|
وثيقة جنيف والذاكرة القريبة
الصراع العربي –الصهيوني، هل ينتهي بتوقيع اتفاقية أو اتفاقيات، طوعاً أو قسراً، بين أقطار عربية والكيان الصهيوني!! وهل هذا الصراع هو نوع من النزاع بين دولتين أو أكثر من دول مستقرة في المنطقة، لها ولوجودها وحضورها عمق التاريخ حتى يؤول أمره إلى سلام حتماً، وإلى وفاق وتعايش كما يحدث بين دول متنازعة خاضت حتى حروباً عالمية فيما بينها، ثم آل أمرها إلى الوفاق والتصالح والسلام، أم أن الوضع يختلف اختلافاً بيناً مع العدو الصهيوني والكيان الذي أقامه بقوة القهر والإرهاب في فلسطين بمساعدة القوى الكبرى وحمايتها المستمرة له، جالباً لـه المستعمرين مقتلعاً أهله من جذورهم التاريخية في أرضهم وتربتهم الثقافية والروحية!.
ما أنا مقتنع به، وما أراه حضوراً مستمراً لتطلعات التيار القومي بتشعباته، والإسلامي بتشعباته على الأقل وأهدافهما، منذ بداية هذا الصراع حتى اليوم، هو أن هذا الصراع صراع وجود، وأنه لن ينتهي إلا بحسمه جذرياً لصالح الأمة أو عدوها. ولا أرى أنه يمكن أن يحسم سلماً لصالح الأمة بتنازل عن جزء من حقها التاريخي أو عن ذلك الحق كله، فهذا منطق مغاير لمنطق التاريخ في القضايا المتصلة بحقوق الشعوب، وهذه القضية قضية أجيال وليست قضية أنظمة وحكام من جهة، ولأن الكيان الصهيوني لا يملك تاريخياً حقاً مشروعاً مستمراً، ووجوداً مستقراً في هذه الأرض منذ مئات السنين أو آلاف السنين حتى تكون هناك دولة وشعب واستقرار وحقوق ثابتة ـ ولا آخذ بالاعتبار الأكاذيب التي حشا ويحشو بها رؤوس كثيرين في الغرب بادعاء حق تاريخي لـه في فلسطين فذاك أمر تكذبه الوثائق والوقائع والحفريات والتاريخ الصحيح للمنطقة ـ ومن ثم تؤول الأمور إلى سلم وتطبيع وعلاقات عادية بعد أي نزاع، فالعدو الصهيوني لا يملك إلا نيف وخمسين سنة من التاريخ الدموي، فرض خلالها كيانه الغاصب بقوة القهر والتحالفات الاستعمارية والإرهاب بكل أنواعه. والطبيعي في مثل هذه الحالة، حتى يسود سلام عادل ودائم في المنطقة، أن لا يكون الكيان الصهيوني موجوداً لأن وجوده هو مصدر التوتر والشر، ومصدر اضطراب الاستقرار والأمن والسلام في المنطقة كلها.
أما حقيقة أن الوضع المختل عربياً ودولياً لمصلحة العدو الصهيوني، وحليفه الأميركي يفرض منطقاً آخر على الحكومات والحكام، فذاك لا يفرض المنطق ذاته على الشعوب حيث تتنازل عن حقوقها التاريخية، وتعيد تشكيل ذاكرتها ووجدانها وفق منطق الهزيمة.. وهو ما يعمل عليه الأميركيون والصهاينة اليوم، ويستجيب لـه من يستجيب من العرب. وإذا كان هذا الوضع يملي علينا، أو يُفترَض بنا أن نفهم أنه يملي علينا، أن ننظر نظرة خاصة إلى مسار المفاوضات منذ مؤتمر مدريد حتى اليوم، بما في ذلك مسخ جنيف المسمى وثيقة، وما يثار حوله من ضجة غير معهودة اليوم مقدمة لما سنراه من آثار تلك الوثيقة غداً؟! وأن ننظر أيضاً إلى مسار المفاوضات الثنائية بين سورية والكيان الصهيوني منذ أن بدأت هذه المفاوضات في واي بلانتيشن ثم توقفت، ثم بدأت في شيبردزتاون ثم توقفت، وختم عليها بالشمع الأحمر في جنيف إثر لقاء كلنتون والرئيس الراحل حافظ الأسد، ثم يتم العمل على تحريكها بهدف استئنافها وإبداء الاستعداد لذلك اليوم، في إطار مناورات لا تنتهي. فهذا أمر نأخذه بعين الاعتبار في الحراك السياسي، والتأريخ للقضية، ولكنه لا يشكل المعطى النهائي للقضية، ولا يقدم مسوغات لإنهاء الصراع تاريخياً، وإلغاء القضية في الذاكرة والوجدان العربيين على المستويين الثقافي والشعبي.
نحن اليوم في خضم كلام عن خريطة الطرق المتعثرة على بؤسها، وأوسلو القابعة تحت الرمال، ووثيقة جنيف أو وثيقة اليسار التي تعيد إلى الذاكرة اعتراف ذلك اليسار بالكيان الصهيوني منذ إنشائه عام 1948 بعد أن اعترف به الاتحاد السوفييتي في ذلك الوقت، وما تنطوي عليه من مخاطر يؤطِّرها حق العودة الشخصي " العيني" المقدس لكل فلسطيني، وهو غير قابل للإنابة والتقادم وتصرف الغير به، وقضية القدس التي ليست هي قضية الحرم القدسي فقط، وطبيعة الدولة الفلسطينية المنتظرة. وعلى عتبة تحريك متزامن مع ذلك كله لموضوع الجولان والمقاومة والوجود السوري في لبنان، في أعقاب قرار الأمم المتحدة حول الجولان، وموقف الولايات المتحدة الأميركية وعملائها في المنطقة منه، وموقف العدو الصهيوني وإدارة بوش من دعوة سورية لاستئناف المفاوضات ـ وهو تحرك سوري أتى استجابة لما أشارت به موسكو قبل مناقشة موضوع تجديد القرار حول الجولان في الأمم المتحدة ـ وربطهما ذلك بشروط مسبقة منها تخلي سورية عن المقاومة.
وسورية لن تتخلى عن المقاومة المشروعة لأنها حق للشعوب التي تقع تحت الاحتلال، ولن تقر بتشويه الحقائق والمصطلحات والمفاهيم فتسمي الذين يقاومون الاحتلال من الفلسطينيين واللبنانيين والعراقيين والعرب الآخرين إرهابيين، لأن أولئك مدافعون عن الحرية بامتياز، وهم وينشدون تحرير أرضهم ممن يحتلها، ويدافعون عن أنفسهم وبيوتهم وأبنائهم ضد من يقتحمها بوسائل الدمار والموت، وهم فوق أرضهم وليس فوق أرض الآخرين.. أولئك ليس لهم صلة بما يسمى الإرهاب، والإرهاب الحق هو ما يمارس ضدهم.. الإرهاب الحق في هذه الحالة هو الاحتلال، والإرهابي الذي يجب أن يحاسب ويحاكم دولياً ويلاحق من "المجتمع الدولي"، إذا بقي لهذه الكلمة من معنى واحترام، هو المحتل، ومن يعتدي على الشعوب في بلدانها، ومن يخرج على القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن والهيئة العامة للأمم المتحدة، ومن لا يلتزم بالاتفاقيات الدولية مثل كيوتو ومحكمة العدل الدولية.. إلخ.
