صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الخامس) - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2004

فلنستثمر في العمل العربي بوعي

لقد أصابنا التأجيل التونسي المفاجئ لقمة العرب الدورية بصدمة، لم يكن ذلك كارثة ولا زلزالاً مزلزلاً، وإن كان البعض يريد أن يصورها كذلك ويتصيد فيها سمكاً في البحر الميت. أنها صدمة قوية وقد تجعل سقف التطلعات العربية المستقبلية أدنى مما يراد لـه، وسقف الطموحات معدوماً أو يكاد. فهل هي صدمة مدروسة أو مقصودة؟ إن ذلك يحتاج إلى بعض الوقت لتتكشف بعض الحقائق والملابسات على الرغم من أن النتيجة تشير إلى مثل هذا المسار. لقد تم التأجيل في ظروف وملابسات تجعل الأمر يبدو مرتباً وضاراً وموحى به أو مفروض.‏

لقد ترددت تونس في قبولها عقد القمة أولاً، ثم في تحديد موعدها النهائي ثانياً. وتم تسريب في أثناء انعقاد اجتماع المندوبين ووزراء الخارجية العرب للتهيئة النهائية للقمة بأنها سوف تؤجل الأمر الذي اضطر الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى، ووزير الخارجية التونسي، إلى الرد على ذلك بالقول إن القمة لن تؤجل، و"قد بدأت القمة بالفعل" كما قال الأمين العام، ثم في الدقائق الأخيرة من يوم التهيئة الأخير، أعلن عن تأجيل مفاجئ، انفرد به الجانب التونسي.. البلد المضيف.. ولأسباب غامضة ما أبدي منها لم يقنع بها.. بعد ذلك أعلن، عن تمسك تونس بعقد القمة رداً على إعلان مصر استضافتها، ورغبة العرب في انعقادها بأسرع وقت، وجاءت تلك الرغبة مقرونة بإعلانات تبقي على جدول الأعمال والمشاريع والمبادرات والنصوص كلها كم هي؟ إذن ما الذي تغير؟ وما المقصود؟ إذا كان التأجيل يرمي إلى مصادرة القرار لزمن ما يشي بإرجاء انعقاد القمة العربية إلى ما بعد انعقاد قمة الدول الصناعية الذي يتضمن المشروع الإمبريالي الأميركي، فإن ذلك يبدو مجروحاً بالعمل على عقد القمة حتى من جانب تونس خلال مدة أسابيع من التأجيل، وإذا كان ذلك ينطوي على احتجاج، على مناخ القمة في تونس الذي ساده خلاف في وجهات النظر العربية، قد يعكر صفو القمة أو يجرح نجاحها، فهذا المناخ كان وما زال وسيبقى.. وهو من طبائع الأمور عربياً وعالمياً، فالإعداد للقمم والاجتماعات يجري فيه ما جرى في الإعداد لقمة تونس.. وإذا كان التأجيل ينطوي على رغبة تونسية مشروعة في عدم إخفاق القمة، أو شيء من الامتعاض لتدني مستوى الحضور في بعض الوفود، فالرد على ذلك واضح: لا يتحمل قطر عربي مضيف مسؤولية إخفاق القمة، فتلك مسؤولية المشاركين فيها بدرجات مختلفة، وحضور كل وفد يلزمه بالقمة، والقمم العربية شهدت مثل هذا الغياب من مسؤولين على رأس هرم السلطة.. وإذا كان التأجيل ينطوي على تهرب من التزامات محددة في قمة يدعو فيها عرب إلى الالتزام، وفيها ما يجعل بعض القضايا غير قابلة للتنفيذ من بعض الدول، وفيها برنامج إصلاح قد لا يقبل به البعض ويريده البعض الآخر.. فذاك هو موضوع القمة وعملها ومجال البحث فيما تنعقد من أجله، وهو بالنتيجة لا يغير من الأمور شيئاً، لأنه مما درجت عليه القمم والدول العربية ألا تلتزم بما وافقت عليه في قمة إلا نادراً، حيث ينفذ من يريد ما يريد وفق رؤيته ومصالحه والقوانين القطرية التي يحتمي بها، والسيادة التي يصدر بها أوامره إلى الأمة كلها، ويعليها على مصالح الأمة كلها.. وليست هذه القمة استثناء من القاعدة، وإن كنا نسعى إلى هذا النوع من الاستثناء الإيجابي.. وإذا كان في القمة شيء يزعج أو يحرج من موضوعات ومواقف وإصلاحات وبيانات وتصريحات، فتلك مسؤولية المجتمعين على مستوى القمة، ولا يجوز لقطر أن يتحمل المسؤولية وحده، أو أن يصادر قضية بهذا الاتساع، أو ذاك، مطروحة على القمة بحجة أنها قد تؤدي إلى فشل القمة، أو إلى إحراج لـه.. فتلك مسؤولية الأمة في أعلى قمة من قممها السياسية والاقتصادية هذه المرة.. والإحراج يستطيع أن يرفعه عن نفسه بنبرة من نبرات السيادة! ولذلك يبقى تأجيل القمة العربية في تونس أكمة لها ما وراءها، ويشير ذلك الـ "ما وراء" إلى شيء مدخول بنقض الإرادة العربية على مستوى ما، وإلى شيء من التدخل الخارجي من جهة، والرغبة في الابتعاد عن ظرفية ضاغطة تتصل بجريمة اغتيال الشيخ ياسين، وبالموقف الذي يعترض على تقديم تنازلات جديدة في صيغة تطوير لمبادرة قمة بيروت تخفض سقف السلام والمطالب والمواقف والثوابت العربية من جهة أخرى.‏

وأياً كانت الأسباب التي أدت إلى تأجيل انعقاد القمة العربية في تونس 29 و 30 آذار/ مارس 2004 فقد تم تحقيق أهم الأهداف التي أراها كامنة وراء ذلك التأجيل:‏

ـ فمدة شهر على الأقل كافية لجعل الدم العربي الذي أخذ يغلي، بعد اغتيال الشيخ أحمد ياسين يبرد تماماً، ولجعل النسيان يزحف على الذاكرة العربية المثقوبة، ولجعل القمة تتجاوز هذا الحدث من دون "حرج" يقود إليه ضغط جماهيري، أو عاطفة قومية وحماسة عاطفية.‏

ـ والتأجيل أتاح لدول عربية فرصة النأي بنفسها عن مواجهة موقف، أو تحديد موقف، ملزم أو محرج، من جريمة الاغتيال تلك، ومسلسله المستمر ضد مدنيين وقادة فلسطينيين، ومن ثم تجنب معارضة ما لمن يقومون بذلك المسلسل أو يغضّون الطرف عنه ويؤيدونه ويدعمونه، فـ "إغضاب" الولايات المتحدة الأميركية، التي وقفت ضد إدانة هذه الجريمة الوحشية غير مأمون النتائج، وغير مطلوب أصلاً، وإغضاب شارون أيضاً أمر "غير مرغوب فيه" بحجة منعه من أن يهيج أكثر فيقتل أكثر!. وهو المجرم الذي يبدو بعد كل جريمة يرتكبها بحق الشعب الفلسطيني مقبولاً بصورة مدهشة من بعض الحكام العرب، وأقرب إليهم من دمهم، الأمر الذي يشجعه على المضي أكثر فأكثر في تنفيذ مخطط الإبادة المستمر ضد الشعب ورموزه وقضيته العادلة تحت مسمى " محاربة الإرهاب"، وهناك عرب يسمون المقاومة الفلسطينية واللبنانية والعراقية إرهاباً، وكل من لا يستسلم للكيان الصهيوني والغزو الأميركي لبلده، هو مشارك في الإرهاب أو يدعمه ويرعاه!. وهم يحبون أن يظهروا بمظهر من يمضي إلى المدى الأبعد في تشويه المقاومة العربية ومحاربة الإرهاب وفق المفهوم الأميركي الصهيوني لمصطلح الإرهاب.‏

ـ وتأجيل شهر يكفي لإعادة طرح مبادرة عربية، من أجل السلام، تطور مبادرة بيروت لتقترب من وثيقة جنيف، التي تلغي حق العودة والدولة الفلسطينية المستقلة. من دون حرج لحاكم عربي يخلقه دم فلسطيني يتناثر هنا أو هناك، أو صوت عربي يدعو إلى عدم تقديم تنازلات للعدو الصهيوني والمحتل الأميركي، بعد كل الذي حصل ويحصل في العراق وفلسطين، وبعد رد مبادرة بيروت إلى العرب مشبعة بالإهانة والاستهانة والدم والعدوان والرفض والاحتقار.. فصوت " العقل والعصر" يقول للعرب بلسان غربيين وصهاينة وعرب وكلاء وحلفاء لأولئك: "تنازلوا أكثر تصبحوا مقبولين أسرع وأكثر.. سلموا بنادقكم وسكاكين المطابخ وتفكيركم العلمي وعلماءكم، ينتهي اتهامكم بالسعي للحصول على أسلحة الدمار الشامل.. تخلوا عن ثقافتكم وهويتكم وعقيدتكم، وكل ما تقولون به من فكر قومي وتطلعات عربية تصبحون "حضاريين" وتتجنبون تهمة الإرهاب والغضب الأميركي.. كفوا عن النشيج والصراخ والبكاء والكلام في أثناء ذبحكم تفوزوا برضا من أكبر قوة تحرركم من أنفسكم ومن قيود الحياة بالذبح، وهي حصراً قوة صهيونية وأميركية، لا قبل لكم بمواجهتها بالواقع والضرورة.. فلم الحمق ولم الجنون ولم الذهاب في سراديب مظلمة ومغلقة، للبحث عن حرية وكرامة.. الأمور واضحة تماماً والغلو غير مقبول، والغربي لن يقبل بأقل من ذلك.‏

ـ من يدعوكم بلسانكم العربي المبين إلى تضامن وتكافل ومواقف موحدة ترفض التهديد والوعيد والتدخل في الشؤون الداخلية لبلدانكم، ويرفض الاحتلال والعدوان، ومبادرات التبديد والاستعمار الأميركية المتجلية في " مشروع الشرق الأوسط الكبير"، ومن يقول بعدم تقديم مبادرات سلام، هي أقرب إلى الاستسلام في هذه الظروف، ومن يقول بإصلاح يأتي من داخل البيت العربي، ولا يفرَض عليه، ويأخذ فيه كل قطر حاجته بالاعتبار.. من يفعل كل ذلك أو شيئاً من ذلك هو " متشدد أو متطرف.. إسلامي أو قومي لا فرق بينهما، وعليكم أن تعقِّلوه وتعقِلوه، ارفضوه أو ارجموه أو أخلوا بينه وبين العدو يؤدبه بالمحو، أو بالاجتثاث والاحتلال، وتنوشه بسهامه فيقضى عليه.. إنه خارج عن كل دوائر التفكير والتدبير السليمة.. وخارج العصر الأميركي.. عصر القوة العمياء التي تفرض استسلاماً باسم السلام.. وعصر الصهيوني المهيمن والمتصهين الذي يفتك بأخيه وصاحبته وبنيه!.‏

سوف تعقد القمة العربية قريباً إن في تونس أو في سواها من عواصم العرب، وسوف يبقى جدول الأعمال كما هو، والصياغات شبه النهائية للمشاريع بما فيها مشروع البيان الختامي كما هي أيضاً مما يزيد الحيرة، ويعيد تضخيم السؤال.. وربما يزداد مطر المبادرات المعلنة وغير المعلنة: العربية والمستعربة والغربية والمتغربة، وربما يؤدي ذلك إلى مبادرة لها صفة المبادرة العربية، وتحمل مضمون مبادرة الشرق الأوسط الإمبريالية التي تبنتها دول عربية، وحملتها إلى القمة، ودعت إليها متهمة الآخرين بعد الإطلاع عليها، أو بعد الفهم ضمناً!. وربما يحمل وفد قُطْرٍ ما تحت إبطه مبادرة مستوردة لا يريد، أو لا يستطيع أن يكشف عنها قبل انعقاد القمة حتى لا تنكشف مصادرها أو كي يحرج الآخرين بها.. فهناك مبادرات مستورة وأخرى مكشوفة، ومبادرات عربية، وأخرى تلبس لبوساً عربياً في زمن العرب هذا!. ولم لا ؟ فالرجل "العربي المريض" دخل أو أُدخِلَ عيادة أميركية، والنطاسيون الأعداء يتدارسون وضعه المتردي، وأهله عند الباب ينتظرون النتيجة ويهللون لكل نطاسي يعطس هناك، ولكل وكيل نطاسي يطل عليهم بخبر يتسرب من شقوق الباب هو الإشاعة الموظفة والوشاية المدروسة.‏

إنهم الأعداء يتقدمون في المعالجة، والخوف من العلاج على النمط الذي نشهده في العراق يدعو بعض الأهل والأصدقاء إلى الإشفاق، فيدعون إلى القبول بالأكثر سرعة، ولو كان يؤدي إلى الموت والدمار، فبقاء المريض في غرفة الإنعاش يضاعف درجة الخوف ويجعلهم ميالين إلى الوصول إلى نتيجة أياً كانت، ليخرجوا مما هم فيه إلى ما يوعدون به، وهو جنة عدن مليئة بقطوف الأكاذيب الأميركية الدانية.‏

سوف تعقد القمة، وسوف يختلف العرب، ويبدي بعضهم وجهة نظر مغايرة، أو حتى مضادة لوجهة نظر آخر منهم، وسوف يقول سياسي هنا، وإعلامي هناك عن أولئك الذين يتخذون مواقف مبدئية، أو متشددة من قضايا رسخت في مجالات الحق، والوجدان الجمعي، والتاريخ النضالي لقضية فلسطين، وما نتج عنها، واتصل بها سيقول: "إنهم يزيدون الطين بلّة ويزايدون وقد تجاوزهم التاريخ ولا يعرفون، ما يجري وراء الأبواب المغلقة أبواب من حلف الأطلسي والدول الصناعية الثمانية".. وسوف يقول قائل: "العرب يفقدون المنطق، وقد تخلوا تماماً عن الحكمة".. والحكمة والمنطق وفق منطق أولئك يقودان إلى القبول بكل ما يطلبه ويوحي به، ويقوله أو يتناقله الأصدقاء:" الصهاينة والأميركيون وحلفاؤهم الناطقون باسمهم؟.‏

أياً كان الأمر والسبب والنتيجة فالقمة العربية أجلت وسوف تنعقد ولن تخرج الزير من البير.. وسوف تتخذ من القرارات والتوصيات والبيانات ما يضاف إلى الرصيد الهائل من ذلك كله، ففي كل ذلك مواقف معلنة لضمائر متضاربة تشير إلى أمة في حالة اضطراب منذ زمن طويل، وقد زادته السنة الأخيرة حدة وشدة.‏

هل نفقد الأمل وننفض أيدينا من الأمة المريضة، أم هناك طريق ثالث؟ مما يجدر التمسك به الأمل وليس الوهم، ورفض الأميركي بوصفه طبيباً أو صديقاً أو صادقاً.. وفهمه بدقة، فهو العدو، وحليف العدو، والساعي إلى أبعد من تغيير الثقافة السياسية والجغرافية السياسية، والانطلاق نحو الأهداف العربية السليمة من دون قبول بالتشكيك بها أو بمستقبلها، وانتهاج خط عربي واضح لمقاومة كل أشكال الانهزام والاستسلام، ولو بدأ ذلك من قلبين وعقلين وقطرين.. إن هزائم الإرادة والرؤى تدفع ثمنها الأمم لأجيال، وهزائم المعارك في القضايا العادلة تؤسس لوعي ونصر وإرادة قوية ثابتة على الحق والنضال من أجله، تقود إلى الحرية والنصر والنهضة.. فلنستثمر في العمل العربي المشترك بوعي وتصميم وإرادة، ولنقاوم والمحتل ومن يريد أن يحتل إرادتنا وعقولنا من الداخل.‏

دمشق 2/4/2004‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |