|
نتمنى أن تصل الحقيقة إلى المكتب البيضاوي
بمناسبة مرور سنة على غزو العراق وتدميره واحتلاله، وفي خطاب الرئيس الأمريكي، الذي ألقاه أمام عسكريين أميركيين في فورت كامبل (ولاية كنتاكي) وجهه لعناصر من الفرقة 101 الأميركية، التي ساهمت في الحرب والاحتلال، رأى الرئيس الأميركي جورج بوش: أن "العالم في حال أفضل، وأن الشعب الأميركي أكثر أمنا".. وأضاف: ".. ولأن أميركا وحلفاءها تحركوا فإن العالم كله يشهد حالياً ديموقراطية تبزغ في قلب الشرق الأوسط. وأن ما يشهده العراق من تغييرات تاريخية يبعث برسالة إلى كل المنطقة من دمشق إلى طهران بأن الحرية هي مستقبل كل دولة".
ولا ندري إلى متى يستمر هذا الرئيس، " عراب الحرية !" في تجريع العالم عامة، والأميركيين خاصة، غصص الألم والموت، وتزويد الناس بأوهام وأكاذيب يقدمها لـه عنصريون معادون للشعوب، ومهووسون بالسيطرة على العالم، فيجعلونه ينطلق بهوس أشد مشوب بوهم تكليف " الرب لـه" برسالة تاريخية!. وإلى متى يستمر تقديم الوضع في العراق على أنه النعيم المقيم وواحة الأمن والحرية والديموقراطية؟! بينما ينتشر الموت والدمار والفوضى، في بلد لم يُبْقِ الأميركيون والصهاينة لشعبه حرية النوم، وانتهكوا حرماته وتراثه وتقاليده ومستقبله كله، على أيدي القوة الأميركية المحتلة وصنائعها وأدواتها وعملائها؟!
لا يريد الرئيس الأميركي أن يرى الواقع، ولا يصل إليه منه إلا ما يشاء المحيطون به، أو ما يشاء هو أن يسمعه من نعيم وانتصارات..إلخ، بينما الوضع على غير ما يصف تماماً، ويصفه ديبلوماسي - أوروبي وليس نحن- بقولـه:" إن الوضع في الشرق الأوسط قد خرج عن السيطرة, فالسياسة الأميركية قد أخفقت, والأوروبيون لم يطرحوا بديلاً, والمنطقة تنزلق نحو وضع فوضوي كارثي".
لا يكتفي الرئيس بما حققه من "إنجازات باهرة" في العراق وأفغانستان، ولا فيما أدت إليه سياسته المتواطئة كلياً مع الإرهاب الصهيوني ضد الفلسطينيين من جرائم، ولا في مجال الكشف عن أسلحة الدمار الشامل العراقية.. إلخ، وإنما يريد أن يضيف إليها فصولاً أخرى تبدأ من تحريك الفتنة في سورية واستهداف سورية ولبنان وإيران! ولا تتوقف أطماعه وأطماع أعوانه عند هذا الحد.. إذ هو رئيس دولة تملك أكبر قوة تدمير في العالم ولا بد أن تستخدمها وإلا ما " فائدة أكبر جيش في العالم إذا لم يستخدم" كما قالت مادلين أولبرايت، ورئيس دولة تريد أن تحتكر أسلحة الدمار الشامل، وتطور أنواعاً جديدة من الأسلحة يفوق ما لديها، بينما تلاحق أفكاراً في رؤوس أشخاص يتطلعون إلى أن تملك شعوبهم قوة ما تدافع بها عن نفسها في بلدانها، وليس خارج حدود تلك البلدان؟!.. لا يكتفي الرئيس بذلك بل يتقدم بمشروع أكبر ليسيطر على بلدان العرب والمسلمين، وينهي أحلامهم واستقلالهم، ويضعهم جميعاً في قبضته وقبضة حليفه الصهيوني، هو مشروع " الشرق الأوسط الكبير" الذي بدأت أبواقه العربية وغير العربية تروج لـه، وتتهم كل من ينتقده أو يرفضه؟
الرئيس الأميركي يهددنا ويطلب منا أن نتعلم الدرس، ويتقدم عرب بنصائح لسورية مفادها:"أن تستسلم لمن يريد أن يشعل النار بأطراف ثوبها قبل أن يشعلها هي وثوبها"؟ وقد أطلق بالون الاختبار الأميركي. فهل حرص الناصحين ينصرف إلى سورية يا ترى؟ أم إلى تثبيط همة كل من يعترض الإرادة الأميركية العمياء والغطرسة الصهيونية الصماء في المنطقة كلها؟ إذا كانت سورية على خطأ في المطالبة بالجولان المحتل منذ أكثر من سبعة وثلاثين عاماً فليقل لنا الناصحون ذلك بوضوح؟ وإذا كانت سورية ترتكب جرماً قومياً وإنسانياً وخلقياً في دعمها لمقاومة الشعب الفلسطيني واللبناني ضد الاحتلال، ومن أجل وقف مسلسل الإبادة المستمر ضد البشر والحجر والشجر ومقومات الصمود والوجود في فلسطين، فليقل لنا الناصحون ذلك بوضوح؟ وإذا كانت سورية تملك أسلحة دمار شامل وتطورها وتهدد الآخرين بها كما يفعل الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأميركية، فليقل لنا الناصحون ذلك بوضوح؟ وإذا كان لا يروق لبعض الناس والأحزاب والدول، أن يكون في سورية تيار فكر قومي يتمسك بثوابت عربية، ويدعو إلى وحدة الأمة وتحرير الأرض من المحتل، ومقاومة المشروع الصهيوني، بوصفه مشروعاً يتضاد تماماً، مع أي مشروع نهضوي أو تضامني عربي، فليقل لنا ذلك بوضوح؟ لسنا بلا أخطاء.. ولسنا من جنس الملائكة.. ولدينا من العلل والخلل في أوجه العمل السياسي وسواه ما يستوجب المراجعة والتصحيح والنقد، ولدينا من الأنظمة والقوانين وأساليب العمل والإنتاج ما يحتاج إلى تحديث وتطوير وتعديل وإلغاء، ولدينا فساد داخلي وإفساد خارجي. يصلنا الاختراق والتهديد والوعيد الأميركي بثوب حريصين على أن يصحح الأميركيون الوضع المختل والثقافة " المعتلة".. وهذا ما لا نقبله من جهة، وما يجعلنا نطالب أنفسنا بعمل مسؤول ونطالب غيرنا بالكف عن إحكام القيود والأغلال حول أيدينا وأعناقنا وخنقنا حتى الموت بذريعة الحرص علينا من جهة أخرى؟! لقد رأينا هذا الحرص الأبوي "الرحيم" ونتائجه في أداء وأهداف وممارسات "المنقذ الأميركي" وحليفه الصهيوني وأداته العربية، فلا يضحكن أحد على ذقوننا بعد اليوم، ودرس العراق ماثل للعيان، ونطلب من العرب أولاً، ومن الرئيس بوش ثانياً، ومن الآخرين المعنيين ثالثاً، أن يتعلموا منه ويحسنوا قراءته واستخلاص العبر منه بالطريقة السليمة البناءة على المدى البعيد، وليس بالهرب إلى الأمام، ودفن الرؤوس بالرمال، وترديد أناشيد الرئيس بوش وحاشيته وزبانيته التي غدت أكثر من سقيمة وعقيمة وتثير الاشمئزاز.. ونتمنى لو أن الرئيس بوش ينصفنا من نفسه، ويناقش النصيحة التي قدمها لدمشق وطهران إذ قال: ".. إنه "تعلم درساً لن ينساه أبداً بأن أميركا يجب أن تواجه الأخطار قبل أن تتجسد تماماً" فهل يحق لنا أن نواجه الأخطار المحدقة بنا من جراء الفتن التي يخلقها لنا؟ أم أن ذلك لا يجوز لنا.. وعلينا أن نذعن لتدخل الإدارة الأميركية، وتهديدها الذي يأتي على شكل "نصائح" منها طلب: وزارة الخارجية الأميركية في أثناء تحريك أدواتها للفتنة في سورية "التوقف عن قمع التظاهرات السياسية غير العنيفة في سوريا"؟ ولا نعرف أي عنف أبلغ من تدمير الممتلكات وحرق صوامع الحبوب والتظاهر ضد البلد ورفع العلم الأميركي والهتاف للسيد بوش ونظامه " المحرِّر"؟!
لسنا ضد الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان، ولم نكن يوماً ضد ذلك، ولم تخل أرض من انتهاك مرفوض لتلك الحريات والحقوق، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية التي انتهك فيها أجداد الرئيس بوش كل الحرمات والمحرمات والحقوق والحيوات.. وما زال ذلك مستمراً ولكن بأساليب: "متطورة.. حضارية..أميركية.. عصرية تماماً" ويتم ضد الشعوب في الكرة الأرضية، بعد أن أباد الأميركيون، سكان البلاد الأصليين؟! لسنا ضد الإصلاح فنحن من يكتوي بنار المستفيدين من عدم القيام به ومن تأخير حدوثه.. ولكن الأميركي والصهيوني والتابع لهما، ليس المخلص، وليس القدوة، وليس المصلح والمنقذ المنتظر.. وليس من نركن إليه في مساعدتنا على القيام بأي إصلاح.. تلك حركة استعمار جديد للمنطقة.. مشروع إمبريالي خطر على الشعوب والدول والثقافات والقيم والمعتقدات.. وليس لـه أية روادع من أي نوع، ويتعاون مع الشيطان من أجل مصالحه، وتنفيذ استراتيجيته.. إنه يرمي إلى إعادة تجزيء بلداننا وشعوبنا ومجتمعاتنا، ويدخل إلينا بذرائع طالما تذرع بها الاستعمار ودفعت ثمنها الشعوب.
ولا ندري هل يحق لنا أن نتساءل: بأي حق يهدد الرئيس الأميركي سورية وإيران، ويتوعدهما وينذرهما بمصير شبيه بذلك الذي حل بالعراق، على أيدي صناع " الحرية والديموقراطية" الأميركيتين البائستين اللتين يقطر منها الدم والرعب والفوضى والنهب والاستلاب. لا ندري حقاً عن أي ديموقراطية، ولا عن أي أمن وحرية يتحدث الرئيس الأميركي.. هل هي تلك التي يحرض أدواته، على التأسيس لها، في سورية عبر فتنة بين أبنائها يؤول الأمر فيها إلى أن يقتتل أبناء البيت الواحد، ليحلو الجو للأميركي "المتنبئ" أو الأميركي "المرسَل" إلى وطننا بطاقتي الهوس وجنون العظمة ليكون "رسولاً" ينقذ الشعوب من حياتها واستقلالها وأمنها واستقرارها في بلدانها، ويجعلها تعيش على وعد أميركي بالحرية والرفاء، نشاهد أنموذجه في العراق؟! لسنا على هذا القدر من الخبل والسذاجة لنصدق السيد بوش، بعد الذي عشناه وشاهدناه وتابعنا نتائجه واكتوينا بناره.. وإذا أراد أن يرسم لوحة وردية لناخبيه الأميركيين الذين قلما عرفوا الحقيقة من وسائل إعلامهم ومسؤوليهم، على ما يذاع من حريتها وحريتهم، فعليه أن يفعل ما يحلو لـه في بلده ومع شعبه، وأن يكف عن تهديد الآخرين والتدخل في شؤونهم وإشعال الفتن في بلدانهم؟! نحن لا نصدق جورج بوش، ولا نطلب تدخله كي ينقلنا من الرمضاء إلى النار.. نحن نريد لـه أن يبيع الأوهام لشعبه، إذا كان يصر على ذلك، وأن يقبض الثمن ممن يبعهم بضاعته، لا أن ندفع نحن ثمن الوهم ونتائج ابتلاعه وتسويقه.
في الكونغرس الأميركي يهددنا اليهود العنصريون بعقوبات من كل نوع وبما هو أشد من العقوبات، فقد قال "غاري ملتز" المتحدث الرسمي باسم النائب الأميركي اليهودي "أليوت اغيل"، النائب الديمقراطي عن نيويورك الذي قدم مع شريكته اليهودية "روزلينتين" ما سمي بقانون محاسبة سورية، قال:"إن وجهة نظرنا هي أن عزل سورية أهم كثيراً من العقوبات. إن تلك رسالة سياسية إلى المنطقة ولنقول لسورية، «إننا لن نعطيها الخد الآخر».
وقال ملتز إن «العقوبات المنتظر فرضها قريباً ستكون أول خطوة، وأفاد أن تلك العقوبات لن تكون آخر خطوة إنها أول خطوة، ولا يمكننا الانتقال من الخطوة الأولى إلى الخطوة العاشرة مرة واحدة ولكننا سنحرك الأمور».
لقد اعتدنا على هذا الصلف الصهيوني، وعلى هذا النوع من العدوانية التي لا نطلبها ولا نحمدها ونريد بإخلاص أن نتخلص من شرورها، كما اعتدنا على هذا النوع من تحريك السياسة الأميركية بخيوط " ماريونيت" يمسكها الإرهابيون الصهاينة في فلسطين المحتلة وأصحاب الاحتكارات، وتحركها جماعات الضغط التابعة لهم والمتحكمة بعقل الرئيس الآن أو بمنافذ المعلومات إلى مكتبه.
ونتمنى بإخلاص أن تنفذ الشمس والرؤية السليمة إلى المكتب البيضاوي في البيت الأبيض، لتتغير الأحكام المسبقة والنظرة إلى الأمور، ولما ينفع العالم وينصف الشعوب، في ضوء قراءة مغايرة للوضع في العراق، يقوم بها أميركيون مخلصون لبلدهم وللحقيقة ولقيم الحرية والأمن والاستقرار، والعلاقات السلمية والسليمة المتبادلة بين الشعوب.
دمشق 19/3/2004
|