صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الخامس) - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2004

الشرق الأوسط الكبير

كان الإرهابي شمعون بيريز، صاحب مجزرة "قانا"، وأسلحة الدمار الشامل الصهيونية، وجائزة نوبل "للسلام" في الوقت ذاته"!!.." ممن دعوا إلى إقامة شرق أوسط جديد يكون الكيان الصهيوني مؤسساً فيه وجزءاً عضوياً منه، وذلك على أنقاض جامعة الدول العربية التي سماها "جامعة الكراهية" وطالب بتدميرها.. لكن مشروعه ذاك لم ينجح، وسُحِبت الشرق أوسطية من التداول مدة من الزمن، لأن أهل المنطقة لم يرحبوا بها وعرّوا أهدافها. واليوم بعد الاحتلال الأميركي لأفغانستان والعراق والتخطيط لاستمرار التدخل والتوسع في بلدان عربية وإسلامية أخرى على صُعد ومستويات شتى، نقف على عودة ذلك المشروع الإمبريالي ـ الصهيوني باسم: "الشرق الأوسط الكبير" وفق أحدث الطبعات الأميركية لـه، وقد غدا معتمَداً من واشنطن بعد تطوير استراتيجي لـه، وتوسيع لمداه الجغرافي ليشمل دول المنطقة العربية وبعض الدول الإسلامية: تركيا وباكستان وإيران وأفغانستان.‏

وقد أدرجته الدولة الإمبريالية الأولى على جدول أعمال الدول الثماني الصناعية الكبرى، مستبعدة الأمم المتحدة، لتناقشه في "سي أيلاند" بالولايات المتحدة حزيران/يوليو 2004 بوصفه فرصة استثمارية لتلك الدول من جهة، وقضية أمنية خطيرة من جهة أخرى. وربما يصبح المشروع مشروعاً لتلك الدول جميعاً إذا تمكنت الولايات المتحدة من زجها في مشروع إمبريالي بهذا الحجم، وإلا فهو مشروع استعماري أميركي خاص لن يعيق تنفيذه أحد.‏

ومن الطبيعي ألا يكون المشروع مطروحاً على العرب والمسلمين للمناقشة أو لتحديد موقف منه وإبداء رأي فيه، لأنه يستهدفهم بالكامل في إطار " حرص الذئب على الحَمَل" وهو برنامج" إنقاذ" على الطريقة الأميركية يهدف إلى المحافظة على مصالح الولايات المتحدة الأميركية وأمنها القومي، وواشنطن لا تستشير عرباً ومسلمين في شؤونهم ومصيرهم، فهم مستباحون بسبب الضعف والعجز والتمزق، و" قاصرون" من وجهة نظرها يجب أن يخضعوا للوصاية على نحو ما، ومعوَّقون لأسباب كثيرة، ومتخلفون لا يعرفون سوى الكراهية"! ولذا تعاملهم بوصفهم "أعداء للحضارة والدول المتقدمة" ولما تراه مصلحتها ومصلحة حليفها العضوي الكيان الصهيوني، وتفرض عليهم ما تريد بالقوة إذا لم يفلح الترهيب والترغيب.‏

مشروع " الشرق الأوسط الكبير" هذا يرمي إلى إعادة استعمار المنطقة بذريعة النهوض بها، والقضاء على الإرهاب الذي يعشش فيها، ووقف تهديد الدول الصناعية المتقدمة بالهجرة غير المشروعة القادمة منها، والمحافظة على الأمن والمصالح الحيوية للولايات المتحدة، وحلفائها الذي يهدده الوضع غير " الديموقراطي" في الدول العربية والإسلامية كما تقول.. فالديموقراطية ضمانة لعدم الاعتداء. أما العدوان الأميركي المستمر، والاحتلال الصهيوني المدمر فهما نتاج ديموقراطية من نوع " أبوي" فوقي متعال رحيم لا يقوم إلا بالإبادة الروحية والخلقية والجسدية، ولا يفرض إلا التبعية ولا يرمي إلا إلى محو الشخصية، وخلق الفوضى العارمة لمن يحل بأرضهم.‏

والطريق التي ترسمها الولايات المتحدة الأميركية لتحقيق مشروعها الإمبريالي الضخم تمر عبر: إعادة ترتيب الشؤون الثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والجغرافية والدينية للعرب والمسلمين، بما يعزز الاحتلال المباشر وغير المباشر، لأرضهم وعقولهم وإرادتهم، ويجعل الكيان الصهيوني جزءاً عضوياً أبدياً في المنطقة، وشريكاً مهيمناً عليها، ورائداً في رسم مستقبلها والسيطرة على مصيرها، ونهب ثرواتها، ومنعها من التقدم في أي مجال.‏

إن عودة هذا المشروع اليوم على عكاكيز عربية، منها "تقرير التنمية الإنسانية" لعام 2002 الذي وضعه باحثون عرب في إطار الأمم المتحدة، لا يعني على الإطلاق أن الوطن العربي بساسته ومفكريه وباحثيه ومثقفيه وقواه الحية كلها، قد عجز تماماً عن الرؤية والإدراك السليمين لأوضاعه واحتياجاته وسبل الخروج من أزماته، وسلم بالمنطق الإمبريالي الأميركي و" حلوله" وذرائعه، أو استسلم لـه، وللفكر الصهيوني الشرير اللذين يتهمان الإسلام بتفريخ الإرهابيين، كما يتهمان أتباعه بالإرهاب والكراهية، وغير ذلك من التهم التي يحفل بها القاموس الأميركي الصهيوني الذي يفيض حقداً وكراهية ويتهم الآخرين بالحقد والكراهية. يقول " الميزانتروبLA Misanthrope جورج بوش: ".. ذلك أنه في الشرق الأوسط يجد المرء الكراهية والعنف، الذي يمكن العداء من تجنيد القتلة"، ولا يرى الرئيس القتلة الصهاينة المحتلين الذين يداهمون الناس في أماكن سكناهم وهم نيام، ويدمرون البيوت على من فيها في غزة وسواها من المدن والقرى الفلسطينية، وقد أطلق الرئيس فضائية بالعربية في 14 شباط/فبراير 2004 ورصد لها 62 مليون دولار في السنة الأولى لترد على ما سماه رئيس مجلس محافظيها كينيث توم لينسون: " أصوات الكراهية"؟! وما أصوات الكراهية في الواقع سوى أصوات أميركية صهيونية عنصرية، تنطلق من رؤية مرضيّة متعالية معلنة ضد العرب والمسلمين، وتقوم باستهداف تام لهم ولثقافتهم ومصالحهم وعقيدتهم الدينية: الإسلام، الذي تتهمه الولايات المتحدة الأميركية "بتفريخ الإرهابيين" وتتهم أتباعه بالإرهاب والكراهية، وغير ذلك مما يحفل به قاموسها البغيض، الذي ينبع من قوة تعميها الغطرسة كما يعميها الادعاء المضحك بتكليف "إلهي" هو أسوأ ما يقدمه عقل مشوش للعالم في القرن الحادي والعشرين، من ادعاءات فارغة من أي مضمون، وعامرة بكذب وعدوان يقومان بالإرهاب والقتل والاحتلال والتدمير والتعذيب وتشويه الوقائع والحقائق، ويتهمان الآخرين بتلك الأعمال؟!‏

