|
القصة والحداثة.. الدم والحدث
لم أشأ أن أتحدث عن هموم فن القص وشؤونه وشجونه، ولا عن الإقبال على فرع من فروعه: الرواية، أكثر من الإقبال على فرع آخر: القصة، ولا عن معاناة المبدعين من النقاد في هذا المجال، ومعاناة النقاد من حساسية المبدعين… فذلك أمر سوف يستمر –فيما أقدِّر- ما استمر الإبداع والسرد والنقد.. ولكل من الإبداع والسرد والنقد قيمة وتاريخ وأهمية وضرورة.. وقد استشعرت تلك الضرورة وأنا تحت كابوس المعاناة يوم محنة غزة في أبنائها.. وغزة، شأنها شأن مدن فلسطين وقراها، تعيش المحنة والامتحان بعلو هامة وهمة.. بصبر الرجال وتصميم المجاهدين الصامدين المصممين على المقاومة، غير عابئة بوزير هنا وآخر هناك يقول: " إن الخطر الأكبر على الأمن الإقليمي والدولي، في بداية هذا القرن، هو الإرهاب الجهادي المدمر بإيديولوجيته التوتاليتارية" وأن الشرقين الأدنى والأوسط هما بؤرة هذا الإرهاب." . ويجبن عن الإشارة إلى الإرهاب الأميركي الصهيوني، المتجدد يومياً في اقتلاع الناس من جذورها، وفي القتل والتدمير والاحتلال والتنكر، لحق العودة الفلسطيني المقدس.. لم يجرؤ لأنه يخاف من تهمة معاداة السامية التي قد تلاحقه.. ولكنه لا يخاف مطلقاً من تشويه الحقيقة، ومعاناة الشعب الفلسطيني ودمه المهراق، ويتنكر لحق عرب ومسلمين في الدفاع عن أنفسهم وأوطانهم ومقدساتهم وثقافتهم وعقيدتهم وأطفالهم الذين يذبحون.!؟
لقد آذاني حصد أرواح الأبرياء في غزة، والتدمير المستمر لمقومات أمنهم واستقرارهم وحياتهم، من جانب الصهاينة الذين يفتح لهم بعض العرب قلوبهم وصدورهم وعواصمهم، فيدخلونها وهم يدوسون الدم البريء والكرامة معاً؟! ويشاركهم بعض العرب في تدمير الذات العربية والحق العربي، ويتاجرون معهم ويتجسسون على أبناء جلدتهم في مراكز أبحاث سيكون لها باع في قمع العرب الغيورين على عروبتهم ودينهم. يفعلون ذلك كي يصبحوا " حضاريين" بنظر أكثر البشر همجية ووحشية، ممن يملكون قوة ولا يملكون ضميراً.. وممن يشوهون تاريخ الآخرين ولا يملكون تاريخاً مشرفاً.. يفعل عرب من العرب ذلك بنشاط لمصلحة عدوهم التاريخي، وسوف يفوزون بتصنيف جيد في جداولـه، ويكسبون نقوداً منه، ويحظون بدعم يبقيهم في مراكزهم، ويقوي تلك المراكز.. ولكنهم سيخسرون في نظر تاريخهم، وأبناء أمتهم والبشرية الحريصة على معيار نظيف.
آذاني ما يحدث في غزة.. لا حقني وحاصرني وأدماني.. وملت إلى استخدام السرد لعل في ذلك ما يجعل المعاناة تصل إلى القلوب، وتؤثر في الضمائر والعقول.. ولكن أحداث غزة، وأحداث الضفة، وبرنامج الإبادة سلسلة متصلة تتداخل حلقاتها لتجرك إلى عشرات من سنين خلت، ولتضعك وذاكرتك في مواجهة المآسي الممتدة من قرية الدوايمة ودير ياسن وكفر قاسم.. من اللد والرملة.. إلى صبرا وشاتيلا وقانا وأخواتها.. دم يزكي الدم، وزيت بشري يغذي فتيل القضية في ليل مديد.. وجعلني ذلك كله أستعيد رسالة حمّلتها من أطفال فلسطين الذين رافقت مأساة تهجيرهم الأول عام 1948 إلى فارس عودة الطفل الذي دافع عن بيته وشارعه وحارته بالحجر ضد الدبابة، فسحقه الذين يقدمون أنفسهم للناس: "أخلاقيين وحضاريين" هو والحجر الذي رماه على آلة الحرب الصهيونية ـ الأميركية التي تحصد البراءة، وتدعي الدفاع عن الحقوق؟!
تحت سمع العرب وبصرهم وقع كل ذلك ويقع، ولا أقول تحت سمع العالم وبصره لأن العالم لا يكاد يصله من معاناتنا شيء.. ربما بفضل موضوعية الإعلام العالمي، وحق الرأي العام في الغرب على الخصوص، في أن يطلع على الحقائق ويعرف ما الذي يجري وما الذي يقوم به حكامه المكلفون برسائل " إلهية وحضارية..! المعرفة حق للإنسان، والمعرفة واجب وسائل الإعلام الموضوعية التي تهتم بالمصداقية وبتعريف الرأي العام بكل ما يجري.. ولكن من يصدق هذه الشعارات التي سبقها قتل القانون الدولي ذاته على عتبات الأمم المتحدة ومجلس أمنها؟!
رأيت أن أنقل الرسالة التي حمِّلتها بأسلوب السرد لعلها تنال بعض الاهتمام والعناية، لا لتثبت قدرة ما في مجال السرد والقص.
ـ 2 ـ
نعم.. خطر لي أن "أبيع المية في حارة السقايين" فأقص عليكم شيئاً.. ولم لا.. القص من حيث المبدأ تعرفه جدتي، وهو في بساطته وبساطتها حكاية مسلية تحمل فكرة وعبرة.. قد لا يكون في سردها أسلوب بلاغي ولا فذلكة فنية، ولكن سردها بالذات يحمل حرارة القلب ودفء اللسان وشيئاً لا بأس به من الخيال والتخييل والعظة، إن لم نقل الحكمة. أنا لم أعرف جدتي.. لم يتح لي أن أقول: هذا جدي وهذه جدتي.. تلك ظروف خاصة.. ولكن أمي حكت عن أمها وعمَّن سمعتهم ممن هم في موقع أمها.. فكان لي من حكايات جدتي نصيب.. وأنا لم أُضِع جدتّي وجدي فقط.. بل أضعت أمي في سن مبكرة.. وأضعت أبي من بعد.. ولكن الصدق يقتضي أن أشير إلى أنني تعلمت منه ومن حكاياته الكثير.. ونقل إليّ صورة ما لجدي القاص الذي لم يعرف القراءة والكتابة، ومن ثم لم يعرف البلاغة وأسلوب السرد القصصي والدلالات بأنواعها، والقصة الومضة.. والحداثة والتحديث والتطوير والشرق الأوسط الكبير..إلخ.
قصتي التي أقدمها لكم اليوم، لا تتصل بشيء جربته أو قرأته.. وإنما بشيء استولى على روحي وذاكرتي ومشاعري.. فغدوت أسيراً في قلعته على نحو ما.. وأصبح هو جلجلتي، والسوط الذي يمزق لحمي على طريق الصعود إليها.. والصليب المعد لي ناري وليس خشبياً.
المسمار الأول في كفي اليمنى كان سفر يشوع، وترتيلة انتقلت من التاريخ الأسود إلى القداسة على نحو غريب، فانغرست في قلوب مؤمنة. أما المسمار الثاني في اليسرى فقد كان المزمور الأول لداود صاحب الحجر والمقلاع والساعد المفتول، أما المسمار الثالث في مشط القدم اليمنى فكانت أناشيد التروبادور اليهودي التي غزت عقولاً عربية فأخذت طريقها إلى الأيديولوجيا والتنظيم.
وحين بدأ دق المسمار الرابع في مشط الرجل الأخرى كانت مطارق الدول الكبرى تدقه بقوة عظمة جيوشها المنتصرة في الحرب العالمية الثانية ليخترق الأمم الضعيفة من خلال جسدي الضعيف.
كنت مصلوباً يرشح الدم من ثقوب جسدي ومن جراح السياط التي شرّطت جلدي.. ولكنني لم أمت.. كان العذاب هو نصيبي..
وجاء مسمار الرحمة بأيدي إخوتي وأبناء عمومتي وأهلي الأقربين والأبعدين.. كان موقع ذاك المسمار القلب، فطوى عجزُهم عن انقاذي قدرتي على الإحساس بالألم.. ووضع انحسارُ تفكيرهم بمعنى أن أصلب، وقيمة أن أموت حداً لحياتي على جبل المكبر في القدس، وجبال النار على مشارف الأردن وجنين ومخيمها، وغزة وقراها، ورام الله وسجناها، وجبل الشيخ في الجولان.
أنا لا أروي لكم حكاية سمعتها.. أنا أغرقت بالموت فمت.. ثم شعرت في غب الموت أنني حي على نحو ما..
أبصر.. وأشعر.. وأتحرك.. وأجمع بعض دلالات الأمور من دمي المنثور سطوراً وعبراً وعبيرا في دروبي، ودروب سواي من الآتين على طريقي. لا أؤمن بالتقمص.. ولا آخذ على المؤمنين به شيئاً من إيمانهم.. ولكنني وجدت نفسي أخيراً مقتولاً ثلاث مرات في فلسطين.. ووجدت جدتي التي لا أعرفها تحضنني في كل مقتل لي.. وتروي قصتي للناس. وأنا بين ذراعيها ميت.. أسمع صوتها.. وأستشعر وقع حكايتها على الذين يستمعون إليها.. إذ كان هناك بكاء ودموع.. وزغاريد.. وكانت هناك صلوات وصرخات.. وكانت هناك قبضات تقرع الباب الذي دخلت منه إلى الآخرة.. ترافقها زغاريد وأناشيد وصلوات وزخات رصاص ودوي انفجارات.
في موتي الأول كان اسمي محمد.. صبي تجاوز العاشرة من العمر.. حصد الرصاص أعضاء جسدي.. وارتميت جثة بين أيدي أبي الذي حرص على أن يموت بعدي لكي يبكي علي. كان يعمل في ناتانيا.. يدهن بيوت اليهود ويعود بأجر يزيد عدة أضعاف على أجر الشرطي في غزة.. الذي كانت وظيفته حلماً فيها، وراتبه أفضل من الفقر والجوع.. وهو في الأحوال جميعاً يتقاضى في الدنيا أكثر من أجر المقاوم الذي أجره على الله.
لقد صلبني الرصاص اليهودي كما صلب أبي على جدار.. وللمرة الأولى سمع العالم أن صبياً مات مصلوباً بالرصاص اليهودي.. مع والده الذي يحتضنه وهما مصلوبان على جدار. لم يستطع العالم احتمال الصورة.. ولم يستطع الذين قتلوني إنكار قتلي.. بعضهم قال كما قال في المسيح: "دمه علينا وعلى أبنائنا من بعدنا "، وبعضهم فعل كما فعل من جاء بعد صلب المسيح.. وضع على صورة لي فوق الرأس تماماً طاقية يهودية صغيرة وأعاد بث الثواني النارية على الشاشات ليقول للعالم: رصاص الفلسطينيين يحصد صبياً يهودياً بريئاً يموت في حضن رجل من العرب كان يعمل عندنا.؟!
وصدق كثير من الناس البسطاء هذه الرواية.. وبرؤوا اليهود من دمي كما بُرئ اليهود من دم المسيح.. ونسي الحادث ثم بجِّل القاتل.؟!
في العالم الآخر وجدت نفسي صبياً شقياً مشدوداً إلى الحجارة والماء والرصاص.. لم يكن هناك شيء مما أريد أن أكونه.. فتسللت على جناح الحلم إلى غزة.. وحتى لا يعرفني من يعرف أنني الشهيد الذي غزت صورته العالم.. فرحت في أن تكون لي صورة الصبي المقاتل بحجر أو سكين.. وما إن خطرت لي هذه الفكرة حتى عادت صورة الرصاص الذي حصدني تسيطر على خيالي وتملأ قلبي بالذعر.. كان مشهداً قاسياً على طفل يحتمي بوالده أن يحصده الرصاص، ولا تُترك لـه فرصة أن يشعر أن الوالد يمكن أن يحمي.. أن ينقذ أعز الناس عليه.. لقد هدّني عجز الوالد عن إنقاذ ولده، وعجز الأمة عن رؤية أبنائها يذبحون، أكثر مما هدني وقهرني الرصاص الذي انهال عليّ.. فلم أرد أن أعود إلى الحضور ذاته.. وفكرت في أن أكون شيخاً أو امرأة.. وتذكرت أنهم يقتلون الشيوخ والنساء أيضاً.
اخترت أن أكون في جلد طفلة صغيرة عمرها سنة أو سنتان لا أكثر.. وكانت إيمان طفلة لا تمشي.. ولا تلتقط الحجارة.. ولا تفكر بالخروج إلى الشوارع للاحتجاج على فظائع اليهود. قلت هذه فكرة جيدة: أبقى في حضن أمي أو قربها.. أبكي.. استمع إلى الأصوات.. وأرى صوراً من الواقع.. قد تترابط في خيط ما في زمن ما قادم علي. وفي هجمة ظلام ونار وقهر.. انهال علي الرصاص.. وصلبني اليهود مرة أخرى في حضن أمي.. وعلى رمال الشاطئ وفي القدس وكنيسة القيامة وفي فضاء فلسطين.
شَخَصت عيناي وهما تتنقلان بين الفضاء والوجوه، سقطت دموع على خدي.. أردت أن أقول شيئاً.. ولكنني لا أعرف الكلام.. لم أعرف حتى ما الذي أردت أن أقولـه لو تكلمت.. لقد اندفع الألم والدم والقهر فجرفني تيار الموت بقوة.. وعدت إلى الآخرة عبر دهليز الطفولة الذي لا أعرف من تفاصيله شيئاً.
الطفلة إيمان لم تنس الدموع التي غمرت خدها وهي تلفظ أنفاسها.. بقي شيء يشدها إلى تلك اللحظات التي جمعت بين الحقد الأعمى الذي جلب الموت والشقاء.. والحب الأوفى الذي غمر وجهها بالدموع، على الرغم من أنها لم تقدم للذين أحبوها شيئاً..
عانيت من مصير إيمان.. واشتقت إلى فضاء الأرض التي مت فيها مرتين.. وسيطرت على فكرة أن يكون لي حضور هناك.. وفزعت من المصير الذي ينتظرني. وحين غلبتني الرغبة فكرت في أن أكون رضيعاً لا يخرجونه من البيت أو حتى من السرير.. أعيش في ذلك الفضاء العزيز علي.. وهكذا كان، ولم أدقق في أن أختار كوني أنثى أو ذكراً.. فحالة الرضيع أكثر أماناً وتمويهاً.
في الشهر الثالث من عمري أخرجني والدي ووالدتي من البيت.. كان أهلي وأقاربي في السيارة.. وكان الليل يغمر الفضاء كله من حولنا والطريق معتمة.. لم أكن أدرك معنى اختلاف الليل والنهار، ولا أميز بين الليل والنهار..
فجأة لاحقنا رصاص وتفجر زجاج ودم.. ثم صلبت في حضن أمي وصلب أبي إلى جانبي.. وسمّرنا رصاص اليهود إلى مقعد السيارة.
كان الدم يغرق المكان الضيق، وأنا لا أشعر بالألم ولا بالخوف.. ولكنني غبت عن كل معنى للوجود.
للمرة الثالثة يصلبني اليهود بالرصاص.. ولملايين المرات يصلبون الناس ويعذبونهم، على الأقل منذ المسيح إلى ذياب طميزة الرضيع ابن الأشهر الثلاثة الذي كنته فما الذي أفعل؟! في كل مرة كنت أقتل وكان يقتل معي الذي يفترض فيه أن يحميني: أمي أو أبي.. أمتي أو وطني..
لم تعد لي رغبة في شيء.. ولم أجد أمي لأقص عليها ما جرى لي وما يعتمل في نفسي.. أما جدتي أو جدي فلم أعرفهما أصلاً كما أسلفت.
شعرت أن العالم خواء من حولي.. وأنني لا أستطيع أن أحتمل هذا الخواء.. وأن شيئاً ما يجب أن يتغير.. وشيئاً ما في الحياة التي يعيشها الناس يجب أن يحدث.
ليست لي قدرة على تغيير الناس، ولا قدرة على سرد قصتي، أو تصوير ما يعتمل في نفسي، وأشعر أن القهر والألم والبكاء وبرك الدم.. كل ذلك يخنقني.. وليس لي قدرة حتى على الشهيق والزفير.
قلت في نفسي: ما أروع أن يكون هناك إنسان صادق قادر نظيف.. حساس.. عادل.. يستطيع أن ينقل معاناتي ومعاناة أمثالي إلى الآخرين… وأن يسرد قصتي بأمانة.. وأن يوظف كلماته لخدمة قضيتي.. وأن يغمس قلمه في دمي.. أن يفعل ذلك من أجل الحق والعدالة وراحة الإنسان وأمنه وكرامته، في حياة يبدو أنها جميلة ومن الممكن أن تكون سعيدة.
ولأنه ليس لي جد وجدة يحكي أي منهما حكايتي، ولأن أمي وأبي استشهدا.. ولأن روحي قلقة.. ولأن العالم يعنيني.. قررت أن أجيء إلى ملتقى القص،والسرد والرواية، وأن أذرف دمعة، وأتمتم بكلمة، وأفتح جراحي ليأخذ منها القادرون على السرد بفن، والقص بهدف، والكتابة لغاية نبيلة .. أن يأخذوا ما يشاؤون.. ويروونها كما يشتهون، فأنا ابن قضية عادلة.. وأمة مظلومة.. قد يكون اسمي محمد الدرة أو إيمان حجو.. أو ضياء طميزة.. أو فارس عودة.. ولكنني طفل أو طفلة من فلسطين ومن بني البشر يستحق الحياة ويتعلق بها وبكرامة فيها.
أيها الكرام
لعلني أوصلت رسالة حملتها أو حُمِلّتُها إليكم.. بعيداً عن القصة والحداثة وانغماساً في الدم والحدث.
دمشق 13/3/2004
|