|
هل القطيعة مع الذات حياة؟
موضوع القطيعة مع الماضي، أو التركيز على قطيعة مع التراث بوصفه ركيزة من ركائز الماضي، يُطْرح في أوساطنا الثقافية منذ عقود من الزمن، ويقدَّم في حالات على أنه نقطة الانطلاق الضرورية لنهضة علمية، وبداية توضُّع على طريق التقدم ومداخل العصر. قيل هذا في مجال الأدب والنقد وحقول المعرفة، وقيل في مجال الهوية ومقوماتها وتكوين الشخصية وسماتها، وشكَّل مدخلاً عند بعض ذوي الرؤى والآراء، حتى لإحداث قطيعة مع اللغة ـ عبر الدعوة لاختيار العامية لغة علم وأدب، والحرف اللاتيني طريقة رسم للكلمات، واللغة البديلة، لأن العربية لا تستوعب العلوم ولا يوجد فيها رصيد كبير ـ وشكَّلت هذه الدعوة بدورها مدخلاً خبيثاً لمن يريدون الالتفاف على دعوة إحداث قطيعة مع العروبة والإسلام، باستخدام طرق وأساليب كر وفر ومناورات متنوعة لكشف الهدف وإضعافه والتجرؤ عليه، وهي محاولات مكشوفة للبعض وخافية على كثيرين.
ودعاة القطيعة يختلفون عن دعاة التجديد والتطوير والتحديث ـ ولا أقول الحداثة في سياقها التاريخي وما رافق ذلك السياق وانبثق عنه من سلبيات وفوضى ونزوع تدميري مما لا أقبله ولا أُقبل عليه ـ ومن يرى القطيعة ضرورية للتجديد والتحديث والتطوير ملغَّم الظاهر والباطن في أحوال كثيرة، ولا أعمم.
ومن الملاحظ، في العقد الأخير من القرن الماضي وسنوات هذا القرن العجاف، شدة التركيز على إحداث قطيعة مع الماضي في المجال السياسي والتاريخي والعقائدي على الخصوص من قوى وسياسات وتوجهات أيديولوجية، وهو جهد يصب في نهاية المطاف في مسار الدعوة إلى إعادة تكوين الذاكرة والوجدان العربيين ليقبل العرب بأشياء كثيرة ليست في مصلحتهم، وللاعتراف بالكيان الصهيوني، وتطبيع العلاقات معه، وجعله في صلب تكوين المنطقة، سواء أكان ذلك من منظور تربوي إعلامي تثقيفي تاريخي يصنَّع تصنيعاً، أو من منظور واقعي قهري دموي يفرض فرضاً، لأن أصحابه ودعاته في المنحيين يركزون على ترسيخ العجز العربي والدونية ليتأبد ذلك في الوعي، ويركزون على ضرورة مجاوزة الماضي المتعلق بالصراع العربي الصهيوني، وبالحق العربي لتبدأ مرحلة التعايش مع العدو من نقطة التسليم بقدرة الكيان الصهيوني على فرض ما يريد، ومن ثم بحقه في البقاء وبشرعية "حق تاريخي لـه في فلسطين والقدس" !. وهو يعني من جانب آخر التسليم ببقاء التشرد الفلسطيني، وانتزاع الحق الشرعي للشعب الفلسطيني في وطنه من ذلك الشعب، ومن ذاكرة الأمة، وإماتة البعد القومي، والمسؤولية القومية والأخلاقية والإنسانية لقضية فلسطين، وتقديمها قضية نزاع فلسطيني " إسرائيلي" حسمته القوة، وهي مجردة من الأبعاد الأخرى، لا سيما البعد القانوني والتاريخي المتصل بحق العودة.
عند هذه الخلفية السياسية، أو المدخل السياسي لأهداف دعوة القطيعة، وأهداف دعاتها أريد أن أتوقف قليلاً لأجلو بعض ما أراه أمراً ملتبساً، أو يُراد لـه أن يكون ملتبساً، لدى بعض أهل الرؤى والآراء، وكلمة حق يراد بها باطل عند فريق آخر منهم.
لقد كثرت الدعوة لمجاوزة الماضي والتحرر من كل ما قد يشكله من قيود بوجه الاندماج والمستقبل، في مجتمعين اثنين بالدرجة الأولى هما: المجتمع الأميركي والمجتمع الصهيوني ـ توافقهما كندا وأستراليا ـ ونظراً لانتشار تأثيرهما على الآخرين في هذا العصر، لأسباب لا مجال للتفصيل فيها هنا، فإن تلك الدعوة اكتسبت قوة جعلتها تبدو شرطاً للتقدم، وصفة للمعطى الحضاري العصري، أو ضرورة لـه، ومقوماً إنسانياً من مقوماته، عند من حملوها إلينا.. فهل القطيعة مع الماضي هي شرط الاجتماع والتقدم والعصرية والحضارية، تلك التي تحتكرها، وتوزع شهاداتها الصهيونية والولايات المتحدة الأميركية خاصة والغرب عامة اليوم ؟! وهل التقدم الحضاري للمجتمعات رهن بإحداث القطيعة مع الماضي والهوية والتراث والعقيدة، وحتى اللغة في بعض حالات غلو الدعوة والدعاة ؟! ولماذا كانت هذه القطيعة ضرورة في مجتمعات حققت تقدماً، وهي ليست ضرورة في مجتمعات تتطلع إلى التقدم ؟! وهل الذين يقفون في وجه هذا النوع من القطيعة في مجتمعاتهم هم متخلفون ودعاة تخلف، أم قُصَّر عاجزون عن الإدراك والتقدير والرؤية والتقرير، ومنغلقون ويعيشون خارج حدود العصر، وخارج دائرة الشعور بالتحدي والضرورة العصرية والاعتماد المتبادل، ولا يعرفون كيفية الاستجابة للتحديات والتعامل معها بمرونة واقتدار !؟ تساؤلات نتوقف عند بعضها قليلاً.
1 ـ لقد كانت القطيعة مع الماضي شرطاً اجتماعياً وحضارياً في نظر بناة الولايات المتحدة الأميركية، كي يندمج القادم إليها مع التكوين الجديد، وهي قطيعة ثقافية مرغوب فيها لتقوم على أنقاضها وبسبب حدوثها وضرورة ذلك الحدوث وشرطه: أمة أميركية وشخصية وثقافة وهوية للأميركي الذي جاء إلى العالم الجديد، مغامراً أو هارباً أو طالباً للغنى ولأشياء أخرى، من بلدان شتى، وهو يحمل ثقافته ولغته وخصوصياته ومقومات شخصية الأمة التي كان ينتمي إليها، وعاداتها ومخزون ذاكرتها، وثقل تاريخها وحتى مشكلاتها؛ وكي يصبح من أمة أخرى ويندمج عضوياً في تكوينها، لا بد لـه من التخلص مما يمنعه من ذلك، أو يعوق حركته، ولن يتأتى لـه ما يريد أو ما "يجب" إلا بإحداث قطيعة مع ماضيه، كل ماضيه، وربما قطيعة شاملة وعميقة وسريعة مع ذلك الماضي. وهو من حيث المبدأ قدِم أصلاً إلى هذه البلاد الجديدة، وهو يحمل الاستعداد لسلخ جلده، والدخول في جلد جديد، وللانسلاخ عن مجتمعه وهويته، وحمل سمات مجتمع آخر وهويته.
وقد كان الدعاة الأميركيون على حق فيما يتصل بالحلم الذي يتطلعون إليه، وبالمجتمع الذي يهندسون أسس تكوينه وأساليب ذلك التكوين وشروطه وضروراته؛ فالأميركي الأصلي ـ أي الهندي الأحمر قد أبيد مع حضارته على يد الغزاة البيض، الذين أصبح صيد الهنود الحمر إحدى مفاخرهم وتساليهم في آن معاً، وأصبحوا هم سكان البلاد، ومن يبحث عن هوية لها وفيها؛ وقد جاء هؤلاء من أوربا بالدرجة الأولى، أو من حثالتها كما قال بعض الأوربيين، وكونوا طبقة أسياد أحضرت عبيداً من إفريقيا، فكونت مجتمعاً مثقلاً بالعنصرية والمخاطر والقلق، مجتمعاً خضع للاستعمار الإنجليزي، ولم يلبث أن تحرر من الاستعمار، وتفجر ما في داخله من قهر فخاض حرباً أهلية قاسية وطاحنة. وقد فتح أبوابه دائماً للهجرة، التي جعلته يتكون في النهاية من عناصر بشرية أتت من كل قارات الأرض ومن مختلف الجنسيات، تحمل ثقافاتها وعقائدها وتقاليدها وخصوصياتها؛ فكيف يمكن أن يصبح أولئك أبناء أمة واحدة وثقافة وحضارة جديدة، وأن يتعايشوا من دون نسيان من هم " ثقافياً " على الخصوص، ومن دون تشرُّب معطيات مجتمع جديد يساهمون نسبياً في تكوينه ؟! القطيعة في مثل هذه الحالة تحمل معنى بناء، وتشكل بداية الاندماج والتأقلم اللذين يشكلان أحد شروط تكوّن المجتمع الجديد وضروراته، وهذه القطيعة تمتد من اللغة إلى التاريخ إلى منظومات القيم إلى العادات والتقاليد ومخزون الذاكرة ومقومات الهوية والشخصية الثقافية وصوغ الوجدان.
2 ـ والتجمع اليهودي ـ الاستعماري في فلسطين المحتلة تكوين هجين، شراذم من عناصر بشرية جاءت من بلدان مختلفة، وهي تحمل ثقافة عنصرية تتصل بعقيدة وتنزع ـ مثل الأميركي الأبيض الأول ـ إلى إبادة السكان الأصليين، وسرقة وطن، وتحويل المستقدَمين من مجتمعات، وبلدان وثقافات مختلفة إلى مجتمع واحد يحقق أهدافاً مشتركة، ويحيي لغة ميتة، ويكون ثقافة ويقيم دولة. والجامع المشترك بين هؤلاء هو التلمود والحلم الصهيوني بما يسمى " استعادة وطن ". ومثل هذا المجتمع يحتاج أفراده إلى إحداث قطيعة مع الماضي الذي كان لهم في بلدانهم، ومع الثقافات التي تكوِّن معظم مقومات شخصيتهم وذاكرتهم، ولن يتاح لهم الانسجام والانصهار في مجتمع جديد من دون إحداث قطيعة حقيقية مع الماضي الذي كان لهم في أوطانهم الأصلية، وثقافاتها وتقاليدها ولغاتهم ومخزونها الخاص والعام. ولذا فإن الدعوة إلى القطيعة هنا تحمل مشروعاً، وتقدَّم على أساس من الشرعية بنظر أصحابها، وهي دعوة هادفة وواعية لحقيقة أن كل تقدم على طريق بناء المجتمع والدولة، وامتلاك الهوية والخصوصية وتحقيق المشروع، الذي يبنونه بصرف النظر عن مشروعيته، وتحقيق غاياته؛ كل ذلك منوط بقطيعة حقيقية وتامة مع الماضي الذي كان لهم، وتلك القطيعة هي مدخل بناء أسس الحاضر والمستقبل، ومدخل القوة لإحداث خلخلة عميقة في تماسك المجتمع الأصلي الذي يغزونه ويحلون محله بعد تفتيته والقضاء عليه.
أما الدعوة إلى القطيعة مع الماضي والتراث والتاريخ والهوية واللغة، مع القومية والدين، مع العروبة والإسلام… إلخ، في وطننا العربي، وبين أبناء أمتنا الواحدة الحاضرة في هذه الأرض حضور التاريخ، والقديمة فيها قدمه، فهي، من جهة، نوع من تقليد أعمى لدى فئة لا تدرك أبعاد ما تدخل فيه، وهي، من جهة ثانية، خدمة واعية لأغراض وأهداف وأداء لوظائف تقوم بها فئة تدرك جيداً ما تقوم به، ولمصلحة من، وتجر وراءها بغوغائية شرائح بشرية، وهي تمارس هذا النوع من الدعوة.. الدعاية. والموضوع كله في هذا الإطار يقدم دعماً من الداخل للمشروع الإمبريالي الصهيوني المعادي، بتخريب كل مقومات الوجود، والبنية والهوية والشخصية والخصوصية والتماسك، تلك التي تؤدي إلى تكوين وعي بذات متمايزة، وبحقوق ومقومات واضحة ينبغي الدفاع عنها والتمسك بها، في مجتمع لـه حضور تاريخي في بيئته، ويتمتع بوجود متماسك عبر التاريخ يستطيع من خلاله شحذ الذاكرة واستنفار الوجدان، ليستنهض إرادة وقوة تمكنانه من الدفاع عن نفسه وعن أرضه وعقيدته ومستقبله، وحضوره الحي عبر التاريخ.
إن الدعوة لإحداث قطيعة شاملة في مجتمعنا العربي مع ماضيه هي دعوة لجعل الاختراق الثقافي على الخصوص، والاختراق الحاصل في مجالات أخرى عديدة، يصل إلى حدود تدمير الإرادة والشخصية، وكل وعي بالذات وبالحق وبالتاريخ، وهي دعوة لنسيان من نحن، وما الذي لنا في أرضنا وعالمنا، كي يصبح موضوع الدفاع عن أي شيء نوعاً من الغباء والغوغائية الفاقدة لكل غائية منطقية وجدوى عملية، ونوعاً من العبث والعبط؟! والقطيعة مع التراث ومع الماضي ومع اللغة … إلخ، ترمي إلى جعلنا على استعداد لقبول دونية لا يكون التخلص منها إلا بالتخلص من أنفسنا. ودعوة لقبول ما يفرضه علينا الأقوى وما يختاره لنا: ابتداء من التربية والثقافة السياسية والحلول العملية لمشكلاتنا، وانتهاء بالهزيمة الروحية، وصولاً إلى التسليم بالهيمنة وبكل المشاريع الصهيونية الأميركية خصوصاً والغربية عموماً، تلك التي ما زالت تحمل روحاً عدوانياً إلغائياً، وتنم عن رسيس صليبي استعماري لدى البعض، وتعمل على تأمين مصالحها، وتدمير مصالح الآخرين وثقافتهم، وفرض التبعية عليهم، وتدفع باتجاه دعم مشروع صهيوني استيطاني توسعي إحلالي لا يمكن أن يتوقف عداؤه لنا ولعقيدتنا وثقافتنا عند حدود، ولا يمكن قبولـه أو التعايش معه على الإطلاق؛ لأنه سيبقى العنصري الإرهابي المجرم الخائف مما ارتكب واللص المأخوذ بجرمه، يقتل ليأمن، ولينجو بما سرق فيزداد بالقتل توغلاً في عالم الخوف والجريمة والعداء، مضيفاً إليهما حقداً تاريخياً اعتقادياً على الآخرين الذين يصورهم لـه ذلك الحقد وحوشاً ينبغي التخلص منها، وعنصراً أدنى يحق لـه دمهم وما يملكون!؟
إن الدعوة إلى إحداث قطيعة مع الماضي على صعيد الصراع العربي الصهيوني تعني دعوة لتعزيز الاحتلال والاستيطان والمشروع الصهيوني من جهة وإضعاف الذات ومقومات صمودها ومقاومتها ونفيرها واستنفارها من جهة أخرى في وطن العرب، والدعوة إلى القطيعة مع التراث والتاريخ والدين والهوية واللغة والعادات والتقاليد، تعني في النهاية، تفريغ الشخصية العربية من الإرادة والخصوصية، ومقومات الوجود الحي، ومسوغات الدفاع عن الذات والممتلكات والمقدسات، وتهيئة العقل العربي ليصبح محتلاً من الداخل، وتعريض كل ما نعتز به مما يشكل: " نحن العربية ـ الإسلامية "، إلى الهزال والزوال.
وليست القطيعة بمراميها الشاملة، في مجتمع كمجتمعنا لم يقم على الهجرة، شرطاً لتحقيق التقدم والنهضة والتحرير والتطوير والتحديث..إلخ، أو لتكوين مجتمع عضوي التماسك، علمي النظرة، عصري الأداء، تكاملي المسؤولية؟! فكل ذلك يحققه وعي معرفي متميز في عمقه وشموله يُستنبت في تربة حضارتنا، ويستطيع أن يغرس جذوره عميقاً في تلك التربة، ليحقق تواصلاً وتماسكاً واعيين، وتقدماً وتحديثاً علميين مسؤولين، ويصدر عن أصالة وانتماء، ويتقدم ويتطور على أساس من ذينك الأصالة والانتماء. والقطيعة في وضع مثل وضعنا تجعلنا في حالة المنبتِّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى، وتدخلنا في التيه.
وبعد فهل تكون القطيعة مع الذات مدخلاً من مداخل الحياة لأمة ذات تاريخ وحضارة وشخصية ثقافية وتخوض نضالاً من أجل الحقوق والتحرر والتحرير والحرية والوجود.. أم هي نوع من الاستئصال، وقطع لساق الشجرة عن جذرها لتهوي حطباً، ونوع من القتل في الظلام على يد من يلبسون أقنعة المنقذين، ويحملون سكاكين الأعداء الجزارين؟! إننا أحوج ما نكون إلى التمييز في ليل يكثر فيه الاحتطاب.
دمشق 3/1/2004
|