صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الخامس) - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2004

في ثقافة التغيير

في أرض المجاهدين، أرض النضال والفداء، أرض الجزائر التي تحررت بالدم بفعل الإيمان والانتماء للعروبة والإسلام، في أرض الجزائر الحرة التي تتجاوز المحنة وتتعافى وتحاور وتتقدم، انعقد المؤتمر العام الثاني والعشرون للأدباء الكتاب العرب. والتقى الأدباء والكتاب العرب هناك وفي وجدان كل منهم هَمّ الأمة وألمها وتوقد إرادتها الحية، والمشكلات والتحديات التي تواجهها الثقافة، والمسؤوليات التي ينبغي أن ينهض بها الأدب والأدباء في هذه المرحلة العصيبة التي نمر بها.‏

وبوعي وتفاؤل وحزم خاضوا حواراً صريحاً شمل الموضوع الرئيس، وموضوعي الندوتين الفرعيتين: الترجمة والتحديات المعاصرة، و"الطفل وأدب الحرب"، وشؤون الاتحاد وغير ذلك من الشؤون العامة، ليجددوا الأمل والإرادة والروح والصلات والأدوات في مواجهة قاسية غير متوازنة للاحتلال الجديد الذي يزحف على عقول بعد عقول، وأرض عربية بعد أرض، ويزرع التشويه والتشكيك والفوضى والدمار وفقدان الأمن من جوع وخوف، ويهدد الثقافة والعقيدة ومنظومات القيم وأنماط العيش ومقومات الهوية والشخصية الثقافية بتغيير، هو شكل من أشكال الإلغاء والتبعية والتدمير، بعد أن اجتاحت سطوة قوته العمياء مواقع قرار وإرادة وسيادة كثيرة في أرض العرب، وأخذت تهدد المواقع الرافضة للخنوع المتمسكة بثوابت ومبادئ وحقوق.. وبهوية وشخصية وخصوصية.‏

اجتمع الأدباء وبرنامج الإبادة الصهيوني في فلسطين يستمر، في استهداف البشر والشجر والحجر ليدمر إرادة شعب بطل يتمسك بحقه في أرضه ووطنه وهويته ومقدساته، ويحترق بنار دمه صباح مساء ليتجدد، ويقوم من رماده في كل صباح بعد كل موت معلناً تعلقه بالحياة والحرية والهوية العربية، مقدما دماً زكياً يمهر به الأطفال والنساء والرجال استقلال فلسطين، وانتصار المقاومة، والأمل بمستقبل قادم تصنعه التضحية والبطولة والعمليات الاستشهادية النوعية، كما صنعت البطولة والتضحية والشهادة في أرض الجزائر مستقبل الحرية والسيادة الذي تعيش في ظله اليوم، ويغمرها صباحه، ويدعوها إلى أن تفيء إلى دروس تاريخها وعبره، وأن تتمسك بالعروبة والإسلام لتكون هي هي، ولتبقى كما أراد لها المجاهدون والشهداء أن تبقى وأن تكون.‏

لقد أعلن تحالف الشر الصهيوني الأمريكي حرباً على أمتنا يراوغ في تمويه أهدافها، وتنفضح تلك الأهداف مع كل مراوغة، وفي صلب ما تستهدف الثقافة العربية ومقوماتها، والهوية القومية، والمصالح الحيوية للأمة، والجغرافية السياسية للبلدان، والإرادة الحية للمقاومة، وكل شكل من أشكال الممانعة التي تبديها بعض الدول والقوى، بوجه مطلب الانصياع للقوة الغازية وتهديداتها، والهيمنة الأميركية الصهيونية وأشكالها وآفاقها في المنطقة.‏

وإذا كان الأميركي يلوِّح من آن لآخر، بحق يريد به باطلاً، فإننا في أوساط الأدباء والكتاب نتمسك بالحق ونفضح الباطل ونقاومه، ونعرف التاريخ السياسي الأميركي وجرائمه وأساليبه. نحن مع التغيير الذي يحقق التطور والتقدم والتنمية البشرية والإنسانية، ويخلق ظروفا أفضل للإنسان في وطننا في ظل ديمقراطية سليمة واحترام تام لحقوق الإنسان وحرياته، وعلى رأس ذلك حرية التعبير، ونؤمن بأن الوعي المعرفي الشامل هو المدخل، وأن الثقافة أحد أهم ميادين التغيير وأدواته. ومن أجل هذا ندعو إلى التغيير بالثقافة وإلى مقاومة ما يستهدفه عدوّنا من تغير للثقافة ولشخصية الأمة، وما يبديه من عداء مقيت، معلن وخفي، للعروبة والإسلام، ولكل ما يشكل الخصوصية، ويكوّن المصلحة القطرية والقومية في بلداننا.‏

