاه والسلطة، ومن يعيشون كل يوم عيداً، يشعرون بألم من وفَّروا لهم بدمهم وألمهم وتضحيتهم، وبمعاناتهم ومعاناة ذويهم الأمن والسعادة، وهل يجعلهم ما هم فيه من أمان وبُلَهنية عيش يتذكرون من هم في قهر وتعاسة وشقاء، وهم ينهبونه وينهبون سواهم صباح مساء، ويتنقلون من عيد "موسم" إلى موسم عيد من دون خوف أو ردع أو وعيد؟! من قال: إن هؤلاء وهؤلاء يتمتعون بالدرجة ذاتها من المواطنة والمسؤولية والعدالة و..إلخ، ويتقاسمون شرف الانتماء لأمة في واقعها المعيش، وتطلعها المشروع إلى الحرية والتحرير والتقدم والنهضة؟! ولا أتكلم هنا عمن يبيعون الفريقين لمن يشتري، ويعرضون أنفسهم وأوطانهم للبيع في أسواق أعداء أوطانهم وأمتهم من دون أن يرف لهم جفن.. يفعلون ذلك كمن يقوم بعملية مشروعة.. يبيع ويشتري بضاعة في السوق، ولا يهمه منها سوى الربح بأنواعه لأنه البضاعة بأنواعها، وأدهى الأمر أنه يصدِّر نفسه وطنياً ومحرراً وأنموذجاً للوعي " الحضاري؟!
هذا الوضع المحزن يتكرر في عهود وبلدان وأزمان كثيرة.. وفي الحروب والضائقات والأزمات يدفع الفقراء والشرفاء والمسكونون بالمبادئ والقيم وحب الوطن، يدفعون الثمن ويطحنون طحناً، وتستمر معاناتهم، ومعاناة ذويهم العمر كله، إنهم يدفعون الثمن، الذي لا يعلو عليه ثمن من أجل الوطن والقيم والمبادئ والناس.. ولكن.. قد لا يشعر بهم الناس، ولا يذكرهم الوطن.. فسجلات الشرف مكرسة لمن يصدرون الأوامر، ويحاربون بالنظارات ويجيّرون أنهار الدماء والتضحيات والدموع لمصلحتهم، حيث يرفعهم كل ذلك درجة في علو الكعب "تاريخياً وواقعياً"؟! أليس ذلك من غرائب الحياة وعجائبها؟! لكن لا تخلو الحياة من شيء جميل، ولا يساق البشر مساقاً واحداً..
ترتفع هامتي حين أشعر أن معتقلين وأسرى من أبناء وطني وأمتي في سجون النازية الجديدة في فلسطين المحتلة. يصمدون بكبرياء، ولا ينحنون للمحتل مدة ربع قرن وأكثر، ويتوعدونه بالهزيمة على صخرة صمودهم في سجونه وتحت وطأة تعذيبه، وبالجهاد ضده عندما يخرجون من سجونه ومعتقلاته، لأنهم طلاب حق ومدافعون أشداء عن الحرية والكرامة.. ترتفع هامتي بهم، وبأسرهم الصابرة الصامدة وهم يظهرون جميعاً تضامناً من نوع فريد بعضهم مع بعض، ويقفون مع عميدهم " سمير القنطار" الذي قضى ربع قرن في السجن ويرفض العدو الصهيوني إطلاق سراحه، ويصبرون على ما يتلهفون عليه: الحرية والانعتاق من السجون والمعتقلات الصهيونية التي فاقت نظيرتها النازية وحشية، واجتماع الشمل بعد طول فرقة وغياب.
كما يسحقني الألم وأنا أتساءل: كيف تنسى أمة معتقليها وأسراها لأكثر من ربع قرن، ولا تستشعر الألم الممض في كل ليلة يقضيها أولئك تحت التعذيب في المعتقلات الصهيونية الأشد سوءاً من معتقلات النازية؟! كيف لا تذكرهم الأمة ولا تعمل من أجل الإفراج عنهم؟! وكيف تنسى أمة جزءاً من شعبها وتضعه خارج دائرة الاهتمام والرؤية والشعور، وهو يتعرض للإبادة البطيئة، وتدمير مقومات الحياة من حولـه: تدمير الحجر والشجر والمأوى والبيئة والأمن والسكينة والأمل.. إلخ.. كيف تنسى الأمة العربية أكثر من ستة آلاف فلسطيني تحت التعذيب في معسكرات الاعتقال وعشرات آلاف المعوقين والجرحى الذين يتطلعون إلى فرحة عيد، وموقف مواساة، وأمن من جوع وخوف؟!
بعد كل شدة فرج، وفي كل ليل بهيم نجم يتلألأ على صفحة السماء.. شكراً للمقاومة التي تحمل قضية الأسرى والمعتقلين العرب اليوم في السجون الصهيونية.. شكراً للمناضلين الشرفاء الذين ساعدوا ويساعدون على أطلاق سراح أسرى بالمئات من سجون العدو الصهيوني بالتفاوض من موقع القوة.. وهذا الموقف هو الذي يقدم الدليل تلو الدليل على أن القوة هي التي تحمي الكرامة، وتحقق دفاعاً ناجحاً عن النفس والحق والمصلحة، وتحرر الأرض والأسرى، وتجبر العدو على إعادة حساباته كلها ومراجعة سياساته في هذا الموقع أو ذاك.. وأنها ما ينبغي أن نعتمده، ونتمسك به، وندافع عنه ونعزز موقعه في حياتنا.
إن المقاومة حررت جنوب لبنان، والمقاومة أوصلت قضية الشعب الفلسطيني إلى كل بيت، وقدَّمت الجلاد الصهيوني على حقيقته جلاداً عنصرياً بعد أن كان يقدِّم نفسه ضحية، ويقدِّم الضحية جلاداً، والمقاومة أجبرت الاحتلال الأميركي على إعادة النظر بسياساته في العراق، وقد تفشِل مشروعه الإمبريالي في المنطقة إذا تواصلت وتصاعدت وحققت نجاحات ترقى إلى التحرير.. والمقاومة هي طريق الخلاص من كل أشكال الظلم والطغيان والقهر والاستبداد، وطريق مواجهة غزو استعماري مدمر للوطن والشعب والقيم.. غزو للثقافة والحضارة والعقيدة في ديار العرب والمسلمين، وغزو للعروبة والإسلام لا يردّه إلا المقاومة والوعي ووحدة الشعب على مبدأ وموقف في مناخ من الحرية والمساواة والشراكة التامة في صنع القرار وتقرير المصير.. فالحر يحرر ويحمي والعبد يسوغ الخنوع.
وتحية للأسرى والمعتقلين العرب في سجون العدو الصهيوني، وتحية لذويهم الصامدين جميعاً صموداً مشرفاً في موقعين: سجون العدو الصهيوني، وإهمال الأمة التي ضحوا ويضحون من أجلها، وتحية لتضامنهم جميعاً.. ولهم أقول: أيها الصامدون أنتم العيد وبهجة الحياة، وشرف الموقف، ومن يخط الطريق في الليل البهيم نحو الفجر الذي لا بد أن يشرِق على أمة تعشق النور.. تحية من القلب لكم أيها الشرفاء.. أنتم العيد، وأنتم طائر السنونو الذي يبشر بالربيع.. وكل عام وأنتم بخير.
دمشق في 20/11/2003
|