صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الخامس) - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2004

مسؤولية الأدب عن الدم والحرية

الأدب، بوجه عام، تعبير إنساني في قوالب كلامية، تراعي قيم الجمال وتنميها، ويضع العمل الأدبي تجربة ونماذج وعلاقات إنسانية وسلوكاً في سياق معالجة لها خصوصيتها، تومض بوهج المعاناة ولها لذع نارها، ويهدف إلى ترسيخ قيم وتحقيق أهداف، معتمداً منطقاً وأسلوباً للوصول والتأثير والإمتاع والإقناع. ويُصب العمل الأدبي، أو بالأحرى يتخلق ويتفتح، ضمن حدود إطار فني يحمل سمات وميزات ومقومات خاصة، تجعل لـه شخصية مميزة ونكهة خاصة، وتساعد على التفريق بين جنس وآخر من الأجناس الأدبية- الشعر، القصة، الرواية، المسرحية...الخ وبين كاتب وآخر. ويظهر في الأدب أو ينبغي أن يظهر فيه، بصرف النظر عن جنسه وشخصيته وكاتبه، ملامح البيئة التي نبت فيها ومكوناتها، ولثماره طعم التجربة الإنسانية والتربة الثقافية خصوصاً والحضارية عموماً التي تتواصل معها جذوره وتتغذى منها، إن لـه هوية إن صح التعبير كما للكائن الإنسان هوية تميزه من غيره من المخلوقات، وعن إخوته من بني البشر وحتى عن أشقائه من رحم واحد..‏

وتنعكس في الأدب معاناة الإنسان الفرد من خلال ارتباطه بالمجتمع، ينعكس فيه واقعه وكيانات تكوينه الرئيسة: الجسمية - النفسية، الاجتماعية، بكل ما لهذه الكيانات من أعماق، وأبعاد ومكونات وبتداخلاتها بعضها مع بعض وتفاعلها جميعاً ضمن البيئة والمجتمع، والعمل الأدبي الناجح يجعلنا نقف على ذلك كله، إضافة إلى أنه يضعنا في صورة واقع الإنسان وطموحاته وينقل إلينا أحاسيسه وقلقه وأفكاره وعواطفه وأسلوب تعامله مع الناس والأشياء والمخلوقات في الطبيعة، وكيفية معالجته للأمور، ضمن نظرة للكون والحياة تمليها قيم وتجارب ومعطيات واقع وظروف حياة..‏

ونحن أيضاً في العمل الأدبي أمام اختيارات الكاتب التي ارتضاها وأهدافه التي ينشدها، أمام صورة معاناته في الوجود ومن أجله، وأمام نظرته للواقع وتحريضه المستمر، الذي يوصله إلينا، من خلال عمله وبأسلوبه الخاص ليجعلنا نرفض واقعاً معترَضاً عليه، ونعمل على تغييره بواقع أفضل منه، وقد يأتي هذا الاعتراض والتحريض متواكبين مع تصور واضح الملامح لواقع هو الصورة البديلة لما يُعترض عليه ويتم الدفع باتجاهه، أو مجرد اضطراب عبر واقع مرفوض تشكل الدعوة إلى الخروج منه وعليه، والوقوف خارج تلاطم لُججه، بداية طريق الوضوح، لتكوين صورة لواقع بديل هو الواقع المنشود، يحجب صورته عن الكاتب انغماسه في معاناته الأليمة ضمن واقعه، وجثوم ذلك الواقع بحدة كابوسية على صدره وروحه..‏

ويأتي العمل الأدبي في الغالب، محققاً لغرض الأديب وغاية الأدب، في تحرر الإنسان من قيود وظلم وقهر ومحدودية تفكير وتصور وتدبير، أو رضا هو استسلام فرضه الخوف والخمول وقلة القدرة على استشراف مخارج النجاة مما غرق فيه من أسى أو ضياع، وهو ما يجهد الأدب والأديب لتحقيقه، يتم من أجل الإنسان الذي نريد لـه حياة أكثر سعادة، وحرية تمكنه من الاستمتاع بعمر لا يعيشه إلا مرة واحدة فقط، وبكرامة هي من أغلى ما ينبغي أن يتحقق ويصان لـه على الأرض.‏

وعلى الرغم من توافر شكليات كثيرة في العمل الأدبي، يبقى هامش التأثير ثانوي القيمة، إذا لم يحقق انتماء للإنسان في واقعه المعيش، ليصل بتحقيق هذه الخصوصية، إلى شمولية إنسانية تجعل منه عملاً باقياً مفيداً لأناس كثر ولأجيال عديدة. وما لم يرتبط الأدب بواقع، ويتمثله بعمق، وتظهر نتيجة ذلك التمثل والمعايشة بصدق ووضوح رؤية وشفافية، ما لم يتخذ مواقف واضحة وصريحة وجريئة من البؤس والظلم، من القهر والعدوان والاستغلال والاستلاب، من التعاسة والتبعية والشقاء، الذي يحل بساحة الإنسان كل يوم، ما لم يكن ذلك كله ديدنه، أو بعض ديدنه ويتمثله، يبقى أو يسقط خارج حدود الكلمة الشريفة التي تحمل رسالة سامية، وتقف إلى جانب الإنسان في نضاله المشروع قوة حامية ومنقذة وهادية على مدى العصور..‏

وتتوقف قيمة الأدب والفن، ومدى ارتباطهما بالإنسان والحياة، وقدرتهما على التأثير والبقاء، تتوقف تلك القيمة- رغم توافر قيم ومقومات شكلية تحقق جانباً كبيراً من الإبداع- على تحديد القيم والأهداف التي يناضل من أجل تحقيقها، كل من الأديب والفنان، وعلى وضوح تلك القيم والأهداف وإنسانيتها.‏

فلكي يكون الأدب أدباً والفن فناً، يجب أن يكونا إنسانيين، ولكي يكونا إنسانيين يجب أن يشهرا سلاح الصدق والوضوح بجرأة، محددين موقفاً من كل ما يجري في هذه الحياة، وهذا القول، فيما يبدو في الظاهر " لمن يلتمس ظاهره أو يقف عنده"، مما هو متفق عليه نظرياً، ولكن بطلان ذلك يظهر بوضوح صارخ عندما تبدأ عملية تحديد مفاهيم القيم الإنسانية، أو إنسانية القيم البشرية، وكيفية الوصول إلى تحقيقها وترسيخها وخدمتها والدفاع عنها بما لا يجردها من مضمونها الإنساني!؟!‏

والأدب بحكم ارتباطه بالحياة، يحمل هموم الأحياء وتطلعاتهم، ويجسد قلقهم ويمثل ضميرهم؛ والكاتب الذي يريد لأدبه الحياة والفاعلية والانتشار، يلتصق بواقع الناس، ويعبر عن هواجسهم، ويشرع أبواب الأمل أمامهم، ويدفع مسيرة الحرية والمتعة والاستقرار في الحياة إلى الأمام؛ ولا يستطيع الكاتب تحقيق ذلك ما لم يعش أحداث عصره بامتلاء، ويتجذَّر في أرضه وحضارة شعبه، ويبدع في إطار رؤية إنسانية شاملة، فيكون في أعماق عصره وتفاصيل ذلك العصر، وفي الوقت ذاته يحرض على التغيير، ويمارس درواً إيجابياً ليكون العالم أفضل، والغد أسعد، والمجتمع أكثر أمناً وأفضل تعاملاً.. إنه يرسم مشروع عالم الغد، ويقدمه في شخوصه وكلامها وقيمها وأحلامها، التي تصور الواقع وتشكل برؤاها وأفعالها مدخلاً مشروعاً لتغييره. وهو حين يحكم على واقع وسلوك وقيم ويدينها يؤسس لواقع آخر وسلوك وعلاقات وقيم أخرى، ويدعو إلى إشادة بنية اجتماعية، وتكوين أجيال تتمتع بقيم خُلُقية وغنى روحي، وإرادة صلبة تصنع بها عالم الغد الأفضل.. أما إذا ركض في فلوات الكلمات على غير هدى منجذباً إلى سحر القول.. فقد لا يصل إلى شيء يرضيه، وقد يقدم للناس ما لا يفيدهم حتى إذا أرضى قلة منهم.‏