من هنا طرحنا في مؤتمرنا، ونطرح اليوم شعارا أسوقه في إطار تساؤل نقاربه، يقول: هل يريد العرب.. ثقافة التغيير أم تغيير الثقافة؟ وكيف تكون ثقافة التغيير؟ وكيف نواجه استهداف الثقافة العربية والغزو الثقافي المعلن علينا بقوة السلاح والفساد، والإفساد وليس بقوة المنطق، وسمو الفكر، ومتعة الإبداع ورفعته؟ كيف نواجه تغيير المناهج التربوية ومضامينها، والقيم والحقائق التي تركز عليها، ومنها حقائق تاريخية وحضارية ومعاصرة متصلة بالصراع العربي الصهيوني ومعطياته وأهدافه البعيدة التي ينبغي أن تبقى في ذاكرة الأجيال. إن القضية قضية أجيال، وليس تطوير تلك المناهج وتحديثها المطلوب عربياً وعلمياً وعصرياً مثلما هو مطلوب تعزيز المعرفة العلمية والتواصل البناء مع الآخر الشريك في التاريخ والحوار والأمل والمستقبل والقيم والبناء الحضاري الشامل؟‏

إن العدو الذي يستهدفنا يستهدف ثقافتنا لأنها مرتكز القوة، وينطلق من عنصرية متعالية أعمتها القوة، ومن رسيس عداء مقيت قديم يقوم على الأسطورة ويغذيه الجهل والتجاهل، والنزوع العنصري الذي يعشش في عقول متخلف منطقُها على الرغم من ربطات العنق الأنيقة والطائرات النفاثة، ومن نزوع عنصري أسطوري " خرافي" حارب على أرضيته الهنودَ الحمر بوصفهم الكنعانيين، في نوع من الفهم التلمودي الأعمى لتاريخ هو "توراة" وليس لتوراة صحيحة تحكم الوجدان والتاريخ وتردع من يزيفون التاريخ والوجدان، وينطلق من ذرائعية أميركية استباحية تقوم على مراكمة المغالطات والأكاذيب لتصل إلى وفاق تام مع الصهيونية في المشروع والرؤية والأحكام والممارسات والمنطلقات والشعارات السقيمة العقيمة: "من ليس معنا هو ضدنا"، " من يعادينا يعادي الحضارة"، " من يقول للكيان الصهيوني لا.. يعادي اليهودية وهو معاد بالضرورة للسامية"، "من يقاوم الاحتلال هو إرهابي"! إلى آخر ذلك من المغالطات والافتراءات والأكاذيب التي يضيق بها كل ذي عقل سليم ووجدان نظيف ورؤية إنسانية سليمة للعلاقات البشرية الصحيحة.‏

يحاول العدو الصهيو ـ أميركي أن يماهي نفسه بالعدالة والحضارة والديمقراطية والحرية، ويعزز ذلك بالقوة المتوحشة، وخرق القانون الدولي ومجاوزة الهيئات والمؤسسات الدولية والقيم.. كل القيم، فأصبح كأنه سادن الحقيقة يخلق وقائع بالقهر، ويضفي عليها صفة الحق، ويقدمها أمراً واقعاً؟!.. وماهَيْنَا نحن أنفسنا بالاعتراض على كل ما لدينا واتهمناه وخرجنا عليه من دون محاكمة منطقية، وبصخب، مجرد صخب، ضد العدو، واكتفينا باتهامه، وعززنا ذلك بالضعف والعجز والتنافر، فأصبحنا كأننا نتمسك بالتخلف، وندافع عن الأخطاء والانتهاكات المتعددة للحقوق والحريات التي بها يبنى الصف القوي، وفي مناخها يُستَنبَت الأحرار وتزدهر الحرية. وكل ذلك يحتاج منا اليوم إلى تصحيح.. ما يخصنا منه وما يخص عدونا، ما يتعلق بزحفه علينا وما يتعلق بدفاعنا عن أنفسنا ضده.. و " إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".‏

لقد كان العدو وما زال صارخا، و" فاقعاً" في استعلائيته ووحشيته وبرامجه وتدميره لمناخ الحوار الذي ننشده، ويدعي أنه يريده، وهو يدمره عملياً بعنجهية القوة.. الحوار القائم على الاحترام الذي يعلي المنطق، والمصلحة المتبادلة، والاعتماد المتبادل، والعقل والعدل، ويعترف بحق الآخر بالاختلاف تحت سقف المنطق والقانون والمصالح العليا للناس، والانتماء الصحي للأوطان والقيم والمعايير السليمة، الحوار الذي لا يقر عنصرية من أي نوع، ولا يقود إلى عنصرية من أي نوع، ولا ينتهي إلى تدخل في شؤون الآخرين بالقوة تحت أية ذرائع ومن أي نوع أيضاً.‏

وقد خرجنا نحن العرب في كثير من الحالات عن نطاق ممارسة مقبولة واحترام معقول للديمقراطية والحقوق والحريات، فأراد أن ينفذ إلينا من عيوبنا ومن خروق جلودنا.. يساعده في ذلك وعليه بعض أبناء جلدتنا ممن يسرطنون ما بين اللحم والعظم، ويقدمون اليوم الخيانة الوطنية بوصفها وجهة نظر!! وشتان.. شتان بين الخائن والعميل من جهة.. والمعارض الأصيل صاحب الرؤية ووجهة النظر من جهة أخرى.. الأول يخدم الاستعمار ويدعوه إلى بيته ويستقوى به على وطنه ومواطنيه، والثاني يستنبت رؤية في تربة الوطن الحضارية والاجتماعية والسياسية، وينتمي إليه، ويضع نفسه تحت سقف القانون والانتماء، ويريد الوطن قوة منيعة في وجه الخيانة والاستعمار والتخلف. وفي مثل هذه الحالة لا تملك سوى أن تحترمه حتى لو اختلفت معه، ولا يملك سوى أن يحترمك حتى لو اختلف معك.. والجميع ينصاعون أو ينبغي أن ينصاعون لما فيه المصلحة العليا للناس والوطن، من دون أن يشكل خرقاً ينفذ منه الأعداء ومن أصبحوا بحكم الأعداء، لأنهم يقاتلون في صفهم من داخل البيت.‏

لقد تعرضنا وتعرضت قضايانا للكثير من التشويه.. وشمل ذلك المصطلحات والمفاهيم والمواقف، إلى الدرجة التي أصبحنا فيها أحوج ما نكون إلى أن نبدأ تصحيحاً في المفاهيم والمصطلحات والمعايير، وتذكيراً بالبديهيات والمسلمات كي نحمي الأحكام والحكمة والمنطق والحضارة والناس.‏

إن الكثير مما هو مقدس يطاله التدنيس اليوم، وتتضافر سياسات وقوى وجهود وأموال ووسائل إعلام واتصال لتحمي من يستهدف الحقائق والمعايير السليمة، وروح الشعب وثقافته وقيمه وصلابة صفه، وإرادة الصمود والاستقلال في بلده وشعبه.. وترفعه عصا غليظة فوق رؤوس الناس، وتمهد به وبسواه لتشويه وتشويش من شأنهما أن يسهلا انتصار العدو في جبهة العقل والثقافة والفكر ليعمل كل ذلك لمصلحته بأقل التكاليف وأكثر الأدوات فتكاً في المجتمع وبناه الرئيسة.‏

ونحن مدعوون إلى القيام بفعل منقذ في المجال الثقافي أولا يساهم في إنقاذ على الصُّعُدِ والمستويات جميعاً.. وعلينا ألا نيأس من الوصول إلى أهدافنا.. حتى ونحن نرى اختراقا هنا، وانتهاكاً هناك في مجالات التطبيع والدعاية للاستعمار، وشراء للضمائر وإفساداً للبيئة الثقافية والروحية والذوق العام بوسائل منها وسائل إعلام، وتسويغاً وتسويقاً متناميين لثقافة الهزيمة وهزيمة الروح، واتهام المقاومة، والحكم السلبي على قيم الثقافة العربية وتراثها ومقاوماتها.. وانخذال العربية أو خذلها هنا وهناك..‏

علينا أن نصمد، وأن نستقرئ التاريخ، ونستفيد من درس الجزائر في قضيتي فلسطين والعراق.. وفي أي مكان من وطننا العربي وعالمنا الإسلامي. فالاستعمار الفرنسي استهدف الجزائر بصورة لا مثيل لـها، وقاومته الجزائر بصورة لا مثيل لـها أيضاً.. وها نحن اليوم في الجزائر العرين الحر المستقل، الذي تعرَّض للاستعمار الاستيطاني والإلحاق السياسي والثقافي والاجتماعي والإداري بالقوة، التي كانت تفتش العقل والقلب مثلما تفتش الأمكنة.. قوة البلد المستعمِر وأعوانه.‏

واستهدفت ثقافتها ولغتها وعقيدتها الدينية ومقومات الحياة كلها فيها.. ومع ذلك صمدت وتمسكت بهويتها وانتمائها وحقها في الحرية والاستقلال، وحققت نصراً مضرجا بالدم محفوفا بالتضحيات.. وتجاوزت الكثير من صور الإبادة الجماعية يوم كانت تحرَق القرى، ويغلق على الناس في الكهوف ويحرقون فيها وهم أحياء!؟.. وأصرت الجزائر على تقديم التضحيات تلو التضحيات ابتداء بقيادة المجاهد الأمير عبد القادر، وانتهاء بصناع النصر من المجاهدين في ثورة الجزائر التي أشرقت على يدها، ومن شعلة دماء شهدائها شمس الاستقلال.. التي نعيش اليوم في نورها وندعو إلى المحافظة على وهجها.‏

نحن هنا لنستذكر واقعاً وجهاداً ودروساً، ولنتعلم في مدرسة المليون ونصف المليون شهيد، ونسترد شيئاً ضرورياً وهاماً من الثقة بالنفس في هذا الوقت الذي نتعرض فيه لمسلسل إبادة عنصري يتم ضد شعبنا في فلسطين.. يشمل البشر والشجر والحجر ومقومات والصمود والنضال والحياة جميعاً، ويتعرض فيه حق العودة المقدس إلى الطمس ومحاولات المحو والإلغاء. ونتعرض لاحتلال إمبريالي أمريكي بريطاني صهيوني في العراق أسفر حتى الآن عن دمار وفوضى، وفقدان للأمن، ونهب للمتاحف، وتدمير للآثار والكنوز الغالية التي تشكل أقدم كنوز الحضارة البشرية وأعظمها.. وهو يستمر بتهديده للآخرين منطلقاً من تلك المواقع الاستراتيجية الغنية، ويستهدف المقاومة المشروعة، وسورية الصامدة، ولبنان المقاوم في مرحلة قادمة من مراحل برنامجه الإمبريالي، بدأت خطوات تنفيذها بما يسمى قانون محاسبة سورية.‏

فلنستفد من كل ما مر بنا ومن درس الجزائر الكبير، ولتكن الثقافة في طليعة ما يتماسك ويتعافى ويقاوم ويقف في وجه التفتت والتشويه، وما يشكل نواة الرد العربي الواعي الصلب على المشروع الصهيوني والهيمنة الإمبريالية الأميركية، والعدوان الزاحف على الإرادة والمصالح والحقوق والعقول بصيغ وأشكال مختلفة.‏

فلتقم الثقافة بمبادرة طيبة خلاقة تتجلى في وحدة موقف ورؤية واقتدار على التغيير المنقذ والإنقاذ بالتغيير، لوقف توسع الخروق السياسية العربية، والاختراق والتشويه للقيم والثقافة والمعتقد والإنسان العربي ذاته، وقف الهجوم المدمر على معاقل الأصالة والصلابة والفكر، وتهديد الثقافة والهوية والقيم.. ومواجهة تهديد القدس أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وما تمثله من رمزية في جوهر قضية الصراع مع العدو، ومواجهة تهديد المقدَّس وما يمثله في حياة الأفراد والشعوب.‏

إن الكتاب والمثقفين طليعة أداء متميز في هذا الوقت.. وعليهم أن يثبتوا أنهم جنود الخندق الأول بامتياز، وقدرة على الصمود، ورد الهجوم الذي يستهدف الأمة في معقلها الرئيس، وقلعتها الأخيرة؛ معقل الثقافة والوعي وقلعة الأدب والإبداع والفن، القلعة التي نعتصم بها اليوم ونقويها لنغير بالثقافة العربية الإسلامية، وليس لنغيِّر الثقافة العربية والإسلامية ومقوماتهما الرئيسة وقيمهما الرفيعة وفق ما يريد أعداؤها أعداء الحضارة والشعوب.‏

والله ولي التوفيق‏

دمشق في 27/12/2003‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |