|
ميثاق الجامعة وحلم الوحدة
ما من عربي إلا وحلم بالوحدة وتمنَّاها ورأى فيها خلاصاً للأمة مما هي فيه من تخلف وتبعية وضعف وانتهاك، وما من عربي إلا وصُدِم بعدم تحقُّق هذا الحلم، وبانهيار الشعارات التي رُفعت على طريق تحقيقه، أو بإفراغ تلك الشعارات من مضامينها؛ وما من عربي إلا وأصيب بالإحباط وأصبح قلبه مقبرة للأحلام المجهضة، التي طالما أُغري بها وسار وراء من زينوها لـه ودعوه إلى التضحية من أجل ولادتها ونموها وسيادتها، ولم يتحقق لـه شيء مما وعد به ودعي إليه.
وحين نحصي اليوم مشاريع الوحدة والاتحاد ومجالس التعاون، الثنائية منها والثلاثية، وما زاد على ذلك، حتى شكَّل دعوة عامة إلى الأقطار العربية كلها للدخول فيه من تلك المشاريع، نجد الكثير مما ولد ومات، وولد ولم يمت ولكنه حنِّط منذ الولادة أيضاً، ومما شب عن الطوق فقُتل في شرخ الشباب، ومما ما يزال يزحف بين الحلم والكابوس، ينخره اليأس وانعدام الثقة وأنواع السوس والإحباط الذي رافقه؛ أقول حين نحصي تلك المشاريع نجد أنفسنا أمام حقيقتين كبيرتين:
1 -حقيقة أن الحلم العربي بالوحدة أكبر وأقوى من كل الإحباط الذي رافقه، بدليل استمرار الحلم والتمرد على الإحباط وعدم الاستسلام لليأس منه.
2 -حقيقة أن التجزئة والقطرية، وقوة الجهات العربية والدولية، التي تقاوم الوحدة ولا تجد لها مصلحة فيها، ما زالت أقوى من قدرة الوحدويين على نشر الوجود والقيادة والسيادة، والاستمرار في صيغة عمل وحدوي قائمة وجادة وقوية وفعالة، تقدم الأنموذج القدوة وتغري الآخرين باختياره والإقتداء به والانضمام إليه، أو بتمثُّله والتحقُّق من خلاله.
وحيال هذه المعاناة التي تطحننا بين قطبي السلب والإيجاب اللذين يشكلان رحاها، وحيال الواقع المر الذي نعيشه، والتحديات الكبرى التي تطرح نفسها علينا وآخرها مشروع " الشرق الأوسط الكبير" الذي يهدد القيادة والسيادة والوطن والثقافة والعقيدة لأنه مشروع استعماري يلقى اليوم ترحيب عرب ارتبطوا بالاستعمار الجديد وبمشروع إعادة الاستعمار للمنطقة بأشكال مختلفة: مباشرة وغير مباشرة، وحيال هذا التهديد الجاد الذي يتناول ما تبقى للعرب من صيغ التعاون الهش والتنسيق الضعيف في جامعة تعاني المرض؛ وحيال أهمية الحلم الوحدوي ومشروعيته وضرورته، أو الاتحاد وإمكانية التقدم به نحو وضع عربي أفضل، نجد أنفسنا مسوقين نحو التطلع إلى فعل عربي ما، يؤدي إلى إنجاز يُكتب لـه البقاء على هذه الطريق، التي نرى فيها الخلاص ونجد فيها بداية النهاية لما نحن فيه من تخلُّف وذل وتهافت.
ولما كان الحلم الوحدوي، وسيبقى، أعظم الثوابت المبدئية للأكثرية الساحقة من العرب المغلوبين على أمرهم، وأضخم المشاريع التي يتطلع الوعي الثقافي والسياسي العربي إلى تحقيقه، فإنه لا بد من التأكيد على أمرين رئيسين يستقطبان أشخاصاً وآراء وتنظيمات وأنظمة في هذا المجال، ويشكلان معادلة صعبة في الظرف الراهن لا يمكن مجاوزة وجودها:
الأول: "طوباوية" طرح هذا المشروع الآن كمشروع قابل للتحقيق والتنفيذ، وصعوبة صوغ أي إطار للعمل العربي المشترك ذي تأثير هام، ولاسيما بعد أن أصبح للمشاريع الأميركية أكثر من صوت داخل أي تجمع أو اجتماع عربي.
والثاني: قصور كل رؤية للتقدم العربي والنهوض في أي مجال، والخلاص من أي محنة، لا تضع في اعتبارها حقيقة أن الوطن العربي وحدة مجال حيوي واقتصادي وحضاري تامة وقائمة بذاتها، ولا يمكن تحقيق نهوض لهذا الوطن وحماية لأمنه ومصالحه وشخصيته الحضارية، إلا انطلاقاً من النظر إليه وإلى مستقبله وسبل خلاصه، بوصفه وحدة متكاملة تاريخياً ومستقبلياً، تتضامن أو تتعاون أو تنسق بمسؤولية ووعي..إلخ، فهي وحدة مستهدفة وقادرة على جعل الاستهداف مكلفاً وربما مستحيلاً. كما أنه لن يتحقق لأي قطر من أقطار الوطن العربي، أمنّ أو تنمية شاملة أو تقدمّ أو تحررٌ أو تحرير، من أي نوع أيضاً، بمعزل عن الأقطار الأخرى وتعاونها وقيام خططها ومشاريعها الحيوية على أسس من التكامل فيما بينها، وما عدا ذلك إذا تحقق يكون لمصلحة من يقومون به في تلك الأقطار من غير العرب؛ وأنه لا يستطيع أن يتصدى لاحتياجات المستقبل وتحدياته: مثل متطلبات مواجهة الاحتلال المباشر وغير المباشر، ومحاولات إلحاق الوطن بقوى كبرى إلحاقاً يخل بسيادته ووجوده، ومواجهة حقائق التغيير ومعطياته وضروراته، والتنمية البشرية والإنسانية وشروطها، والانفجار السكاني، والأمن الغذائي والاقتصادي والعسكري والثقافي، ودخول العصر بامتلاك العلم والمال والتقانة وأدوات التقدم، والتعامل مع معطى العولمة سلباً أو إيجاباً – إلا بالاعتماد على الثروة والطاقة بمعناهما الشامل، تينك اللتين يضيعهما العرب في الأوقات كلها ويملكهما العرب في الأقطار كلها: من مساحات الأراضي الخصبة في السودان، إلى الثروات الطبيعية، نفطية وغير نفطية، في دول الخليج والعراق وبعض دول المغرب، إلى الكتلة السكانية الغنية بالخبرات والقدرات الإبداعية في مصر، والخبرة التاريخية في شؤون كثيرة في بلاد الشام ذات الرصيد الكبير، في مجال الوعي والعمل القوميين، إلى رؤوس الأموال والخبرة والصلات الدولية التي يمتلكها عرب من جميع الأقطار، وتملكها أقطار عربية من محيط الوطن إلى خليجه، ولا تُستثمر في أرض العرب ولا تُودع فيها، بسبب توطُّن الخوف وعراقة جذوره في هذه الأرض وبين أهلها، ولانعدام الثقة بين الأنظمة والأنظمة، الحكام والحكام، وبين الناس والأنظمة والناس والناس، وغياب النظام الذي يشجع على الاستثمار وإشاعة الإعمار، بعقل مفتوح وثقة قوية بالناس، ولاضمحلال الاستقرار الذي ينعش الآمال والطموحات والمشاريع والاستثمار والمؤسسات ويفجر طاقة العطاء والقدرة على الأداء والابتكار والاختراع والإبداع؛ تلك الأموال التي يسيطر عليها الغرب، ويستثمرها ويستنزفها ويستقوي علينا بها، ويحبسها عنَّا عندما يريد، ويبتز منها كل ما يستطيع ابتزازه بوسائل مختلفة، وما يستتبع هجرتها من فقر وهجرة عقول.
وتأسيساً على أن الحلم الوحدوي الذي يجري الحديث عنه في أحيان كثيرة بصيغ مختلفة يدفع باتجاه صيغ من مثل: مشروع الاتحاد العربي بوصفه خطوة على طريق الوحدة، أو "المشروع الحضاري العربي" للتعبير عن مشروعية ذلك الحلم وأهميته وضرورته وإمكانية تحقُّقه، ومشروع تطوير الجامعة العربية وميثاقها وهيكليتها، لتصبح فعالة في الحدود الدنيا الملبية لتطلعات العرب ومتطلبات المرحلة الحالية من واقعهم.. أقول تأسيساً على أن ذلك الحلم هو أساسٌ راسخ في الوجدان الجمعي العربي، واختيارٌ تاريخي للجماهير لم تستطع الأنظمة القطرية المجاهرَة بالتنكر لـه أو رفضه، وإن تجرأ في هذا الزمن أشخاص على مجرد التفكير به، وتأسيساً أيضاً على أنه يتمتع بمرتسمات واقعية، تَعِدُ بتحقيق الكثير مما تطمح الأمة إلى تحقيقه؛ فإن ذلك الحلم المشروع سيبقى على رأس الثوابت القومية، ومركز إستراتيجيات التفكير والتنظير وبعض التدبير لكثيرين في وطن العرب، وقطب الرحى لسياسات كثيرة تعمل على الوصول إلى السلطة في أقطار الوطن العربي، ولمنظمات شعبية ونقابات مهنية وتنظيمات حزبية وقومية أكثر، تعمل على تحسين الأداء في مجالات الحياة كلها.
ولكن التسليم بمشروعية ذلك الحلم وبتسنُّمه الأماني والأهداف الكبرى للنضال العربي شيء والعمل الجاد على تحقيقه في أرض الواقع، أو السير على طريق ذلك التحقيق، شيء آخر. ولكن يبدو أننا لا في هذا ولا في ذاك، ونبحث عن أيّ روابط تشير بإيجابية ما إلى علاقات عربية ـ عربية ثابتة وواعدة وقادرة على تغيير شيء، أو الوقوف في وجه من يريد أن يغير كل شيء في حياتنا، ويلحقنا به بوصفنا أدنى من قاصرين وأكثر من ضعفاء ومتهالكين.
وفي ظل هذا الوضع المقلق والمناخ الكئيب، يعتصم المعتصمون بالجامعة بوصفها كياناً ثبت كل هذه السنين، ويستهدف ليتم تدميره، وإنشاء كيان آخر في مكانه بعد كل هذه السنين.. كيان يشارك الصهيوني المحتل، والأميركي الغازي، والعربي المرتبط بهما في صنعه.. في ظل هذا الوضع يعتصم المعتصمون بالجامعة العربية، لأنه عند الضرورات يتقوقع القنفذ في جلده ويحتمي بالصمت والظلام، ويترك عواصف الصحراء ورعودها تمر وكأنه لا يسمع ولا يرى.. إذا كان عاجزاً عن فعل شيء أو حتى عن الظهور.
لم تستطع الجامعة العربية، بوضعها الحالي، أن تقوم بعمل منقذ، ولا تستطيع أن تشكل في ظل عصر التحديات والتكتلات الجماعية الكبرى هذا موقعاً وموقفاً يعول عليهما كثيراً فهي نتاج وضع دولي عربي متنافر ومعتمد على الأجنبي بدرجة كبيرة ومهلكة للأمة. وربما كان هذا مفهوماً وواضحاً بدرجة كبيرة لكثيرين بعد كل تلك التجارب المرة، بسبب قطرية لا تمنحها القوة، وقرارات عربية لا يتحقق لها التنفيذ الدقيق، لأنها تتخذ في برزخ يمتد بين الوجه والقناع.. بين الصدق والادعاء.
وربما بهدف الخروج من هذا المأزق، أو رغبة في الوصول إلى حال عربي أفضل، يوفق بين الواقع البائس القائم والحلم العتيد العنيد، عمدت بعض أطراف مؤسسة الجامعة إلى تقديم مشاريع لتطوير الجامعة وتعديل ميثاقها وإعادة النظر بهيكليتها، وقد وصف الأمين العام هذا الوضع الأخير: بمطر المبادرات.
ومن مشاريع التعديل والتطوير. ما أدرج على جدول أعمال اجتماع وزراء الخارجية العرب الأخير في القاهرة، تمهيداً لقمة تونس في نهاية شهر آذار 2004 حيث دعانا رئيس الاجتماع الوزير محمد بن عيسى إلى التفاؤل حين قال:«إننا نرفع الستار مع مستقبل جديد يؤمن لنا رؤية جديدة لطريقنا وسوف يتم التعبير عنه بصفة نهائية خلال الفترة المقبلة»، وحين أعلن أن «الوزراء قرروا دعم الجامعة العربية وتأمين الموارد المالية اللازمة لكي يتمكن عمرو موسى من تأدية أمانته كاملة، والاستجابة لجميع المقررات التي يعتمدها الوزراء والقمم المختلفة». وأنهم « خرجوا بتصور عملي تضمنته وثيقة، هي وثيقة العهد التي ستعرض على قمة تونس وسيتم نشرها بعد أن يصادق عليها القادة العرب».
وهي الوثيقة التي تقدمت بها مصر والسعودية وسورية وتمت "إضافة بعض النصوص إليها بعد الاستماع إلى مناقشات الدول العربية، وأن من أبرز ملامحها مسألة التنفيذ والالتزام بالقرارات، ودعم التعاون الاقتصادي، والبدء في تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه بالنسبة للقضايا المتفق عليها، وترك نقاط الخلاف لحين معالجتها، خاصة بالنسبة لمجلس الأمن العربي، والبرلمان ومحكمة العدل العربية.".
لقد سبق هذا المشروع مشاريع عدة لتعديل ميثاق الجامعة منها: مشروع يمني يبشر بالاتحاد ويلغي الجامعة بعد عام، ومشروع أردني وآخر مصري، ولكن أقدمها مما أدرج على جدول أعمال قمة عربية بقرار قمة عربية ولم يناقش، هو مشروع الاتحاد العربي الذي تقدمت به الجماهيرية، واتخذ بشأنه في القمة العربية بالقاهرة /21-23/ تموز يوليو 1996/ حيث نص القرار رقم 3 على ما يلي:
" إحالة اقتراح الجماهيرية العربية الليبية الخاص بمشروع الاتحاد العربي إلى مجلس الجامعة العربية لدراسته وعرضه على مؤتمر القمة القادم . ".
وهو مشروع يرمي إلى تطوير ميثاق الجامعة ويختار عنوان: الاتحاد العربي بدلاً من الوحدة، لأنه يبني على أرضية الماضي القريب، ويأخذ بالاعتبار: "ما أبانت عنه تجارب متعددة خاضتها الأمة العربية في تاريخها الحديث، وما تقتضيه الظروف، من سعي دؤوب لبلوغ الهدف المتوخى عن طريق التدرج والبدء بالحد الأدنى، وإدراكاً بأن أقوَم سبيل إلى ذلك يتمثل في إقامة اتحاد بين الأقطار العربية، يؤمن الحفاظ على خصوصيتها الذاتية، ويحقق جميع الإمكانيات العربية الاستراتيجية لمعالجة قضاياها المصيرية، واعتباراً لكون هذا الاتحاد يشكل منطلقاً تاريخياً في سبيل تحقيق وحدة الأمة العربية... " ليصل إلى صيغ عمل أفضل في ظل جامعة أكثر قدرة على الحركة، وعلى اتخاذ قرارات ملزمة ولو نسبياً، وتكون قادرة على التدخل الحاسم لفض المنازعات العربية، وتقديم حلول للمشكلات العويصة التي تعرِض للعمل العربي المشترك، أو للعلاقات العربية -العربية، والخلافات التي تنشأ بين الأقطار والأنظمة والحكام .
ولكن المشروع الذي ولد بعد جهد ودراسات ومشاورات، هو في أحسن الأحوال صيغة مطورة لميثاق الجامعة الذي يشكو من عرج مزمن، وهو يراعي حالات عربية قائمة: منها القطرية المستفحلة –المستعصية على الحل، ويؤمن حضوراً للنزوع الفردي والسلطوي لدى الحكام العرب، فيبقيهم في إطار السيادة والقيادة يتناوبون على الرئاسة، ويحفظون مالهم من خصوصيات وميزات، وما لأقطارهم من مصالح وما لبلدانهم من اتفاقيات، ولو كان ذلك يتعارض مع المصلحة العربية العليا وقضايا الجماهير الملحة وحقوقها وحرياتها المنتهكة، وامتداد حلمها التاريخي في الاتجاهين: الماضي والمستقبل.
وأسجل فيما يلي بعض الملاحظات التي أرى أنها ضرورية ومما يمكن الأخذ به:
1- النص على حماية حريات المواطن العربي وحقوقه، بعد أن تم إقرار ميثاق حقوق الإنسان العربي مبدئياً. وتحقيق سهولة تنقل الأفراد وعملهم وإقامتهم في الأقطار العربية، واعتماد البطاقة الشخصية "الهوية" أو جواز السفر للتنقل، ولكن من دون اشتراط حصول العربي على تأشيرة للدخول إلى أي بلد عربي. وهو أمر في مجمله إنساني وهام وعاجل وضروري، في كل صيغ العمل العربي: الوحدوية، أو الاتحادية أو التضامنية أو التعاونية، التي يمكن أن تقربنا من الوحدة، أو تبقينا بعيدين عنها.
2- النص على إنشاء مجلس أمة " برلمان" عربي يتولى التشريع، ويأخذ التمثيل السكاني بالاعتبار، ولا يقوم على أساس أن لكل دولة عربية عدداً متساوياً من الممثلين، لأن في عدم الأخذ بذلك تجاوزاً على حقائق صارخة تتعلق بالديمقراطية واعتياد ممارستها والخضوع لقراراتها، وشمول التمثيل وعدالته، وتحقيق حضور جماهيري متوازن في المجال التشريعي، الذي يتصل بالإعداد لمستقبل الأمة. وهناك وجود لمؤسسة القمة صاحبة القرار، وفيها لكل قطر صوت بالتساوي التام.
3- إنشاء محكمة عدل عربية واللجوء إليها لحل الخلافات، وعدم اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، إلا بعد إخفاق المحكمة باتخاذ قرار وموافقة القمة على إحالة موضوع عربي إلى جهة دولية. وعدم إجازة التدخل الأجنبي لحل شأن عربي، واستعداء الأجنبي على العربي باستعمال حق السيادة تعسفياً. وهذا يستدعي مناقشة موضوع السيادة القطرية، وحدوده في علاقته بسيادة الأمة ومصالحها. أين تقف سيادة القطر لتبدأ حدود سيادة الأمة. وأين المسؤولية القومية حيال ما قد يجري في قطر عربي ما خلافاً للدستور والقوانين وميثاق الاتحاد وحقوق الإنسان؟! هل السيادة القطرية على المستوى ذاته من الأهمية والاستقلالية والتعبير عن الذات السيادية بين أعضاء الاتحاد، وبينهم وبين المؤسسة القومية، وبين كل منهم، وأية دولة غير عضو فيها ؟! وفي ظل وجود مؤشرات تدل على أن السيادة تامة، ومحكمة العدل العربية لا تحول دون احتكام العضو لمحكمة العدل الدولية، إذا ما رغب العضو في ذلك، فما الذي يبقى من الالتزام حيال الجامعة التي تمثل الأمة على نحو ما والمصلحة العربية العليا؟!؟ إن حرمان الأعضاء من معطى السيادة التامة يجعلهم يرفضون الانضمام إلى الاتحاد، وحرمان المؤسسة أو الأمة من سيادة تضع العام فوق الخاص، والكليَّ فوق الجزئي لا يبقى من الجامعة أو الاتحاد أو.. إلا صيغة ورقية أو شبه ورقية. فكيف السبيل إلى مخرج ملائم في الأوضاع العربية الراهنة ؟!
4- أن يقوم مجلس استشاري ذو صلاحيات وتأثير وحضور في ساحة القرار العربي ضمن مؤسسة الجامعة، يتكون من ممثلين للمنظمات القومية والنقابات المهنية العربية والجامعات والشخصيات ذات الخبرة والرأي والمكانة في الوطن العربي، ويكون لهذا المجلس دوره الاستشاري ومهامه، ويقدم الرأي والمقترح والصوت، ومشروع القرار في كل ما من شأنه تجسيد المصلحة العربية العليا، مصلحة الجماهير، وتحويل الأهداف والتطلعات والقرارات والتوجهات، إلى إرادة مجسدة على الأرض في مؤسسات وقطاعات بشرية مؤثرة، وفعل ناجز فيها وبرامج عمل، من خلال اختيار أنسب الصيغ وأكثرها واقعية، وأقدرها على التحقق في أرض الواقع، لأن أطر المنظمات والنقابات القومية توفر المعرفة الدقيقة بالأوضاع من جهة، والالتزام التطوعي بتبني القرار وتنفيذه والدفاع عنه وحمايته وتسويقه من جهة أخرى.
وهذا المجلس يمكن أن يكون استشارياً مؤثراً، ومهنياً فاعلاً، وإحدى صيغ العمل العربي الديمقراطي المؤثر في صنع القرار، وتكوين صورة المستقبل، لأن لـه امتداداً ديمقراطياً في كل الوطن العربي من خلال المنظمات والنقابات القطرية، التي تشكل انتشار الشرايين والأوردة والشعيرات الدموية في الجسم العربي الواحد.
وحين يتكامل مجلسان، شعبي ومهني، يمثلان الناس والمصالح والرأي والرؤية، ويعبران ديمقراطياً عن الرأي الناضج والكثافة الجماهيرية والمصلحة العربية العليا.. حين يتكاملان مع مجلس الجامعة، ومؤسسة القمة اللذين يمثلان الوجه الرسمي للدول والشعب بصوت واحد لكل دولة وأصوات متساوية لكل كتلة بشرية، فإن قدراً من التوازن لا يمكن إغفاله يدخل إلى الساحة بتأثير قوي، وشيئاً من الإلزام والالتزام يتجليان في العمل العربي، وشيئاً من الإحساس بالحضور والمشاركة والارتياح يتوفران للناس، وهذا ما لا يمكن القفز فوقه أو تجاهل أهميته وتأثيره. وهناك قضايا أخرى وتفصيلات يمكن التوسع فيها ولكن في غير هذا المقام إن شاء الله.
دمشق 5/3/2004
|