واللافت للنظر، أن طرح مشروع الشرق الأوسط الكبير، يتواكب من جديد مع دعوة تجر الصهيونية أوربا إليها، وتجعل ساستها يتسابقون على الندب واتهام الذات في بروكسل تحت ما يسمى " العداء للسامية" مع إعادة تفسير وتصدير لهذا المصطلح، وحشد ثقافي وإعلامي وسياسي خلفه في عملية استنفار بدأها المؤتمر اليهودي في القدس عام 2003 حين خرج على العالم بمقولة: " إن من يعادي إسرائيل يعادي اليهود، ومن ثم يعادي السامية". جاء ذلك من أجل دعم المجرم شارون، والتغطية على ممارساته النازية، وقد أصبح ذلك اليوم نهجاً عاماً يحاولون تصديره من أوربا ضد الوطن العربي والعالم الإسلامي، لأن المقاومة للاحتلال الصهيوني أصبحت، من وجهة نظرهم: معاداة للسامية وفق مقولات آخر مؤتمر عقد في أوربا لهذا الغرض، وتحدث فيه رومانو برودي ممثل الاتحاد الأوربي عن " شكل جديد من العداء للسامية" هو معاداة إسرائيل وتهديدها، ويعني بذلك المقاومة الفلسطينية واللبنانية للاحتلال بكل أشكالها.. وذهب صهيوني فرنسي في مؤتمر مثقفين يهود، هو "مويزي"، إلى أن: "القنابل البشرية الجديدة التي تعتبر من أكثر الأسلحة فتكاً" وعلينا ألا نستغرب مطلقاً اتهام العرب والمسلمين بحيازة أسلحة أشد خطورة من أسلحة الدمار الشامل: النووية والكيمياوية والبيولوجية هي "القنابل البشرية" التي تستوجب استخدام أسلحة الدمار الشامل الأميركية و" الإسرائيلية" لمواجهتها وإقامة توازن استراتيجي معها.. منطق عجيب!!.‏

لم يأخذ أحد من الذين يروجون للشرق الأوسط الكبير و" للشكل الجديد من معاداة السامية" بالمعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني منذ ست وخمسين سنة تحت النفي والاحتلال والإبادة والتشرد، ولا ما عانت وتعاني منها الأمة العربية من استنزاف مستمر جراء العدوان الصهيوني ـ الأميركي المستمر، ولم يفكر أحد بطرح أسباب المحنة والتخلف والعنف في الوطن العربي من زوايا تتعلق بالظلم والاحتلال، والقهر الناتج عن استمرار هذا الوضع والاتجار به حتى سياسياً، ولا بالأسباب التي جعلت نتائج استطلاع الاتحاد الأوربي عام 2003 تشير إلى أن " إسرائيل" هي التي تشكل الخطر الأول على السلام العالمي، وتليها الولايات المتحدة الأميركية.. لم يقل ذلك أحد، ولن يقوله أحد، لأن فن قلب الحقائق، وتحميل الآخرين مسؤولية الكوارث التي يُلحِقُها " أبناءُ الرب وشعبه المختار"!!! بالبشرية يجب أن تقع على " الغوييم " لأنهم يعكرون صفو أبناء الرب باختلافهم عنهم، ويستثيرونهم بذلك الاختلاف إلى الحد الذي يضطرون معه إلى إبادتهم.؟!. فأبناء الرب وشعبه المختار لا يخطئون. وهذا ما يجعل العرب والمسلمين هدفاً الآن وفي المستقبل، لأن "أبناء الرب وشعبه المختار" يريدون هدفاً ويريدون " شريراً" فينسون أنفسهم ويتهمون الآخرين. والدعوة مستمرة ومتصاعدة لتحميل المسلمين والإسلام مسؤولية جرائم شارون وبوش. فالصهيوني "المثقف" غلوكسمان، الذي شارك في مؤتمر للمفكرين اليهود عقد في فرنسا لبحث " عودة ظاهرة العداء للسامية " يدافع بحماسة عن ضرورة قيام العالم الغربي بمعالجة سريعة لما يسميه " موجة العدمية التي أصابت الإسلام". وفي رأيه: "حتى لو أعاد شارون كل المناطق، الضفة الغربية وقطاع غزة، وحتى لو قامت دولة فلسطينية، فالغضب والعدمية الإسلامية لن يزولا". وهي دعوة مستمرة لتسويغ العدوان الصهيوني اليومي على الشعب الفلسطيني، وحشد التدخل الواسع لمصلحة الكيان الصهيوني ضد العرب والمسلمين، وتسويغ احتلال العراق وتدميره، والمضي باتجاه ما ينادي اليمين الأميركي المتطرف ومعه الصهاينة بالقيام به ضمن المخطط الصهيوني الأميركي ضد بلدان أخرى مثل سورية وإيران، في نطاق الاستراتيجية الأميركية الجديدة التي منها الشرق الأوسط الكبير..‏

"وهكذا يجسد اليهودي الشرير نهاية العالم، إلى جانب الاميركي الشرير." ولا معنى عندهم لحقائق على الأرض يأخذ بها بعض الأوربيين، وهي التي كانت وراء نتائج استفتاء الاتحاد الأوربي، الذي أشرنا إليه، وتشارك في تشكّيُل نظرة الكثيرين في أوروبا، وفق رأي بعض المثقفين اليهود الذين يرون: "أن ما حدث في 11 أيلول هو بسبب بوش، لذا فشارون هو مثل هتلر.. الأوروبيون يكرهون اليهود والأميركيين لأنهم يظهرون أقوياء ومتغطرسين ولديهم شعور بالتفوق. وحتى اليوم يعدّ الرئيس بوش ورئيس الحكومة شارون حَمَلَة النبأ السيئ، وقد يتسببان بنهاية العالم." هذا بالنص قول فريق منهم.. وتتساءل اليهودية سوزان نيمان مديرة معهد أينشتاين في برلين: "كيف سيساعد الإسرائيليون اليهود في وقت، رئيس حكومتهم هو الذي أثار العداء للسامية في أنحاء أوربا، وهو المسؤول عن رياح الشر التي تهب فيها خلال السنوات الثلاث الأخيرة". هذا ليس من عندنا هذا من عندهم.. ولا يقولون هذا من أجلنا ولكن من أجلهم، إنه يتم في داخل البيت الصهيوني المغلق، في إطار مصارحة ترمي إلى وضع خطة لقلب الأوضاع رأساً على عقب. إنهم مع شارون في الهدف، ويختلفون معه في الوسيلة أحياناً.." في نظر شارون، هذه هي المرحلة الحاسمة في نشر الصهيونية كما يفهمها هو. ستضم دولة إسرائيل 90 في المئة من الأراضي الواقعة بين البحر المتوسط والأردن. وبالنسبة إلى العشرة في المئة الأخرى، "الله كبير". وبنظرهم لا بد من الحصول على هذا، وعدم التنازل عن أي شيء، ولكن بطريقة تجعل العرب، وليس اليهود، مسؤولين أمام العالم وأمام أنفسهم، عن الأسباب والأثمان والمآسي التي تؤدي إلى هذه النتيجة المطلوبة..‏

وعلينا ألا نستغرب على الإطلاق إذا انعكس الأمر تماماًً، وفق التخطيط القائم، وانطلقت أصوات صاروخية عربية، لتكيل لأمتها التهم وتحملها المسؤولية، من منطلقات مضادة لما قاله اليهود الصهاينة، وذلك حين يصدر التكليف لا سيما بعد المؤتمر الأوربي الأخير الذي تبارى فيه الساسة الأوربيون في الإعلان عن دعم اليهود، وبعد آخر توعد قدمه الرئيس بوش للمقاومة التي يسميها إرهاباً، بأنه يعرف كيف يتغلب عليها من خلال الرد على " أصوات الكراهية"، وبعد آخر طبعة أميركية لمشروع الشرق الأوسط الكبير، وآخر معارضات عربية تتشكل في " الإيباك" لجنة الشؤون الأميركية اليهودية في واشنطن.‏

ويبقى السؤال: ما ذا نعمل لنواجه الاستهداف المتنامي والمشروع الذي يرمي إلى إعادة استعمار وطننا، وتدمير مقومات شخصيتنا، ومصالحنا، ونهب ثرواتنا، ووضعنا تحت الوصاية من جديد لا بد من أن نبدأ بأنفسنا وننظف أيدينا وعقولنا وبيوتنا ومجتمعنا من الفساد والخلل والعملاء، ومن هم أخطر منهم على الوطن والأمة: أولئك الذين لا يعملون ويسوؤهم أن يعمل الآخرون، والذين يحلبون الوطن صباح مساء، ويضعون قيمة ما يحلبون في مصارف الأعداء، ويصبحون رهائن لهم يقدمون لهم الوطن وما فيه ومن فيه. فهل نحن فاعلون قبل فوات الأوان.. والشرق الأوسط الكبير على الأبواب بأعلامه الأميركية وعلاماته الصهيونية. آمل ذلك، وأدعو إلى العمل من أجله.‏

دمشق 20/2/2004‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |