|
حتى لا تهـزَم منا الإرادة والروح
بعد الضجة المتنامية في الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا حول موضوع أسلحة الدمار الشامل، وصدور تقريري اللورد هاتن وديفيد كي، واستقالة مديري الـ ب ب سي، بسبب تحميل إذاعتهما مسؤولية عدم الدقة لأنها " روجت" قدرة العراق على استخدام أسلحة دمار شامل خلال خمس وأربعين دقيقة.. وتشكيل لجان للتحقيق في المعلومات الاستخبارية الواهية، ضمن زوبعة الانتخابات، وتقديم السيئ الذكر دونالد رامسفيلد مبررات وأسباباً لعدم العثور على أسلحة دمار شامل في العراق منها قوله:
1ـ قد لا تكون الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية موجودة أصلا قبل بدء العمليات الحربية.
2 ـ ربما يكون العراق قد نقل أسلحة الدمار الشامل إلى دولة أخرى.
3 ـ ولربما تكون الأسلحة قد دمرت عند بدء العمليات الحربية.
4 ـ تم تفريق هذه الأسلحة وإخفاؤها في شتى أنحاء البلاد.
5 ـ قد يكون العراق قد امتلك كميات صغيرة من المواد البيولوجية أو الكيميائية، وكانت لديه القدرة لتعزيز مخزوناته بسرعة، إلا أن اكتشاف ذلك يستغرق قدرا أكبر من الوقت.
6 ـ (ربما) كان صدام حسين يضلّل الجميع وفي الواقع أنه لم يمتلك أصلا أي أسلحة دمار شامل.
وقولـه: إنه يعتقد بأن الأسلحة ربما لا تزال مخبأة في العراق، وأن فرق التفتيش تحتاج إلى وقت إضافي للتأكد من وجودها أو عدم وجودها؟! وهو المطلب الذي رفضت الولايات المتحدة وبريطانيا إعطاءه لمفتشي الأمم المتحدة حينما طلب ذلك كل من بليكس والبرادعي في تقريريهما أمام مجلس الأمن في أثناء جلسته العلنية الشهيرة قبل شن الحرب.. أجدني أمام مدرسة من المراوغة والخداع يصعب تصديق وجودها على هذا المستوى في دول تهرف بالعدالة والحرية وحقوق الإنسان واحترام الحريات، وتقول بنبذ الكراهية وتحارب الإرهاب وهي التي تكرس الكراهية وتمارس الإرهاب؟! واستمرار رئيسها في التوهم بأنه مكلف برسالة إلهية، وأن ما يقوم به يريده "الرب" ويباركه.. حتى ترشيحه من جديد لدورة انتخابات مطلب من مطالب " الرب": جاكسون ليرز في "نيويورك تايمز": إن الرئيس جورج بوش "يؤمن بان الأحداث تحركها يد الرب العادل الأمين"، وان رئاسته جزء من خطة إلهية، وينقل عنه قوله "أعتقد أن الرب يريدني أن ادخل المنافسة على منصب الرئاسة".
بعد ذلك كله أجدني أقرب إلى استنتاج لا أطيقه ولكنه يقتحم علي كل باب من أبواب المنطق والوقائع التاريخية البعيدة والقريبة، استنتاج مفاده أن توني بلير وجورج بوش وسواهما من شركاء الحرب على العراق، مسكونون باعتقاد ديني، أو توهم نفسي ضخم يسوغ لهم أفعالهم، وأن أحداً منهم لا يشعر بأي تأنيب للضمير بعد اكتشاف، أو كشف الأكاذيب المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل العراقية، ولن يشعر أي منهم بشيء من ذلك، وهم يقررون أن تلك تكاليف " ربانية " ومصالح عليا لبلديهما سوف يقدرها الناس لا حقاً.. وهذا يشير بوضوح إلى أن قرار شن الحرب على العراق كان قراراً سياسياً، وما تبقى قشور وأقنعة وذرائع، وأن الحرب والتهديد بتوسيع دائرتها لتشمل بلداناً عربية وإسلامية أخرى، مطلب صهيوني ومصلحة أميركية ـ بريطانية، وتلك فيما يبدو هي الحقائق الأدق والمحركات الدينامية للعدوان بكل أشكاله المادية والمعنوية. وأكاد أقطع بأن هذا النوع من الحروب على بلدان عربية وإسلامية، بل على العروبة والإسلام، سيبقى على البرنامج المستقبلي للكيان الصهيوني والحركة الصهيونية من جهة، ولتينك الدولتين من دول الغرب على الأقل، لأنها تدخل في " التكليف الرباني" وفق الهوس الاعتقادي والاعتقاد التوارتي ـ التلمودي المشترك لهم، وضمن المطالب المحققة للمشروع الصهيوني، وكذلك في المشروع الإمبريالي الأنغلوسكسوني الذي يستعيد أنفاسه أميركياً بعد أن تراجع بريطانياً. وكل ما تبقى ذرائع وردود سياسية على الذرائع يتداولها جمهوريون وديموقراطيون.. محافظون وعماليون.. ليكوديون وأتباع لحزب العمل، يمين ويسار في بؤرة الشر الأولى في العالم: الكيان الصهيوني, ولا صلة لأي شيء من ذلك بالأخلاق، أو ببقية القيم والحقوق والحريات الإنسانية التي تشوهها القوى الإمبريالية الصهيونية، وتحولها إلى بضائع سياسية يتم الاتجار بها، والتدخل باسمها في الشؤون الداخلية لدول وشعوب.
أما كلام الشارع السياسي البريطاني والأميركي عن الحرب والتورط، أو التوريط بها، فيندرج في اللعبة الانتخابية بين اللاعبين الذين اتفق معظمهم ـ باستثناء بعض الشرفاء البريطانيين من الوزراء، الذين استقالوا من مناصبهم قبل الحرب ـ في ذروة النقاش الذي كان يدور حول علاقة نظام صدام حسين بأحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، والإرهاب الدولي، وأسلحة الدمار الشامل.. وبقية الأسباب والذرائع لشن الحرب، اتفقوا على أن يدعموا حكومتهم في تلك الحرب بحجة أن جنودهم في الميدان.. وهي قاعدة عمل سياسية استعمارية مستمرة مهما كانت الحرب وسخة.
ولن يغير ذلك الحوار الحاد، وتغيير الشخصيات والحكومات والرئاسات إن حصل، لن يغير من حقائق تمكّن ثقافة الكراهية والعداء للعرب والمسلمين في نفوس الكثيرين من أولئك الذين لا يرون إلا بعيون المصالح والاستعلاء العنصري والعدوانية التاريخية.. فقراءة الوقائع التاريخية تشير إلى أن هناك حالة عداء مزمنة دخلت في العمق الاجتماعي والروحي والثقافي والاعتقادي لشرائح نافذة الرأي والقرار في الولايات المتحدة الأميركية، وبريطانيا تغذيها الصهيونية من جديد، ويشكل اليمين المتطرف أهم سدنتها، ويعيش اليسار عملياً في هوامش ذلك التطرف، ولا يخرج عليه مهما ادعى العلمانية.
وعلى الرغم من المناداة بجعل المعرفة متاحة للجميع، وهي حق مشروع لهم، فإن تصنيع المعرفة، أو تصنيع الجهل والتجاهل من ضمن برمجيات المعرفة السياسية أو السياسات المعرفية، في تلك البلدان التي تصدر لنا الادعاءات والدعوة العريضة لحرية وصول المعلومات، حيث يتم تعتيم إعلامي على الناس في تلك المجتمعات، عن طريق حجب المعلومات والحقائق عنهم في الأوقات الدقيقة، ليتم جهل أو تجاهل، ثم تجري إشارات نقدية إلى شيء من ذلك، بعد إنجاز الأهداف وارتكاب الجرائم، وفوات الأوان لتبييض الوجوه والصفحات وتلميع الوجه الديموقراطي البائس، وتحسين الصورة والسمعة المشوهتين.
وحين يتعلق الأمر بنا نحن العرب، فالإدانة صريحة من رؤساء الغرب الاستعماري ومثقفيه وإعلامييه، إضافة إلى الكثيرين من حلفائه وأتباعه، ومن أبناء البيت العربي ذاته بسبب غياب المعلومات، وتغييب الجمهور وانتهاك الحقوق المشروعة بضرورة وصول المعرفة إلى الناس، وهذا مطلب حق يجب أن يكون للجميع وللقضايا والمواضيع كلها..
الكيل بأكثر من مكيالين سياسة لا يتردد الصهاينة والإمبرياليون في استخدامها، ولا يهتز لهم جفن عندما تواجههم بها، والقول الصريح الذي يقولونه لنا حول ذلك رداً على طلبنا بأن يغيروا هذا النهج المقيت المناقض للعدالة والمدمر للحقيقة: "متى كنا لا نكيل بمكيالين واحد لنا وآخر لأعدائنا.. هذا منطق الأحداث، وسجل الوقائع ومنطق تاريخنا.. أو منطق التاريخ، ومقتضى مصالحنا.. نحن لم نتغير، ولكن نظرتكم لنا هي التي تتغير أو تطالبنا بالتغيير.. ولكن مصالحنا أولاً..؟! وهم يسوغون هذه السياسة ويردون على التماساتنا تلك بهجوم شامل، على رأسه الافتراء المتدفق من أعلى المستويات السياسية: كمثل قول الرئيس الأميركي جورج بوش قبل أيام: "التصدي للدعايات الحاقدة التي تملأ الأثير في العالم الإسلامي، ومن أجل النقاش المفتوح، فإننا نقوم ببث رسالة التسامح والحقيقة في اللغات العربية والفارسية لعشرات الملايين. وفي بعض المدن في منطقة الشرق الأوسط الكبرى، محطات الراديو التابعة لنا تحتل المرتبة الأولى في أوساط المستمعين الشباب". وقد رصد في الميزانية الحالية ثمانين مليون دولار للتدخل في شؤون داخلية وشراء ضمائر يطلق عليها تسميات براقة .. " قال الرئيس بوش إنه طلب من الكونغرس مضاعفة الميزانية المخصصة لمؤسسة الوقفية القومية من أجل الديمقراطية، رافعاً ميزانيتها السنوية إلى 80 مليون دولار، للتركيز على "جلب انتخابات حرة وأسواق حرة، وصحافة حرة وخطاب حر ونقابات عمالية حرة إلى الشرق الأوسط.".. وقال في الخامس من شباط/فبراير الحالي: "إننا نسعى إلى دفع الديمقراطية إلى الأمام لأسباب عملية جداً: لأن الديمقراطيات لا تدعم الإرهابيين أو تهدد العالم بأسلحة القتل الشامل." وكأن الولايات المتحدة الأميركية، الدولة الديموقراطية لا تدعم الديكتاتوريات وتقيمها وتحميها، ولا تدعم الإرهاب الصهيوني ولا تموله وتحميه ابتداء من العلميات الإجرامية اليومية ضد الشعب الفلسطيني، إلى الاستيطان، إلى إقامة السور العنصري، وهو الإرهاب مجسداً، ولا تمول الاحتلال.. ولا تشجع الصهيوني المحتل على الاستمرار في احتلاله وسياساته العنصرية والعدوانية، ولا تقوم هي باحتلال أرض الآخرين، ونهب ثرواتهم وتدمير أمنهم وبلدهم؟!
أما ما يتعلق بحرية الإعلام ونشر المعلومات وإيصال الحقائق، لا سيما عن فلسطين والعراق ومنطقة الشرق الأوسط، وما يقوم به العدو الصهيوني والاحتلال الأميركي البريطاني في العراق وما يجري من تدخل في الشؤون الداخلية هنا وهناك، فإنها أمور لا تصل إلى الشعب الأميركي، ومن يحاول أن يوصل شيئاً من ذلك في وسائل الإعلام من البريطانيين أو الأميركيين يتلقى ضغطاً وتعليمات لتقديم الأمور من وجهة نظر الدولة/ تصريح مدير الإذاعة البريطانية بعد استقالته من الأدلة على ذلك/ ومن كان من أولئك خارج السيطرة الإدارية أو الجغرافية أو خارج دائرة النفوذ، فإنه يتهم بالتحريض، وببث الكراهية ويعتقل أو تشوه صورته تماماً، كما حدث لصحفيين في فلسطين والعراق وغيرهما من بلدان العالم.. وتتدفق عليه سلسلة التهم التي يتقنها بامتياز فريق الرئيس بوش السياسي والأمني والإعلامي و" الثقافي" في مراكز الأبحاث التي يقودها الصهاينة.
عالم عجيب يبشر به الثلاثي الأعجب: بوش وبلير وشارون، رأس الافتراء في المنطقة العربية، ومناطق النفوذ الصهيونية في الإدارة الأميركية والحكومة البريطانية على السواء.
ونحن في خضم موجة، ومقبلون على مرحلة جديدة أيضاً من تصدير الأكاذيب، والمتاجرة بالأوهام المؤلمة، وتمويه الاستراتيجيات الفتاكة بتكتيك براق، مرحلة خداع وتضليل ضخمة يقودها الإرهابي شارون، ويوافقه عليها الرئيس جورج بوش وفريقه، وسيتم تسويقها الأوسع والأشهر والأقوى من واشنطن بعد أن يزورها شارون في شهر شباط/فبراير الحالي 2004، وهي مرحلة تسويق سياسة الفصل من جانب واحد في فلسطين المحتلة حيث يبشر شارون بالانسحاب " المؤلم " من سبع عشرة مستعمرة في غزة تضم سبعة آلاف وخمسمئة مستعمر صهيوني، يحتلون مواقع من غزة تغطي ثلث مساحة أرضها البالغة ثلاثمئة كم2 ومن بعض البؤر الاستيطانية في الضفة ليأخذ بالمقابل دعماً أميركياً جديداً يشمل وفق بعض المصادر "موافقة أميركية على:
ـ أن يضم الجدار الفاصل جميع المستوطنات الباقية.
ـ مساعدة مالية ضخمة تقدر بمليارات الدولارات لتمويل عملية نقل المستوطنين وتعويضهم.
ـ حرية عمل عسكرية في الضفة والقطاع بعد انتهاء عملية الإخلاء.
ـ تأييد الدول الغربية لخطة الانفصال.
ـ خطوات تتم بالتنسيق مع الإدارة الأميركية، وبينها الإعلان عن ضم معاليه أدوميم وغوش عتسيون رسمياً إلى الكيان الصهيوني
ـ مواصلة البناء في المستوطنات المركزية.
ـ اعتراف أميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل.
ـ عدم المساس بمستوطنات الضفة الأخرى حتى التسوية النهائية.".
وكي يتوسع في المركز الاستيطاني المتحكم بأمن منطقة غزة: دير البلح ويركّز القوة العسكرية والاستيطان هناك، ويسيطر على مناطق حيوية في الضفة الغربية، ويقضم المزيد من الأرض الفلسطينية، ويمرر الجدار العنصري الذي يحاصر داخله الفلسطينيين، ويبقي على وضع التحكم الصهيوني بالشعب الفلسطيني لعشرين سنة قادمة يستعد بعدها الكيان الصهيوني لقضم المزيد من الأرض، ولتهيئة من يوافق لـه من الفلسطينيين على حلول تصفوية جذرية ونهائية، تأتي على ما تبقى لهذا الشعب الصابر المناضل من أرض وحقوق. وعلى رأس المكاسب أن تقوم الولايات المتحدة الأميركية بدفع العرب إلى تقديم تنازلات جديدة بالتهديد أو الإغراء أو الابتزاز، والضغط على الفلسطيني للقبول بما يعرَض عليه من فتات أرضه وحقوقه.. فهل نغرق من جديد في دوامة الخداع الأميركي الصهيوني، خداع شارون ـ بوش، أم أن يقظة ما تستند إلى رؤية ونوع من التضامن والتعاون والقوة بمستوياتها المتدنية ممكنة التحقق حتى لا يسرق العدو المزيد والمزيد من أرضنا وحقوقنا وكرامتنا؟!
إلى الذين يقولون: لا جدوى.. ولا مخرج من قبضة الثلاثي العجيب الغريب".. نسوق تجربة المقاومة، وصمود الشعب الفلسطيني البطل على الرغم من أنواع الحصار، والملاحقة بالإحباط، وانقطاع النصير العربي عن المدد حتى بالصوت في كثير من الحالات.
ونقول إن اليأس من أنفسنا هو أكبر ما ينبغي أن نواجهه حتى لا تهزم منا الإرادة والروح.
دمشق الجمعة 6/2/2004
|