صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الخامس) - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2004

الصهيوني الأصولي بني موريس

يوم كنا نقول لا فرق في الكيان الصهيوني بين يمين ويسار، فكلهم عنصريون محتلون يشاركون في مشروع يقوم على إبادة شعبنا، ومعاداة أمتنا وعقيدتنا وثقافتنا، وكل منهم ضالع في الجريمة ذاتها، ويتوسل إلى أهدافه بالإرهاب والقوة، كانت ترتفع أصوات بالاحتجاج والاستنكار، وتفرِّق بين يمين ويسار في الكيان الصهيوني، بين العمل ومشتقاته والليكود ومشتقاته. وكانت تمتد أيد عربية لمصافحة من تسميهم اليسار، وجماعات السلام ابتداء من حزب العمل وزعيمه بيريس، الملطخ من رأسه إلى قدميه بدم شهداء "قانا"، وانتهاء بعناصر ما بعد الصهيونية والمؤرخين الجدد الذين منهم بني موريس.‏

وبعد أن كشف هذا الـ "بني موريس" عن عمق عنصريته، وحقده الأعمى على العروبة والإسلام، وليس على العرب والمسلمين فقط، ونادى "بترانسفير" جديد قادم يكمل القديم الذي باركه وسوِّغ حدوثه، كما بارك جرائم الصهيونية كلها، وقال عن مرتكبيها: " إنني بالتأكيد أفهمهم، أفهم دوافعهم. ولا أعتقد أنهم أحسوا بوخز الضمير، ولو كنت مكانهم لما شعرت بوخز الضمير. فمن دون هذا العمل لم يكونوا لينتصروا في الحرب ولم تكن الدولة لتقوم" وعندما سأله محاوره: أنت لا تستنكر فعلهم من الناحية الأخلاقية؟ لقد قاموا بعملية تطهير عرقي. قال: لا.. هناك ظروف في التاريخ تنطوي على تبرير للتطهير العرقي.".؟!‏

بعد أن فعل ذلك بكل هذا الوضوح، يطيب لي أن أهديه من جديد لحركات السلام العربية العاملة مع العدو الصهيوني، ولمن يرى أن هناك يساراً يهودياً لا يلتقي مع الصهيونية!.. وآخره يسار صهيوني قضى على حق العودة فيما يسمى وثيقة جنيف، ليسابق اليمين الذي حاول التملص من ذلك في خريطة الطريق، فجاء ليقول للشارع الصهيوني إنه يتفوق عليه في ظلم العرب، وانتزاع ما لم ينتزعه شارون الدموي منهم بالقوة.. وإنه على هذا الأساس يستحق العودة إلى سدة الحكم. نقدم إليكم بني موريس الذي يبارك المذابح والتطهير العرقي، واقتلاع الفلسطينيين من وطنهم، ويبارك كل ما قامت به الصهيونية ضد العرب، وما يمكن أن تقوم به، ويطالب بالمزيد من تلك الأفعال جميعاً، ومنها الاقتلاع والترحيل القسري " الترانسفير".. لتنظيف "فلسطين الانتدابية " من كل العرب، وجعلها دولة يهودية صافية من البحر إلى النهر.. ويرى في عرب 1948 الذين يسميهم "عرب إسرائيل": ".. قنبلة موقوتة، وانزلاقهم نحو فلسطنة كاملة حولهم إلى امتداد للعدو في داخلنا. ومن حيث القدرة فإنهم طابور خامس، ديموغرافي وأمني على حد سواء ويمكنهم تقويض الدولة."‏

ليس هذا الكلام من التاريخ الصهيوني الماضي أيام حاييم وايزمن وجابوتنسكي وبن غوريون ودايان وغولدا مائير وإسحق شامير، وليس كلام سياسيين إرهابيين مهووسين بتقديم " ذبائح عربية" تسوِّغ ارتفاعهم إلى درجة النبوة بنظر " الشعب اليهودي" والقيام بكل ما يجعلهم في نظره قابلين للزعامة للتجديد لهم في انتخابات قادمة.. بل هو كلام "مفكرين ومثقفين" من المؤرخين الجدد ودعاة "ما بعد الصهيونية" الذين صفق لهم الكثيرون.. إنه كلام قاله المؤرخ بني موريس الأسبوع الماضي في مقابلة أجراها معه آري شافيت ونشرت في هآرتس 9/1/2004 وترجمها حلمي موسى. ويقول موريس في تلك المقابلة: "العرب هم برابرة العصر الحديث، وهم قادمون، وإسرائيل تقف اليوم في جبهة صدام الحضارات بين الغرب ومفاهيمه، والعالم العربي والإسلامي ومفاهيمه.. العالم العربي بصورته القائمة الآن بربري.. هناك مشكلة عميقة في الإسلام فهو عالم ذو قيم مغايرة.. عالم ليست فيه لحياة الإنسان القيمة ذاتها الموجودة في الغرب، حيث أن الحرية والديموقراطية والانفتاح والإبداع أمور غريبة لديه. إنه عالم يحلل دم كل من لا ينتمي إلى معسكر الإسلام.. إلخ"! فلنتأمل في هذا الجهل المطبق والحقد الكريه والتشويه المدروس المنساب على درب طويل من الحقد التاريخي الدفين ضد العرب والمسلمين.. ضد العروبة والإسلام وقيمهما. إن منابع هنتنغتون الذي يقول بصراع الحضارات من هنا، كما أن منابع ريتشارد بيرل وسواه من هذه المدرسة التي منها الصهيوني ليو شتراوس منظر اليمين الأميركي.. وما الرئيس جورج w بوش سوى تلميذ منفذ في هذه المدرسة الشريرة التي يسكن جهلها بالآخرين، وفكرها المعادي لهم، وحقدها عليهم، وجهلها المطبق بهم وبعقائدهم، وكرهها المقيت لهم، أدمغة هذا النوع من الباحثين والمؤرخين والمثقفين العنصريين وقلوبهم و" ضمائرهم، أولئك الذين يعج بهم الكيان الصهيوني، ويسيطرون على التوجه الفكري والسياسي في الولايات المتحدة الأميركية، التي تتحالف معهم على أرضية هذا النوع من التفكير والاعتقاد المرِضيَّيْن. إن هذا النوع من التفكير والأشخاص هو الذي يوجه العمل في جبهتين كبيرتين ضدنا: جبهة الحرب العدوانية الساخنة، التي يجسدها الاحتلال في فلسطين والجولان والعراق.. إلخ، وجبهة الحرب الثقافية التي تُشن علينا من مواقع عدة ويشارك فيها "عرب" يطيب لهم أن يشوهوا صورة أمتهم ودينهم ليشتروا هوية " حضارية" ملطخة بالدم والعار والحقد والجهل، من مركز الشر الصهيوني الذي يقوم بجرائمه كلها، ويدعي أنه يسلك طريق الخير الذي تقره الأخلاق، وأن رؤيته ذلك يبيح لـه أن يفعل ما يشاء".‏

فردّاً على سؤال: ومن ناحية أخلاقية هل تسلّم بهذا العمل؟ يقول بني موريس: " نعم. وحتى الديمقراطية الأميركية الكبرى لم يكن بوسعها أن تتحقق من دون إبادة الهنود الحمر. هناك حالات يبرر فيها الخير الشامل، النهائي أعمالاً صعبة، ووحشية تجري في المسار التاريخي. وهذا يبرر في حالتنا عملية الترانسفير".؟!‏

فلندقق في هذا المنطق الذي يسود عالم اليوم، ويفجُر بالحقيقة والقيم الخيرة في كل دقيقة من دقائق اليوم.. لقد أصبحت الجريمة البشعة تسوغ الجريمة الأبشع.. والقتَلة يسمون أنفسهم أخلاقيين، ويزعمون أن ما يرونه "الخير الشامل" يسوِّغ لهم كل ما يقومون به من جرائم ضد الإنسانية!.. و"الخير الشامل" هو: مصالحهم الضيقة، ومكاسبهم المادية، وحقدهم التاريخي على الآخرين، وأفكارهم ومعتقداتهم المريضة. إنهم يرون أنهم: القانون والحكِم والمعيار والقيمة والأداة التي تنفذ بالقوة العمياء إرادة، يباركها الرب "يهوة" رب الدم والحرائق والدمار الذي يقر أخلاقاً من هذا النوع، الذي يلحق العار بالبشر والعقائد والأفكار جميعاً.‏

من الصعب أن يرى الأعمى نور الحياة ونور الشمس الغامر في الحياة، ونور الحقيقة الذي يضيء العقل والوجدان، ودروب الروح إلى الإبداع والفكر والثقافة التي تليق ببني البشر، وتبني الحضارة ولا تدمرها. وهذا النوع من البشر الذي يعميه الحقد العنصري يحلل المحرمات جميعاً لجنسه، ويرى الآخرين برابرة عليهم أن يستسلموا لقوته، وألا يقاوموا القتل والتدمير والاحتلال والترحيل والاقتلاع والتنظيف العرقي ـ أي الإبادة الجماعية ـ الذي ينادي به، وينفذه الإرهابيون بكل الوسائل والأدوات بذريعة مقاومة الإرهاب، وما الإرهاب إلا ما يفعلون. إنهم يقرون إرهابهم والإبادة التي يقومون بها لأن تلك الإبادة يقوم بها من يقولون إنهم يملكون " الخير الشامل"، وهي في الحقيقة تأتي من مركز الشر العريق.. من الصهيونية التي تتوهم أنها فوق الناس، وأنها تملك الأخلاق، وأن من حقها أن تصدر الأحكام الأخلاقية، وأحكام القيمة على الآخرين! وترى أنها تدافع عن حق؛ وما هي في الواقع إلا الجريمة مجسدة، والخطر الدائم على السلام والأمن الدوليين، وعلى القيم والثقافات والعقائد والأخلاق بالمفهوم السليم لها جميعاً.‏

لا يمكن أن نقبل منطق بني موريس عن الأخلاق والاستقامة، ولا اتهامه للعروبة، ولا كلامه عن الإسلام الذي أعلى من شأن الحق والاستقامة والخلق في كل شيء، وكان عماد رسالته الأخلاق: " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، وقالت تعاليم نبيه: إن نصرة الأخ ظالماً في الإسلام تكون بردعه عن الظلم والشر والغي.. هذه هي الأخلاق والقيم التي يقرها الإسلام الذي يحاول الحاقدون الجهلة من أمثال بني موريس أن يشوهوا مفاهيمه وحقائقه الناصعة.‏

إن الاستقامة لا ترضي بني موريس، ويقول: ".. ولكنني أظن أن هذه الاستقامة السياسية أصلا تسمم التاريخ. إنها تشوش قدرتنا على رؤية الحقيقة. وأيضا ألبير كامي. لقد كان يعتبر يسارياً وأخلاقياً، ولكنه في تعامله مع المسألة الجزائرية وضع وطنه قبل الأخلاق. وبالنسبة لي فإن المحافظة على شعبي أكثر أهمية من المفاهيم الأخلاقية الكونية". أنا لا آخذ على هذا الصهيوني حماسته لمشروعه العنصري، ولشعبه العدواني، ولكنني أدعو الذين يرفعونه أنموذجاً لهم إلى التأمل فيما يقول، وإلى توجيه السؤال لأنفسهم: أليس لهم شعب يتعرض للإبادة منذ نيف وخمسين سنة؟! ما هو موقفهم من الذين يحاولون إبادته وتشويه نضاله وحقائقه وثقافته؟!‏

بني موريس مهووس باعتقاد تاريخي مريض و " بحقائق تاريخية لا وجود لها ولا دليل عليها"، ويرى أن لـه أرضاً يعود إليها بعد ألفي عام، وأنه في عودته هذه يشبه الصليبي الذي غزا هذه البلاد ورده أهلها عنها. إنه يرى نفسه صليبياً في هذه العودة ـ ويركز على هذا ليستثير الغرب، ويكسبه إلى جانبه في حربه العدوانية على العرب والمسلمين.. الغرب الذي اضطهد شعبه كما تذكر المصادر، ويقول التاريخ" ـ ويقول إن الذين يريد أن يقتلعهم من أرضهم يرونه كذلك، وإنهم سيدافعون عن وجودهم، كما دافعوا عن ذلك الوجود، ضد الصليبيين.. ولأنهم يفعلون ذلك، أو قد يفعلونه يراهم برابرة، ويجب القضاء عليهم.‏

لماذا تصبح قضية الدفاع عن النفس والحق والوجود والهوية والعقيدة السماوية قضية تُستعدى من أجلها الأمم، والغرب من بين الأمم، على العرب؟ هل لأن الغرب شريك في أصل الجريمة، التي تمت بحق الشعب الفلسطيني خاصة والعربي عامة؟ أم لأن قوة الغرب ومخاوفه ورسيسه القديم، كل ذلك يجب أن تؤجج كي ينصر الصهيوني في معركته ضد من حموه يوم كان الغرب ضده بكل المعاني والمقاييس؟! يقول موريس في هذا المنحى:" أعتقد أن الغرب اليوم يشبه الإمبراطورية الرومانية في القرن الرابع، والخامس والسادس: البرابرة يهاجمونها، ومن الجائز أنهم سيدمرونها". هل هذا هو واقع الحال اليوم؟ هل العرب يهددون الغرب، وهم الذين يذبحون في كل وقت؟!‏

الأمر غريب وعجيب.. وتفسيره وفهمه لا يمكن أن يتما على نحو "مقبول" إلا من خلال فكر ومنطق وعقل محشو بالأساطير والخرافات والأكاذيب والأحقاد الصهيونية. وذلك ما لا نملكه ولا نسعى إليه.‏

إننا مستهدفون بكل الأبعاد والمعاني، وليس لنا إلا أن ندافع عن أنفسنا.. وإذا كنا لا نملك السلاح اليوم، فيجب أن نملكه غداً، وأن نسعى إلى امتلاكه منذ اليوم.. المهم ألا نفقد الإرادة، وألا تنهزم منا الأعماق، وألا تغيم الرؤية، فنفقد التوجه الصحيح والحكم السليم على الأمور والأفكار والمواقف والسياسات. إننا نعاني من شدائد، ولكن العدو يعاني من يأس، ويعاني من اضطراب.. وكل ذلك قد يدفعه إلى أفعال يمليها اليأس والحقد وعجرفة القوة.. وقد يسبب ذلك المآسي للجميع.. ولكن المستقبل لنا.. وعلى من يريد منارة تهديه، ودرباً توصله إلى المستقبل، ويحرص على ألا يضل، أو يضلّل في هذا الصراع المصيري الطويل أن يقرأ دروس المقاومة الباسلة، فإنها ترفع أمامه منارة شاهقة. إن الاستشهاديين يقدمون لـه الأنموذج والدرس والحل، ويشقون أمامه الدرب الصعب. وعلى مفارق الطرق، وفوق الهضاب تنتصب مناراتهم وتشع أضواؤهم، وهناك في البعيد تزغرد لبطولته وتضحيته الاستشهاديات وآخرهن الشهيدة ريم الرياشي والدة الطفلين التي اختارت الحرية والتحرير، تلك التي نعلي موقفها وذكرها ونحيي بطولتها الرائعة، وتتناول دمها وتضحيتها بعض الحروف الفاجرة باللوم والملاحظات، في الوقت الذي يعاني شعبها من ظلم لا يوصف، ويحتفي ببطولتها وتضحيتها من أجل الحرية والوطن والمستقبل الكريم، وتقدم هي الرد على الصهيوني الأصولي بني موريس وأمثاله بطريقتها المجدية، في الوقت الذي يقول فيه:" حسب تقديري لن يكون هناك سلام.".‏

دمشق في15/1/2004‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |