صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الخامس) - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2004

ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

مئات القتلى والجرحى من العرب بين غزة وبغداد في يوم واحد، يثقلون على الروح ويحملهم القلب أرقاً، وما يتركه ذلك في الشارع المحسوس والملموس يطرح سؤالاً مراً على من يعنيهم موقف الكلمة، وموقف الإنسان في الأزمات التي تتفجر دماً، والأوضاع التي تتنزى بؤساً. عرب فوق عرب، وكلام فوق كلام، وحروف فوق حروف.. والنتيجة دم يراق، وموت يحصدنا هنا، وإحباط يفتك بنا هناك.. ما الذي ينقذنا مما نحن فيه سوى نحن؟! من لنا غير أنفسنا؟! وكيف يمكن أن نكون نحن وننقذ أنفسنا ونحن نُعْمِل حد السكين في قلوبنا، ونعير بعض سواعدنا وعقولنا وأقلامنا لمن يريد أن يتخذ من أنفسنا قوة لـه على أنفسنا؟!‏

من يخرجنا مما نحن فيه؟! لا أحد.. لا أحد.. لا ينقذني إلاي.. لا ينفعني إلاي. وسواء أوضعنا وزر ما نحن فيه على حاكمنا أم على عدونا، فإن الخلاص لا يمكن أن يكون إلا بقوتنا وإرادتنا ووعينا وبمبادرات خلاقة منا.‏

ويبدأ الخطو نحو ذلك على طريق الوعي.. وطريق الوعي تبدأ على أرضية الانتماء، بفكر وإبداع يتحولان إلى إرادة وعمل ومواقف.. حرف منير وكلمة طيبة جذرها ثابت، وفرعها في السماء، وزيتها يضيء وإن لم تمسسه نار.. من هنا يمكن أن تكون بداية. ولن تهدينا سواء السبيل كلمة مزيفة تتظاهر بأنها مثقلة بحمل.. وهو حمل كاذب أو ورم خبيث. في الفكر خلاص، وفي الإبداع شمعة.. وطريق أهل الإبداع والفكر إلى الناس الحرف.. ولكن..‏

الحرف مغموس بماء الورد، يحمل وجيب القلب ولون الانفعال عند العاطفيين والحالمين، والريشة عندهم شعاع في رحمه قوس قزح، يسطر على صفحات النسيم وأديم الماء وزرقة السماء، قصة الشوق والترنح على أعتاب التوق، واندفاعة المحب نحو المحب، وثورة الغاضب.‏

والحرف مغموس بالدم وألم الروح وقسوة القهر، والمعاناة المرة في واقع يفيض بؤساً، ويصنع تحدياً عند الثائرين والمقاومين والصامدين في مواقعهم، الثابتين على مواقفهم ومبادئهم، إنه وعاء الألم، وسطوع الغضب، وصوت الضمير، القادم على أجنحة الجهاد يبشّر بالعدل، ويرفع راية الحرية، ويبشر بقرب زوال الاحتلال، ويمثل دفق الأمل في جسد المتعبين، والريشة عندهم رصاصة أو خنجر، تحفر على وجه الزمان وقائع سجلتها مواقف الإنسان، وتثبت تغييرات أملتها إرادته الواعية، وتلوّن مسيرة تواصل السير والصيرورة.‏

والحرف مغموس بالدمع ويحمل مرارة الصبر، ولمع سراب صقيل كحد السيف، مصلت فوق لهاة الواقف في رمضاء الزمان، عند الفقراء والمساكين والمظلومين والمتعبين البائسين، إنه وعاء المعاناة وبيانها، ولسان الأمل بانتصار الحق، وإقامة ميزان عدل ينتصب في الضمائر، ويحول المعتقدات إلى سلوك في الحياة، ينسكب صلاحاً واستقامة وبلسماً وشفاء، والريشة عندهم معول يهدم الحواجز والزنازين والأسوار العنصرية والمستحيل، وكل من الحرف واللون يهد عروش الظلم والجبابرة، ويكسر سطوة الإنسان على أخيه الإنسان، ويتألق بينما يبني كما يبني مارد الإبداع حصوناً وقصوراً.‏

والحرف يكون.. ويكون.. ويكون. وهو مدعو في زماننا وأوطاننا اليوم إلى أن ينهل من قلب المحب، وجرح الثائر، وعزم المقاوم، وصبر الفقير، ليصنع حلم الجماهير في الاكتفاء والتحرر والارتقاء والتوحد خلف موقف فيه القيمة والمبدأ والعزيمة، ففي أرضنا اليوم واقع جديد يفرض على كل منا أن يتعامل تعاملاً نوعياً مختلفاً عن كل ما سبق من تعامل مع الحدث والتحدي والمنتمين إلى غير أرضهم وتربة حضارتهم وثقافتهم. هناك في تربتنا الاجتماعية والنضالية دعوة مغرية لاستنبات الكلمات والمواقف، والمواضيع، في حرارة الواقع ومصداقية الوقائع وسواقي الدم والدموع، ومواقع الحصار والدمار، بعيداً عن الأبراج العاجية وتأثيراتها، وعن الشطحات الكلامية وصبواتها، وعن تربة ليس الكتاب سماءها، ولا الخيال بناءها، ولا التشدق بالقول عمادها.. إنها الانغماس في عمق الصعوبات والأزمات والتناقضات والإشكاليات والمشكلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، متداخلة تداخلاً عضوي التكوين والتأثير، من أجل استشراف رؤية وإنضاجها. فيها خروج من الضعف والموت الذي يتجلى في مشهدية ساكنة ينظر فيها الأخ إلى أخيه يذبح بيد العدو، ولا تتحرك أصبعه بإشارة احتجاج، ويبقى ساكناً بانتظار دوره، وكأنه لا يملك سوى أن يفعل ذلك..‏

وتلك حال أمة يستدعي وضعها الغوص عميقاً في تكوين نفسي وقيمي وروحي وخُلُقي واجتماعي، غدا مضطرباً ومتوثباً بجنون وعشوائية، وأخذ اتجاه تفاعل وتغير وإعادة تكوين، وتشكُّل في حياة الناس ليس السلبية والاستلاب وهوس التقليد الأعمى والتبعية والاستهلاك المادي والإفلاس الروحي ومظاهرهما، إلا بعض نتائج ذلك الوضع الذي يحمل نزوع المتناقضات إلى الاصطراع، والاعتراك في الذات، وعلى حساب الذات، في حركة كأنما هي الانتقام من النفس بارتداد سلبي على كل ما يشكل مقومات حياتها وحيويتها وهويتها ومعاني وجودها وكرامتها.. إنه وضع يصفع المرء أينما اتجه بصره.. دم لا يحرك الدم، وظلم لا يحرض الهمة، واحتلال واحتقار كأنما يحزان السكاكين في أجساد ميتة.‏

لقد هزني القتل في غزة من أعماقي، ليس لأنه جديد، وليس لأنه في أهلي الصامدين الذين يقطف العدو الصهيوني زهرات شباب أبنائها كل صباح أمام سمع العالم وبصره، من دون أن يتحرك أحد ليقول كفى.. وليشهر ولو شفرة لسان في وجه هذا النوع من الظلم الذي يذل الإنسانية والإنسان، في كل زمان ومكان، ويشرع في فضاء الروح سيف الرعب من الآتي عبر خبرة كوَّنها الزمن القريب، في قلب وضمير كل غبي وأريب.‏

وهذا الواقع الذي خلق مناخاً خاصاً يحتم ولادة دعوة خاصة، وتوجه خاص، وخطاب خاص أيضاً، فإلى ذلك الذي يستنبت الحرف في الجرح، في تربة الواقع وتوتر المواجع، ويعنيه أن تكون الكلمة مقاتلة من أجل الحرية والكرامة البشرية.. من أجل العدل والحق.. من أجل تغيير في العمق يشمل القوة العمياء والأقوياء الذين يشوهون القيم والوقائع والحقائق، ويحولون حياتنا إلى جحيم، أقول: أيها الحامل ضوءاً وتوهجاً وضوعاً ونوع رؤى وقولاً يبذر أملاً وينبت عملاً، ويشرع في مدى الآفاق أملاً، أيها الناشد حقيقة تشفي، ومصداقية تعطي الوجود والكلام والحوار معنى، ولما يقدمه الإبداع قيمة وتأثيراً وغنى، تعال افلح أرضاً تحتاج إلى من يحرثها، وارتبط، أخذاً وعطاء، بأناس يحتاجون إلى من يعطيهم بإخلاص ويدافع عنهم بقوة، ويترجم عنهم بحيوية وإخلاص أيضاً، ويوصل صوتهم وصورتهم إلى الآخرين بصدق.. تعال خذ حياة الحرف من حياة هذا الظرف الذي يعيشه أناس في فلسطين تحملوا نتائج عنصرية هي الأقذر، واحتلالاً هو الأفظع، وتشويها لتعلقهم بالحرية، ودفاعهم عن أنفسهم هو الأشنع، في تاريخ الأمم والشعوب من صهيونية تسجل منذ عقود صفحات أسوأ تاريخ بين تواريخ الأمم والحركات العنصرية والفاشية.. تعال انظر وابحث واعرف واكتب. وليدفع حرفك الإنسان إلى الحياة والأمل والاستقامة والنضال، في عصر ضياع القيم، واضطراب المعايير، وسيطرة الكذبة على عقول الناس ومصائرهم، تعال ثبت شراع المركب في خضم العاصفة وإلا فلا حاجة لغنائك بعد حين، لأنه لن يكون هناك من يسمعك، ولن يكون في غنائك ما يطرب لأنه ابتعد عن الأفئدة الحية، وعن الحياة والناس في وقت الحاجة إليه.‏

تعال ضع حرفك في مناخ يختلف عن كل ما عرفت، وما شكل مناخ عطاء لك في السابق، فأمتنا اليوم تخوض معارك تغيير من أجل التطهر والتطور والمواجهة والتحرير، وتجري في أحشائها تغيرات جديرة بأن تشهد أنت ولادتها، وتساهم في يقظتها وتصنع مستقبلها.‏

فما عاد حرفنا، في واقعنا اليوم، قادراً على أن يكون منقذاً، ومؤثراً في مسار الفرد والمجتمع والتاريخ إذ انصرف إلى الأدب الترف والتخييل المجاني والفوضى الكلامية والتدمير المتعالي على المعايير الصحيحة والأذواق السليمة، واكتفي بأن يحوم حول المعاني والأفكار، ولا يلامس الواقع ترفعاً منه عن أن يحمل خطاباً واضحاً للناس، أو أن ينتمي إلى المقاومة فيسمى " إرهاباً أو محرضاً على الإرهاب؟! نحن في معركة البقاء، والدم الرجراج من حولنا ليس لوناً أو صورة ملونة نراها على شاشة فضية.. إنه دم تلميذ في مدرسة يحمل حقيبته على ظهره، ويحاول أن يصل إليها، أو أن يعود منها، فيتلقفه الإرهاب الصهيوني في طرقات قريته أو حيه أو بيته.. إننا أمام مسلسل الإبادة وإبادة الإرادة..‏

وعوامل حياة الأدب وبقائه وتأثيره وتجليه، تختلف باختلاف العصور والمواقف والظروف والقضايا واهتمامات الناس، وعوامل حياتهم ومقوماتها والتحديات المفروضة عليهم، وعوامل ما يرغبون فيه، ويتطلعون إليه ويكافحون من أجله، وما يؤثر فيهم ويبنيهم من قيم ومقومات حياة.‏

علينا أن ننغرس اليوم مع حروفنا في مواقع المقاومين الشرفاء، والمدافعين عن الحياة والحرية ضد الاحتلال.. أن ننغرس في قرانا ومدننا القديمة، وأحيائها الأثرية التي تحمل روحها وخصوصياتها ورونقها، وأن نتنفس مع سكانها لنتأصل في تربة الأصيل، وألا نكتفي بالنظر إلى التراث المكتوب حتى يتسنى لأدبنا أن يحمل روح الأمة وهويتها، وما يهم الأحياء فيها، ففي الواقع النضالي، تكمن الأصالة وتكمن حياة الإبداع والتجدد والتجديد.. الصدق والهوية والأصالة هناك في البيوت العربية الآسرة حيثما وجدت فيها عزيمة الصمود، وقوة الوقوف بوجه الظلم والفساد، والاستعداد للتضحية من أجل غد أفضل وحضور أقوى.. منها نستمد شيئاً ونعطيها أشياء، لأن الغزو يريد أن يمحو كل هذه المعالم ويجتث منا الجذور، ولأن الأمركة تستهدف الروح والثقافة والعزيمة والمصالح والثروات.. وتريدنا لا شيء.‏

إن معايشة الفلاحين، ومعرفة مشكلاتهم ووقف أساليب نهبهم، والتعرف على شؤونهم وشجونهم وهمومهم، ومعنى أن تدمر حقولهم ومزروعاتهم وأشجارهم والتربة التي تمدهم بمقومات العيش، والوقوف على مدلول تلوث البيئة الطبيعية والنفسية والاجتماعية والروحية، والتأمل في أوضاع العمال والعمل والإنتاج، ومعاناة الجنود وظروف المقاومين وما ينتظرونه من شعبهم، وما قطعوا منه الأمل.. وحتى النظر في ما يقوله الطفيليون الفاسدون والمفسدون الذين يمتصون دم مجتمعاتنا عن " معاناتهم" حيث يشعرون بوجود بؤر حياة نظيفة في المحيط الذي هم فيه لم يجهزوا عليها بعد، ويخشون أن تقوى وتجهز عليهم..‏

إن كل هذا تستمد منه الكتابة نسغ حياتها، ويجب أن تستمد منه ما يشكل نسغ الحياة الجديدة، لا بد من أن نأخذ ونعطي ونتفاعل في مثل هذا المناخ أو ذاك، لأن ما يجري فيه هو الذي يصنع صورة الحياة الواقعية، ومادة الأدب والفن، وصورة المستقبل والرؤى التي تساهم في تكوينها. والأدب لا يريد أن يكون بعيداً عن الحياة إذا ما أراد لنفسه أن يؤثر ويعيش ويتسامى ويرتقي بالإنسان.‏

إن أرضنا خصبة أيها العزيز الذي تفلح الروح، وتبذر الكلمات، وترعى الأمل وتحرسه، والمناخ ملائم لعطائنا، ومجال حرثنا لا يقف عند حدود ما ذكرت، فهناك كل قلق النازحين والمهجَّرين والمحاصرين والمهددين والمحرومين، من حقوق وحريات ومقومات أمن، والذين يقاسون الأمرّين بين احتلال أميركي، وموت واحتلال صهيوني أصعب منه الموت.. وكل ذلك نبني منه ونبني فيه ونستلهمه ونؤسس عليه.‏

إن تربة حرفنا خصبة يا حامل الحرف، وليس هناك ما يبرر أن نبقى في أرض بعيدة مهما عزت علينا ذكرياتنا فيها، هناك دم حي يُبذل، ونضال يومي يُخاض في وطننا ضد العدو والمحتل والطاغية والفاسد والمفسد، وضد من توطن في نفوسهم ورؤوسهم الاستعلاء العنصري وشهوة العدوان، حتى غدا القتل عملاً يومياً من أعمالهم، وغدت جموع الأبرياء والبسطاء هدفاً لكل من يحمل بندقية لا يحكمها وعي أو ضمير، تربة حرفنا خصِّبت كثيراً، وشرف الكلمات موفور لمن يربد لكلماته الشرف، والواقع يقدم أكثر بكثير مما يحلم به واقعي، يريد للأدب أن ينغرس في حياة الناس.. يراد لبلادنا أيها الناشر شراع الأمل، أن تترك تهجر تاريخها، وتضيع هدفها وتنسى قضاياها، وأن تكون مطية لتحقيق أحلام ومشاريع وصفقات، لا تمت لجماهيرنا وتاريخنا ومبادئنا وثقافتنا بصلة، ويُراد لها أن تغير وجهها الذي حملته الدهر، وكونته الأيام والأحداث والأفكار، لترتدي جلداً آخر، أيَّ جلد غير جلدها لا يهم، وأن تغير هويتها لتحمل هوية أخرى غير هويتها، المهم أن يكون جلدها غير عربي، مهترئاً يستنعم الملامسة المدنّسة، وأن تكون هويتها فاقدة لكل سمة وخصوصية وأصالة، يُراد لها أن تكون ذلولاً لراكبها، وأن تنعزل عن محيطها العربي وتهجر نضالها القومي، وتقطع تواصلها مع تراثها وموروثها ومحيطها الحيوي، فما يكون الحرف، ومن يكون حامله إذا كان بعيداً عن ذلك المعترك، وعن مواجهة الاستلاب الذي يُراد لـه أن يحل ببلاده بدءاً من تحويل الناس إلى أفواه مستهلكة وإردات مشلولة، وعقول مستوطَنة بالتبعية والغزو، وطموحات مريضة وعلاقات وقيم فاسدة، إلى تحويل البيئة والإنتاج وبنية الوطن والمواطن إلى بنية اتكالية متآكلة.. بدءاً من ذلك كله وانتهاء بإفساد مصداقية الكلمة والقرار على كل مستوى وصعيد.‏

إن الذين يحاصروننا ويتهموننا ويهددوننا ويخططون لتركع بلادنا وشعبنا لا يهمهم أمر إنساني أو قيمة روحية أو خلُقية أو اجتماعية، وهم يجدون من يلعبون به وما يلعبون به، ولذلك فهنا على أرضنا وقائع ومعطيات جديدة ومفيدة لمن يريد للكلمة مواقف ومواجهات ورسالة، ولمن يريد للحرف معنى وحياة ويريده مشعلاً في ليل، وشراعاً في عاصفة، وأملاً في دياجير اليأس، ومحرضاً للإرادات على خلق مناخ يؤدي بالإبداع رسالة، ويؤدي فيه الإبداع رسالة.‏

فهل نحن أقل من أن نكون أبناء حياة وبناة قوة وأمل وحياة؟! لا لسنا كذلك ولا نكون أقل مما نستحق..‏

وما نيل المطالب بالتمني * * * * * ولكن.. تؤخذ الدنيا غلابا.‏

دمشق 12/2/2004‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |