صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الخامس) - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2004

المثقف بين الحوار والرشق بالنار

تلك العبارة كم هي موحية ومؤثرة ومستمرة للتعبير عن جدلية العلاقة بين الفكر والسلطة، وبين مطلب المفكر، ومطلب السياسي صاحب القرار، بين هاجس المعبِّر، وهاجس المدبِّر، تلك العبارة التي وردت في حوار مقتضب دار بين الإسكندر المكدوني، والفيلسوف ديوجين، أو إيسوب إذا لم تخني الذاكرة، حيث سأل القائدُ الفيلسوفَ الجالس، وقد وقف أمامه ذات صباح وظلّه يمتد عليه، سأله بإخلاص ومودة قائلاً: ماذا أستطيع أن أقدم لك، أو أن أفعل لك، وأنا القائد الذي يستطيع أن يمنحك ما تريد!؟ فأجاب الفيلسوفُ ببساطة وصدق: أبعد ظلك عن شمسي.". وقد تفاوتت الرؤية بين الرجلين، ومن الطبيعي أن تتفاوت، لأن الرؤية للحياة وللناس بعين الفكر والإبداع من موقف حضاري يستشرف المستقبل بأمل.. تختلف عن الرؤية لهما من موقع المسؤولية والقوة والسيطرة، وإحكام القبضة على الأحياء في الحياة من وجهة نظر سياسي مسؤول، أو سلطوي متحكم، الأولى تفتح الأفق والعقل والقلب لنرى بالبصيرة أبعاداً إنسانية وحضارية ومستقبلية، والثانية ترى بالبصر الحسير ما يلقي عليه المبصرُ القبض بإرادة ترى أنها الأفضل للأحياء والحياة.. تلك تتشوَّف السعادة فتصنع حضارة يغنيها التنوع، وهذه تتطلع إلى الأمن والبقاء في الغنى فتصنع فقراً يرسخ نمطاً بشرياً من العيش والسلوك قد يضيق، وقد يتسع، ولكنه يبقى واحداً وفوقياً وتسلطياً على نحو ما.‏

فهل يمكن القول انطلاقاً من هذا: إن الجدل أو الحوار أو الصدام بين العقول والإرادات، وتقديم الحجج والبراهين والذرائع، إما في إطار منطقي يحكمه العقل، أو يقدمه على سواه، أو في إطار أمني يتذرع بالعدل والاستقرار، ويعليهما على ما سواهما، هو الذي أدى مرحلة بعد مرحلة إلى نقلة معرفية جعلت الوعي البشري يسيطر على مفاصل في الطبيعة والحياة والعلاقات، ومن ثم يعيد ترتيب البيت الداخلي للإنسان عقلاً وروحاً ووجداناً ومشاعر وعلاقات، بما يمكِّن من الانتقال من موقع حضاري إلى آخر، حتى وصل الإنسان إلى تقدم عقلي وحضاري ملائمين؟! وهل ما زال الحوار يلعب هذا الدور في حياة البشر، ويؤدي إلى تفاهم في كثير من الحالات التي يكون فيها مناخه صحياً وصحيحاً، وأطرافه راغبون في التوصل إلى نتائج طيبة بحس سليم ومسؤولية تامة وموضوعية لا غنى عنها لحوار ذي نتائج مفيدة ومرضِية.؟! إنني أرجو ذلك وأتطلع إليه، وأراه أحد أفضل المداخل للتغير وحسن التدبير.‏

نهتم اليوم بالحوار واستكشاف آفاق مستقبل ثقافتنا العربية، والأمة في شدة المحنة وقسوة الامتحان، محنة السياسة والثقافة وامتحانهما في ظل تحديات كبيرة وخطيرة، في الداخل والخارج، لمعنى الوجود وجوهر الثقافة وفعاليتها وقدرتها على التغيير والأداء والبناء، في ظل احتلال صهيوني ـ أميركي يتوسع في مساحات الأرض والفكر والإعلام منفِّذاً مرحلة في سلسلة استهداف أشمل وأعمق للسياسة الثقافية، والجغرافية السياسية في المنطقة العربية، وأمامنا محنة الشعب الفلسطيني المستمرة بين القتل والدمار وحصار أسوار الحقد التاريخي والعزل العنصري، ويهودية الدولة المحتلة، وما ينشأ عن ذلك من تسفير، وقضم للأرض وتهويد للقدس وتناسل لمشاريع من رحم شريرة واحدة تهدف إلى تصفية المقاومة والانتفاضة وحق العودة وصمود الإرادة الشعبية، في ظل "فُرْجةٍ" مبكية، وأمامنا أيضاً احتلال أميركي صهيوني بريطاني للعراق يؤسس لتغيير وجهه العربي ومسؤولياته القومية، وجعله مرتكز انطلاق للهيمنة والتدخل في الشؤون السياسية والثقافية والتربوية للبلدان العربية والإسلامية، ويهدد منه دولاً محددة تنفيذاً لبرنامج تدخل معلن، ويقيم قواعد عسكرية في أرضه، ويفرض عليه ولاء للاستعمار والصهيونية، وقطيعة مع أمته ودولها، إذا كانت مع التحرير والمقاومة وإرادة العيش الحر خارج حدود التبعية، ترفض ما ترمي إلى فرضه الولايات المتحدة الأميركية وحليفُها العضوي، الكيان الصهيوني، من شروط وحلول للصراع العربي الصهيوني وفق الرؤية الصهيونية على حساب العرب وحقوقهم التاريخية.‏

ونحن في مواجهة تهديد وحصار أميركيين صهيونيين جديدين متوعدين لسورية، بدأا بالعدوان على عين الصاحب قرب دمشق، وإصدار ما يسمى بقانون محاسبة سورية على دعمها للمقاومة ضد الاحتلال التي يسميها العدو إرهاباً، ولعدم انصياعها للشروط والمطالب الأميركية الصهيونية من جهة، وعلى موعد مع قانون أميركي آخر لمحاسبة السعودية من جهة أخرى.. والحبل على الجرار. ولا نرى نهاية لتلك المطالب الشريرة الصادرة من مركز الشر في العالم إلا في فرض تبعية وهيمنة شاملتين على أمتنا، والقضاء على مقومات السيادة والاستقلال والانتماء القومي، والهوية العربية، والشخصية الثقافية، ومنظومات القيم الدينية.. وهذا ما لا يمكن قبوله أبداً.‏

إننا نتابع الخطط والبرامج العدوانية التي توضع لتدمير منظومات قيمنا ومقومات هويتنا بذرائع شتى، ونعرف حجم المال الموظف، والطاقات البشرية المستقطبة والمستخدمة لتحقيق ذلك، ونرى ما ينصبُّ على الثقافة العربية والمقومات الرئيسة للهوية والشخصية من تشويه واتهام ومحاولات تخريب، وندرك معنى التركيز السلبي على الشخصية الثقافية والهوية القومية، أي على:‏

1- اللـغة بماهيتها وخصائصها، بوصفها حاملاً للمعرفة ولأهم أدواتها، وأداة تفكير وتعبير وتواصل، وموطن ذاكرة حية، ومستودعاً حيوياً للمعرفة والأصالة والذوق والخبرة.‏

2- العقـيدة /الدين/ بما ترسخه من منظومات قيمٍ، ومعايير حكْمٍ، ومرجعيات احتكام، وأحكامٍ، وحِكَم؛ وبما تقدمه من تفسير ورؤية للعلاقة بين الخالق والمخلوق من جهة، وبين المخلوق والمخلوق والبيئة والطبيعة والكون من جهةٍ أخرى، وما ترمي إلى تحقيقه من علاقات وصلات ومعايير ومقومات وقواعد وأصول يستند إليها السلوك والعمل والتعامل بين الناس.‏

3- التـراث المكتوب شعراً ونثراً في كل مجالات المعرفة والإبداع والأداء بالكلمة، والموروث الشعبي المتناقل بكل صور التناقل وفي مجالات تعبيره كافة، والموروث التاريخي الحضاري المعماري والفني بأنواعه.‏

4- العادات والتقاليد والأعراف السائدة بين الناس، والتي تحكم السلوك الخاص، أو تشف عنه في مناسبات الفرح والحزن والموت والولادة والأعياد الدينية والاجتماعية والوطنية والقومية، وفي حالات الاختلاف والحرب والصلح، والسمات الخاصة والمشتركة التي تتكوَّن خلال قرون عديدة.‏

5- أساليب العيش وطراز اللباس وطرقه وألوان المأكل والمشرب وطرق تقديمها وتناولها، وألوان اللعب واللهو، وطرائق التعبير ومتع الفُرْجة وأشكالها، وما يترافق مع ذلك وينجم عنه ويمليه من آداب وسلوك ومفاهيم ومصطلحات ومزاج عام.‏

وحيال هذا التحدي الراهن وخلفياته وأهدافه البعيدة يلح علينا السؤال: ما هي أهداف تربية وسياسة وثقافة ومؤسسات وآفاقها في مجتمع يستشعر الخطر على وجوده، وعلى كل ما يبنيه وهو في ظل احتلال وتحت تهديد مستمرين، ويعيش حالة أقرب إلى السكون، وحوله تقدم علمي هائل يحرزه أعداؤه والطامعون به، في الوقت الذي يشده فيه تخلفه، وتسلط حكامه، وفساد أنظمته، وضياع حقوق أفراده، وحرياتهم، وفقدانه الأمن من جوع وخوف، إلى الوراء، ويجعله كل ذلك بمواجهة الإحباط وأزمات في الكثير من ميادين الحياة؟؟‏

هل يريد أن يضع أهدافاً منها التقدم والسعادة والتغلب على الطبيعة بالثقافة العلمية والمعرفة الشاملة، ويكتفي من ذلك كله بالشعارات، بينما يتردى في الحفر؟! أم يريد أن يتحرر من الداخل، ويعيش حالة من المساواة والشعور بالمشاركة في صنع القرار والمصير، ونعمة الحرية والأمن ليعمل من بعد على التقدم بالعمل والمواجهة بالأمل؟! أم أنه يعمد إلى التضحية لإحداث الصدمة والصحوة، ولإحراز النصر بالشهادة أولاً لتحقيق حرية أرض وإرادة وقرار وسيادة وطنية وقومية فوق أرضه التاريخية، ومن ثم يتحمل أعباء بناء شامل: فردي واجتماعي وقومي، اقتصادي وعلمي وتقني ومعرفي، للتغلب على أوضاع وسياسات وأعداء بأساليب علمية وتقنية متقدمة، أم أنه يرى أن الوصول إلى هذه الأهداف يقتضي قلب هذا البرنامج رأساً على عقب، لأنه لا يستطيع أن يحرر ويبني، ما لم يشبع ويتحرر ويتعلم ويملك الإرادة الواعية لأهدافها وأدواتها.. ومن أجل كل ذلك يحتاج إلى الوعي المعرفي والشجاعة الأدبية، ليبدأ السير في طريق الغنى الروحي، والاستشراف المستقبلي، والعمل المنقذ.. وهو في كل هذا يحتاج إلى من ينضج رؤاه، ويساهم في صوغ خياراته، وينير طريقه بالشموع ويعزز مسيرته بالأمل؟!.‏

كيف نبدأ ومن أين.. في واقع يتسع فيه الخرق على الراقع؟! تلك مشكلة من أبرز مشكلاتنا اليوم.. ولكن لا بد من أن نبدأ، وأن نبدأ بداية سليمة.. وتلك إحدى مهام المفكرين والمبدعين والمثقفين الملحة وإحدى مسؤولياتهم التاريخية الرئيسة.‏

على المثقف وسادن الفكر والإبداع، المسؤول تاريخياً عن دور الكلمة ومكانتها، من وجهة نظري، ألا ينهزم من الداخل، فيلحق الهزيمة بالآخرين، وألا يغرس الإحباط وروح الهزيمة في النفوس، وألا يضع ثقل الوعي الثقافي في خدمة العدو، أو في فعل سلبي المردود يقوي العدو بإضعاف الوطن والإرادة الوطنية والقومية، وألا يقوض الثقة والاعتماد المتبادلين بين سلطة وثقافة ومجتمع كي يتكامل الأداء والاستشراف المستقبلي.. وعليه ألا يغلق نوافذ الأمل أمام الناس، وألا يضيق عليهم ويشعرهم بالدونية، ويشوه كل ما هو جميل وصحيح، أو ما يمكن أن يكون جميلاً وصحيحاً مما هو أصيل وسليم في تكوينهم وخصوصيتهم الثقافية والاجتماعية والروحية، ليقودهم من بعد إلى الاستسلام، وهو يتغنى بواقعية انهزامية غبية و"انفلاش" على الآخر العدو، فيكون من نتائج ذلك: القضاء على الحقوق والحريات والمصالح والتطلعات.. على الديموقراطية والهوية والشخصية الثقافية والمثاقفة البناءة ذاتها، وإماتة للمعطيات والنزعات الإيجابية التي تمكِّن الفرد ومؤسسات المجتمع والدولة من تقديم المبادرة الخلاقة، واجتراح الفعل المنقذ في كل اتجاه، والإبداع في الدفاع عن الذات القومية والخصوصية الحضارية.‏

فالثقافة التي تصنع الهزيمة، أو ترسخها، أو توحي بها، ثقافة تقوم بدور الطابور الخامس في مجتمعها، وتعمل على كسر ظهر الممانعة والمقاومة بدلاً من القيام بتعزيز موقعيهما وإسنادهما، وهي من ثم تكسر ظهر الشعب بالغفلة أو بالتغفيل والتضليل، وتسلِم الوطن والأمة إلى الضعف والضياع والهزيمة، وتترك من يبيع ويفسُد ويُفسِد، ويظلم ويطغى ويستبد ويعتدي ويغزو أوطان الآخرين، ويشوه نضالهم وقضاياهم وصورهم وثقافاتهم وعقائدهم مطلق اليد، والقرار موفور القوة، مكشوفة أمامه السبل والمواقع ليفعل ما يشاء، وتكون بهذا المعنى، ومن هذا الموقع أشد المقاتلين إلى جانب العدو في مواقع داخلية حساسة من جبهة الوطن والأمة.‏

على المثقف أن يقدم، على أرضية العلم والإيمان والعمل بهما، خطاباً بنّاءً يصبّ في مجرى الحق والعدل والتحرير والحرية وإبداع الإنسان، وأن يسعى إلى إقناع أبناء الأمة بإمكانية تجاوز الأزمات بالعمل وفق أسس علمية ومعايير خلقية ومبدئية سليمة، وأن يشكل حضوراً فعالاً في ساحة صنع القرار باكتساب الثقة والقوة والجرأة. وهذا يستدعي منه أن يدقق في نوع الخطاب المجدي في الظروف والأوضاع الراهنة، ليمتلك التأثير والمصداقية والقدرة على التغيير، وأن يكون قدوة في الوعي والمسؤولية والسلوك وأساليب الحوار والتوصيل والتواصل، ليقنع المسؤول ورجل الشارع بأنه يعيش الواقع، وينطلق من الممكن، ويدعو إلى العمل على أساس من العلم والحرص.. نعم فليكن ذلك الوتر المشدود بين العمل والأمل.. يد في طين الأرض وأخرى مفتوحة على مدى التطلع والاستشراف.‏

إنها الثقافة، وإنه التعلق بحب جم للأمة والوطن والعدل والحرية والناس معاً، الذي يجعل أداء المثقف أداء شبه نبوي في الاستشراف المستقبلي، ويجعله فدائياً في تحمل المسؤولية، وعقلانياً في أثناء مواجهة الأوضاع القائمة، وعملاقاً في التضحية على أرضية التمسك بالحق، وإضاءة طريق الناس إلى غدها بتقديم أنموذج الشمعة التي تحترق ليمشي الشعب على ضوئها إلى غد فيه الكرامة والسعادة والحرية.‏

إنها ضريبة المعرفة وضريبة الانتماء معاً، وهي نوع من صعق البرق لأرض تُستَنبَت فيها روح الخصب، وتلقَّن كلمات الحق بهزيم الرعد.. على مطر الوعي أن يسقي عطش الروح، ويستنبِت في النفس زرعها الوفير، وثمرها الطيب، وأهل الكلمة، من بين أهل الثقافة، مسؤولون عن الريادة، وتحمل مسؤولية الأداء في العتمة في مواجهة سطوة الجهل والبغي والسوط والبطش العنصري الاستعماري البغيض، وعليهم أن يدخلوها صفاً، حزمة عيدان لا يسهل الاستفراد بها عوداً عوداً، ولهم من بعد على الناس ألا يقولوا لهم ما قالت اليهود لموسى:"اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون".‏

كم نحن بحاجة لاحترام الثقافة، وتوظيفها في خدمة ثوابت الأمة والعقيدة، ومستقبل الأجيال والوطن والمعرفة، وكم نحن بحاجة إلى أن نستظل بظل سيوفها التي لا تثلم، ونحن نحرض على خير الجهاد، وتحرير إرادة العباد وعقولهم وقلوبهم من تسلط وقهر، وننسج حول الأرواح المرتعشة من سطوة التسلط والقهر والبغي، بردة أمان من جوع وخوف، باستخدام الكلمة والوعي المعرفي استخداماً شريفاً نظيفاً يحقق مصلحة الإنسان والوطن والدولة والأمة.‏

وكم ينقصنا أن نتفهم علاقة ينبغي أن تصل إلى نوع من التكامل، بين السياسة والثقافة، حيث يرى كل من السياسي والمثقف أنه يعمل من أجل أهداف أسمى وأبقى وأهم، من شخصه ونزعاته ونزاعه مع الآخر، وأنه يبقى في ذهن الناس، وتاريخ الأمم من أخلص للناس وما خدم الحرية والحق باجتهاد وصدق.‏

إن مواجهتنا لاحتمالات المستقبل، وتلمّسنا لمعالم صورته التي نستشرفها، تحتاج أولاً وقبل كل شيء إلى أشخاص يفيضون معرفة ومبدئية وثقة بالنفس ووعياً واحتراماً للآخر الشريك، ولحقه بالاختلاف، تحت سقف الوطن والقانون والانتماء، ويكون إيمانهم عميقاً وصادقاً بمستقبل أفضل للبشرية كلها، ويقدمون رؤية هي نور، وقوة حق، وقوة تحمي الحق.‏

إن هذا الأنموذج الذي ننشده ينبغي أن نعده وأن يمتلك الزاد ويقدم الرأي ويدخل مداخل الحوار الثقافي باقتدار، ولكن يداً واحدة لا تصفق، فنحن في المحنة والامتحان، ونحتاج إلى طرف أساس في الحوار لا ينطلق من أحكام مسبقة، وعدوانية مبيتة، وعنصرية مقيتة، وادعاء مطلق بأنه يمتلك الحق والعصمة، ويعلي مصلحته على مصلحة الآخرين، بحكم امتلاكه للقوة من جهة، واعتقاده بأنه من عنصر يجوز لـه ما لا يجوز لسواه!؟ مشكلتنا في عدو اليوم المنقض علينا بِعَتَهِ القوة أنه يدعي الحضارة، ويتهمنا بالعداء لها، وأنه لا يحاورنا، وإنما يملي علينا شروطاً، ويريد أن يمحونا ليعيد تكويننا على شاكلته، وأننا في نظره لا يجوز لنا أن نرفض منة الاستعمار و"الشراكة" التي يقدمها لنا، وليس لنا سوى الخضوع لشروطه، والتنازل عن مقومات وجودنا وهويتنا وشخصيتنا الثقافية ومصالحنا، وعندما نرفض أن نفعل ذلك، يرشقنا مباشرة بالصواريخ ويهددنا بالإبادة انطلاقاً من قواعد سقيمة يضعها، يزدريها العقل وتزري بالعقل، مثل: "من ليس معنا فهو ضدنا"، ومن لا يخضع لإرادتنا سوف نحرره من نفسه بالتبعية والموت.. هذا هو منطق الرئيس الأميركي جورج بوش، وحليفه "رجل السلام" أرئيل شارون؟!.‏

هذا هو منطق العدو القوي الذي نواجهه اليوم، ويهدد وجودنا وثقافتنا ولغتنا ومصالحنا العليا، ولديه أطماع كبيرة ومخططات متقنة للوصول إلى ما يريد؟! فهل أمامنا سوى السعي لامتلاك قوة بالمعنى الشامل للقوة ندفع بها عن أنفسنا وثقافتنا الغزو والعدوان، وتجعل لحقنا ومنطقنا ثقلاً ومعنى؟! وإلى أن نصل إليها لا بد لنا من تجنب الكوارث التي يمكن أن تلحق بوجودنا المهدد، وجسدنا المدد على قارعة طريق الأمم، وأن نعمل من أجل الخروج من هذه الحالة وفق خطط وبرامج أساسها العلم، يساهم في وضعها الحكماء والعلماء والمفكرون والمبدعون والقادة الذين يستحقون ألقابهم، وينضجها الحوار المسؤول في اللقاءات.. الحوار الذي نخرج منه ونحن أقوى مما دخلناه، ويقودنا إلى إغناء المشترك الذي نبني صرحه حجراً بعد حجر ومدماكاً فوق مدماك، حتى لا نبقى في متاهة بين الرغبة في الحوار والرشق بالنار؟!‏

القاهرة في 9/ 12 / 2003‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

face="Traditional Arabic">سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244