فما الذي سوف يسفر عنه ذلك الكلام المتجدد عن فرض صيغة سلام أميركي صهيوني في المنطقة كلها، وتوطين الفلسطينيين في العراق، أو في أماكن تشردهم، وحتى إعادة الجولان إلى سورية، ومزارع شبعا إلى لبنان؟! هل يجتث ذلك كله الصراع من جذوره، ويحقق عدلاً وأمناً واستقراراً في المنطقة؟! وهل خريطة الطريق أصلاً بعد أن أصبحت وثيقة دولية اقرها مجلس الأمن الدولي تشكل حلاً أو مدخلاً للحل مع يهودية " الدولة العبرية" ولاءات باراك التي طورها وأضاف إليها شارون، وينميها الصهاينة الذين يتخذون القرار في البيت الأبيض والبنتاغون ووزارة الخارجية في الولايات المتحدة الأميركية؟! وهل خريطة طريق منتزع منها حق العودة وفق وثيقة جنيف التي يتم التهليل لها اليوم، ويراد للرفض الفلسطيني لها أن يكون " حضارياً" بمعنى أن يسمى من يرفضونها جهلة وفوضويين وإرهابيين ولا معرفة لهم بالسياسة، ويحتاجون إلى وكلاء عنهم في أضيق شؤونهم لأنهم القُصَّر إلى الأبد، ويُسمى من يفاوضون على أساسها، ومن وقَّعوها، ومن يروِّجون لها أهل حصافة، وأصحاب وجهة نظر، ووكلاء شرعيين عن الشعب يتصرفون بحق العودة، ولا يسمون خونة أو مفرطين بما لا يجوز لهم التفريط به؟! هل تشكل حلاً من أي نوع؟! وإذا أخذت سورية الجولان ولبنان مزارع شبعا.. وهو مجرد افتراض.. هل ينتهي الصراع العربي- الصهيوني؟! هل يحقق الفلسطينيون نصراً؟! هل تحقق الأمة العربية نصراً!؟
أقول إنها الهزيمة، وإنه التتويج الكامل للحركة الصهيونية بانتصارها حين تنتزع الاعتراف بعد أن انتزعت الدولة بالقوة، لأن نضال الأمة العربية، كان من أجل فلسطين، وكانت الجولان، والضفة الغربية، وسيناء، وقرى العرقوب ومزارع شبعا، وكل هذه المواقع قد احتلت على طريق فلسطين، على طريق القدس، على طريق يافا وحيفا وسواهما من المدن وليس العكس.
وهذا يطرح التساؤل: هل يمكن أن يستمر الصراع، ولماذا يستمر العرب في التمسك بالصراع؟! سوف يقبل العرب وسوف يوافقون، لأنه لا يوجد لديهم قوة ليحاربوا، عليهم أن يختاروا بين أمرين وقد اختاروا. لقد خيروا سابقاً بين الحرب، وهم لا يقدرون عليها، نظراً للظروف والمتغيرات من جهة، ولتنازعهم في الداخل، ولكلام بعضهم لبعض في العلن شيء، وتحت الطاولة شيء آخر من جهة أخرى، أو أن يفاوضوا، والمفاوضات تسفر عن اعتراف، أقول، باقتناع، إن، الصراع العربي- الصهيوني لا يمكن أن يحسم بتوقيع اتفاقيات، وإنه لا يمكن أن يكون هناك سلام حقيقي في هذه المنطقة مع استمرار وجود الكيان الصهيوني والمشروع الصهيوني، والعداء الصهيوني الجوهري والجذري لكل من العروبة والإسلام والقيم الروحية للمسلمين والخصوصية القومية للعرب.
أقول إنها أرضية كبيرة للتفكير، وتمحيص الاختيارات، ومناقشة الأمور في إطار استشراف المستقبل..وهناك نقاط أخرى تؤثر مستقبلياً، في مجال الصراع العربي الصهيوني على الصعيد الشعبي والتاريخي والثقافي.. منها:
أولاً: هناك أربعة ملايين فلسطيني وأكثر خارج فلسطين، يبقيهم اتفاق أوسلو، وخريطة الطريق، ووثيقة جنيف خارج حدود العودة والحل والاتفاق. قد يبحث أمر التعويض عن حق العودة وهو يبحث الآن، وقد يبحث أمر التوطين وهو يبحث الآن، ولكن هل هناك فلسطيني مرتبط بعروبته ووطنه وحقيقته التاريخية، ودينه سواء أكان مسلماً أم مسيحياً، يستطيع أن يتنازل عن أرضه ووطنه وهويته لقاء تعويض مالي؟! وهل الوطن يباع؟! هل هناك شعب يتنازل عن أرضه ووطنه لقاء مبالغ من الدولارات!؟
لا أظن أن هذا موجود، قد يوجد أفراد وقد توجد شرائح تفعل ذلك، ولكن لا يوجد شعب، يوجد عملاء لكن لا يوجد شعب من العملاء، ومن يفرط بحق العودة، ويبيع على الصعيد الشخصي في وطن محتل، لا يبع ملكه الشخصي فقط ويتنازل عنه، إنما يبيع السيادة والوطن والحرية التي للشعب والوطن.. فالتصرف بالملك في ظل الاستقلال والسيادة الوطنية، تصرف محصور بالملكية الخاصة ولكن التصرف بذلك في ظل الاحتلال، وتهديد سيادة الوطن وأرضه ووجوده، هو تصرف بالوطن والسيادة والوجود. هناك أربعة ملايين فلسطيني وأكثر يتحركون باتجاه العودة.. باتجاه الحرية والسيادة على أرضهم فلسطين، ولن ينسوا هذه الأرض، وهم جزء من الأمة العربية وتاريخ الإنسانية، بما فيه من التزامات وتجارب ومعطيات وحقوق. وقضية فلسطين ذات بعد قومي وإسلامي، ويجب علينا ألا نهمل هذين البعدين، ولا نجيِّر أحدهما، أو كليهما لمصلحة سلطة ممسوخة تقوم على أساس اعتراف بحق العدو في الأرض والوطن، وتقدم حلولاً فارغة من أي مضمون لقضية حق العودة والقدس والسيادة الوطنية الكاملة فيها هي المضمون.
ولا بد من أن نتذكر أن هذا الاستهداف الصهيوني المعزز عضوياً بآخر أميركي أشد صهينة وخطورة، سيبقى مستمراً ومتصاعداً ولن توقفه أو تلجمه إلا قوة.. بالمعنى الشامل لمفهوم القوة، قوة يصنعها التضامن والمسؤولية المشتركة، واكتساب العلم والتقانة، وتحويل كل ذلك إلى منجزات متكاملة تحقق نقلة نوعية في الأداء العربي على المستويات كافة. ولا بد من أن نذكر ونؤكد ونقول: إن فلسطين مسؤولية الفلسطينيين والفلسطينيين مسؤولية منظمة التحرير، ومنظمة التحرير ذات أفق عربي، ومن ثم فالمسؤولية مسؤولية شعب وليس سلطة، ومسؤولية أمة وليس قيادة سياسية منفردة أو متفردة مهما كان أداؤها، وعليها أن تشد الأمة كلها إلى دائرة المسؤولية التاريخية والمستقبلية عن القضية برمتها. فلسطين، بكل المعاني، جزء من الأمة العربية، والشعب الفلسطيني جزء من أمته العربية، ومسؤولية الشعب العربي الفلسطيني مسؤولية فلسطينية خاصة وقومية عامة، ومسؤولية الفلسطيني المباشرة أن يقول لا لتعويض عن الوطن، ولا لتوطين خارج أرض الوطن.
ثانياً: هناك موضوع القدس: والقدس عزيزة على العرب مسيحيين ومسلمين، وعزيزة أيضاً على المسلمين بصورة كاملة. ويعلن الصهاينة أن القدس عاصمة موحدة وأبدية لهم؟! وهم يوسعون نطاق القدس إدارياً ويحيطونها بسورين أحدهما من المستعمرات، والآخر السور العنصري الذي يحصر المدينة ويمنع الفلسطينيين من الوصول إليها، ويجعل أهلها العرب في حال من الحصار المستمر والاستنزاف، ويفرض عليهم مناخ الهجرة أو التهجير، بهدف القضاء النهائي على أي تفكير للفلسطينيين بالقدس عاصمة ومستقراً تاريخياً. وحديثهم في وثيقة جنيف، عن سيطرة فلسطينية على الحرم القدسي منقوصاً منه حائط البراق، وهي سيطرة على سطح الأرض في ذلك الموقع، وليس على ما يجري تحت الأرض من حفريات وبناء كنيس يهودي، وزلزلة أركان المسجد الأقصى..إلخ يؤسسون عملياً للقضاء على كل أمل فلسطيني أو عربي أو إسلامي في السيادة على القدس. وهذا بحد ذاته يستثير مشاعر العرب والمسلمين، كما يستثير غضبهم إلى مدى غير منظور.
سوف يقول إعلام خريطة الطريق ووثيقة جنيف، وهو الإعلام المعروف هوية وتوجهاً وتمويلاً وأهدافاً: إن الفلسطينيين وصلوا إلى حقهم وأخذوا عاصمة في القدس ولهم سيطرة على المسجد الأقصى، وعلى العرب والمسلمين أن يرضوا بذلك. لكن القدس ليست المسجد الأقصى وقبة الصخرة، وإن كان المسجد الأقصى وكنيسة القيامة هما درة القدس، القدس عندنا هي كل القدس، وهي رمز فلسطين، وهي الموقع الروحي العظيم للعرب مسلمين ومسيحيين، إنها التاريخ العريق، والحق العربي التاريخي المؤثل.. فالقدس اختط بناءها الأول العرب الكنعانيون، والفخذ اليبوسي منهم على الخصوص عام 3400 قبل الميلاد أي قبل الموحد الأول وأبي العرب الإسماعيليين إبراهيم الخليل عليه السلام بـ 1700 سنة، وقبل موسى بـ 2100 سنة، وهم يسكنونها ويستمر وجودهم فيها من دون انقطاع منذ ذلك التاريخ. وحينما غلبهم عليها داوود في عام 993 قبل الميلاد لم يخرجوا منها وبقوا فيها، وحكمها هو وابنه سليمان لمدة 75 أو 70 سنة وهذه هي مدة الدولة التي يقولون: إن وعد الرب أتى بإعادتها وإقامة الهيكل عند اليهود و 70 سنة لا تلغي، على الإطلاق، ثمانية آلاف سنة أو سبعة آلاف سنة كان العرب فيها، في القدس، والعرب فيها، في وطنهم، إلا إذا نسينا التاريخ ونسينا أنفسنا؛ ولذلك فإن القدس تبقى مشكلة أساسية وجوهرية في صراع الوجود. لأنه إذا انتزعت القدس، أو الجزء الأساسي منها من الكيان الصهيوني يعتقدون هم أن مشروعهم الصهيوني قد انتهى، وإذا انتزعت القدس منا نحن العرب نعدّ أننا خسرنا الكثير الذي لا يعوض مما لا يمكن أن يُتنازل عنه. إذن القدس موضوع صراع، وموضوع يجدد الصراع، ومهما وقعوا من اتفاقيات، فإن القدس تبقى محرضاً على القتال والنضال والجهاد والصراع.
وهناك أمر ثالث موجود في المشروع الصهيوني ذاته، "إسرائيل" لو أرادت بعزيمة تامة وصدق نوايا، وهي لا تمت إلى صدق النوايا بصلة في هذا المجال، إذا أرادت أن تقيم سلاماً مع العرب، وأن تنهي المشروع الصهيوني التوسعي الذي يقوم من النيل إلى الفرات ـ وهناك قوات بابل القديمة على الفرات اليوم، واليهود موجودون في أماكن عديدة من العراق المحتل من صهاينة العصر الأوسع عدداً والأكثر تشدداً، وكل هذه الأمور ـ فهي لا تستطيع حتى لو أرادت، لأن المشروع الذي أوجد "إسرائيل" أصلاً هو مشروع صهيوني، والمشروع الصهيوني، وهو في صلب قوانين "إسرائيل" والولايات المتحدة الأميركية، وفي صلب التشريعات التي تعملان من أجلها دولياً، يقيم دولة مفتوحة لكل يهودي في العالم، وكل يهودي في العالم مدعو إلى الهجرة إليها والإقامة فيها. والوكالة اليهودية التي أنشأت أو ساهمت في إنشاء دولة "إسرائيل" أو الكيان الصهيوني ستستمر في عملها من أجل جلب اليهود إلى فلسطين، وهناك وزارة للهجرة والاستيعاب، ومؤتمر صهيوني عقد مؤخراً في القدس، وتصاعد للمد الإمبريالي الصهيوني في المنطقة.، وهم يخططون لمجيء ملايين اليهود، ولا تستطيع "إسرائيل"، إذا أرادت، وهي لا تريد، أن تقف بوجه أي يهودي يأتي في المطار ليأخذ جنسية ويقول أنا "إسرائيلي"، حسب قوانينهم وحسب الوكالة اليهودية، ومن ثم هذا المشروع، مشروع التوسع الاستيطاني العنصري الصهيوني مستمر، وسيأتي الوقت الذي يحتاج فيه كل يهودي يأتي إلى فلسطين، وكل يهودي يولد في فلسطين، يحتاج إلى بيت وإلى أرض وإلى توسع؛ و"إسرائيل" تملك الآن أسلحة وتعد نفسها بالأسلحة إلى أن تكون مسيطرة ومهيمنة وقادرة على تنفيذ المشروع الصهيوني مستقبلاً في إطار الهيمنة العامة والهيمنة السياسية، ثم إن استدعى الأمر، بالردع العسكري؛ إذن فمجال التوسع لاستيعاب عناصر المشروع الصهيوني القادمة سوف يكون على حساب العرب الموجودين في فلسطين، وعلى حساب الأراضي المجاورة للكيان الصهيوني، حتى إذا اعترفنا به، فهو يستند إلى أساطير وعد الرب في التوراة والتلمود، وأسطورة المحرقة، والأساطير السياسية الأخرى التي تعتمد عليها وتبتز وتقيم قوة كيانها. إذن فالكيان الصهيوني بامتلاكه المشروع الصهيوني، وبقيامه على أساس ذلك المشروع، وبالتزامه التام بالثقافة التلمودية الصهيونية سوف يستمر كياناً عدوانياً يمتلك القوة لكي يطوع الآخرين بها، ويمتلك كل القدرات الأخرى التي تدعم "إسرائيل" الكبرى" وبعدها "إسرائيل" العظمى" التي تتوسع دوماً تحت ذرائع شتى، منها تأمين المجال الحيوي. ولن يحمينا من ذلك إلا قوة نسعى لامتلاكها بكل الوسائل للدفاع عن النفس.. وعليه فإن الصدام بين أي مشروع نهضوي عربي، والمشروع الصهيوني هو صدام قائم ومستمر.
وبعد هذا وسواه. هل إذا وقعنا على الورق اتفاقيات ينتهي الصراع العربي الصهيوني؟ أنا أقول إن الصراع العربي- الصهيوني مستمر. ولا يمكن أن يقوم سلام في هذه المنطقة مع وجود سيادة صهيونية في فلسطين، ووجود شعب فلسطيني خارج أرضه، ووجود فلسطينيين وعرب يقولون بتحرير الأرض. وعليه فإن الصراع مستمر، وما نوقعه، أو قد نوقعه من اتفاقيات لا يعدو، أو يجب ألا يعدو، أن يكون هدنة لنعد أنفسنا روحياً وتربوياً وثقافياً وعسكرياً لموضوع التحرير، الذي لن يكون ممكناً إلا على أساس مزاوجة العلم والإيمان والعمل بهما معاً، وترجمتهما إلى منتج عسكري ومدني، ومنتج روحي وإيماني سلوكي، وطاقة روحية، وهوية قومية تحررنا، وتجعلنا قادرين على مواجهة أعباء التحرير.
أما ما يتم على أرض الواقع السياسي، أو على الأرض السياسية من تحركات ومناورات لصالح مفاوضات واتفاقيات، فأرجو أن ننظر إليه على أنه مجرد كابوس، حين نستيقظ من النوم يزول، لتبقى القضية الأساسية هي قضية التحرير، وقضية نهضة الأمة العربية، وقضية عودة شعب فلسطين إلى وطنه، وسيطرة المسلمين والمسيحيين العرب على مقدساتهم. ومن دون ذلك لا يوجد سلام، ولا يمكن أن يكون هناك سلام، لأن الآخر سوف يشن علينا الحرب عندما يشاء، إذا لم نستيقظ نحن ونحرر إرادتنا وإنساننا وفكرنا، وأرضنا، وعراقتنا مرتبطة بتاريخنا وبأرضنا وبهويتنا وليست إطلاقاً مرتبطة بكمية من الدولارات أو بتحسين صورة وجهنا في الإعلام الغربي، الذي سيصفق لنا في العلن ويحتقرنا في السر والعلن، ويقول جبناء تركوا أرضهم أو تركوا حقهم وخضعوا.
إن الأمة العربية يجب أن تأخذ هذا في الاعتبار.
دمشق في 6/12/2003
|