إن الكاتب بحكم موقعه وتعامله مع الكلمة التي تحمل مسؤولية إنسانية وخُلُقية، وتستمد شرفها من الانتماء للحياة والصدق والعدالة والحرية، بحكم ذلك، يتحمل مسؤولية تاريخية حيال العصر الذي يعيشه، والعصر الذي يحاول أن يستشرف صورته، لأنه إنما يكتب ليتجسد ما يكتبه في حالة اجتماعية، أو سلوكية أو حيوية مستقبلية. ومسؤولية الكتاب في هذا العصر كبيرة حيال التهديد والاحتلال وتشويه الحقائق، والتدخل في شؤون الدول والشعوب، وثقافاتها ومحاولة فرض الحالة الأميركية عليها.. وهي حالة متضادة حكماً مع أصالة من تفرَض عليه. والمسؤولية أكبر حيال التهديد العسكري والفوضى والأزمات الاقتصادية ومشكلات البيئة والصحة ومحاولات احتكار أسلحة الدمار الشامل باسم نزعها ممن يحاول أن يوازن قوة عدوان بقوة دفاع، ويتحمل مسؤولية خُلُقيَّة عن الظلم الذي يحدث في العالم، وعن الإرهاب الدولي الذي يحرم شعوباً من الأمن، ويمضي في إبادة الشعب الفلسطيني بتدمير مقومات الصمود والبقاء والمقاومة لديه. لذلك أرى أن مسؤوليتنا الخُلُقيَّة عن عالمنا تحتم علينا إدانة الظاهرة العدوانية المتنامية في المؤسسة الأميركية الحاكمة، والحركة الصهيونية التي تعلن حرباً على العروبة والإسلام، وتواصل إبادة الشعب الفلسطيني، وتدمير فرص السلام والأمن في العالم، وأن يتم التوجه إلى الشعوب، التي لا تحب الحروب عادة لتمارس دوراً فعالاً في وضع حد لهذا النزوع العدواني، ولتمارس بديمقراطية مسؤولة، دوراً يبعد عن العالم حكاماً مصابين بمرض السيطرة والعظمة، والتسلط عن ساحة اتخاذ القرار، وعلينا أن نعمل من أجل إزالة أشكال الاستعمار والاستغلال والهيمنة وإفساد القيم والناس والعلاقات، والوقوف بوجه أنواع الغزو الثقافي، من أجل المحافظة، على غنى وتنوع ثقافي ومناخ ثري في عالمنا مما يؤدي إلى ازدهار حضاري. ولن يكون الأدب مخلصاً للإنسان والحياة والرسالة ومسؤولياته ما لم يعمل على إزالة الإمبريالية والصهيونية والعنصرية التي تشوه صورة الإنسان والحياة، وتشوه النفس البشرية وعالم اليوم، ولن يكون الأدب أدباً مستحقاً للحياة ما لم يحافظ على مقوماته كأدب، وعلى قيمة الإبداع، وعلى مضمون ينصف الإنسان، ويدافع عن حقوقه وقيمه وحريته.. علينا ككتاب أن نقدم أدباً جيداً وجميلاً وممتعاً ومسؤولاً، أدباً يرفع قيمة الحياة والعمل في نظر الإنسان، ويجدد أفق السعادة والحرية بالوعي المعرفي، ويجعل الإنسان أكثر جدارة بإنسانيته وحياته، وأكثر تمسكاً بالحياة وإقبالاً عليها واستمتاعاً بها وشعوراً بجمالها.‏

الأدب مسؤولية.. وعندما يراق دم الأبرياء في أي مكان يُسأل الأديب عن موقف، ويُنظر في مرآة الأدب لرؤية الصورة التي انعكست فيها حياة الناس وواقع الأحداث ومواقف أصحاب المواقف. وحين يعجز الأدب عن التواصل مع الواقع المعيش، أو ينصرف عن هذا النوع من التواصل ترفعاً، فإنه يخسر ويجعل الآخرين يخسرون ويضيّع شيئاً من البعد الإنساني والروحي للحياة والتاريخ.‏

وإذا كان الحدث الدامي يجري في البيئة التي تنتمي إليها اللغة، وينتمي إليها الكاتب تصبح المسؤولية أكبر. ونحن أمام أحداث في وطننا العربي نُسأل عنها، وعن مواقف منها، وعن تجلياتها في الأدب، وإذا لم يكن لنا مثل تلك المواقف والتواصل تصبح الاستهانة بنا ليست من مصدر القوة العمياء والغطرسة العنصرية، اللتين تلحقان التدمير بالعمران والموت بالإنسان، وإنما يضاف إلى ذلك، استهانة منا بالأنفس والعمران والمشاعر، وبقدرتها على مواجهة العدوان والمسؤولية التاريخية عن ذلك.‏

في فلسطين دم بريء يسيل يومياً، وإرهاب يُلحق بالأطفال والنساء والشيوخ، وفي العراق مثل ذلك.. ولا تكاد الأحداث الأخيرة في الفلوجة تختلف كثيراً عما جرى في جنين ومخيمها في النوع، وإن اختلفت في الكم.. أما روح الجريمة، والنزوع العنصري، والموقف العدواني فواحد، والاستهانة بإنساننا هي هي!!‏

لقد صرح مسؤولون أميركيون عسكريون في العراق، ومدنيون في واشنطن بأنه قُتل منهم حتى 12 نيسان 2004 سبعون عنصراً محتلاً، وقتلوا هم من العراقيين سبعمئة غير المدنيين الذين ما زالوا تحت ردم بيوتهم.. فأي تباهِ، وأي استعلاء، وأي تفاخر يقدمه لمرآة الأحداث نفر من المحتلين والعنصريين يلحقون الأذى بالناس بذريعة إنقاذ الناس؟.. وأيّ أخلاق تبيح لبوش أن ينقذ الفلوجة وأهلها بتدميرها على رؤوس أهلها متباهياً هو وجنرالاته بما يملكون من قوة عسكرية، و"تقدم حضاري" يريدون تصديره "حرية موت" للعرب والمسلمين و"ديمقراطية" قتل على الهوية هوية العرب والمسلمين؟!‏

وهذا الحدث وسواه يقدمان للأدب مادة استلهام، ويفرضان عليه وعلى أهله مواقف، ويجعلان كل صاحب موقف وكلمة وإبداع مسؤولاً عما يفعل، وعما يقول، وعما يسكت عنه، ومن هنا يرتب الحدث مسؤوليته على الأدب ويرتب الأدب مسؤولية على أهله.. فما هو موقفنا من مقاومة ضد المحتل؟ واحتلال يقوم بالقتل والتدمير والنهب يرفع شعارات كاذبة، ويقدم صوراً مشوهة عن ممارساته وأهدافه من جهة، وعن الآخرين وحقوقهم من جهة أخرى؟!‏

الأدب مسؤولية.. ومناصرة المقاومة البطولية المشروعة في فلسطين والعراق مسؤولية الأدب، مسؤولية تاريخية على أهله. وحين يتبتل الأدب في محراب الشهادة، ويعلن وقوفه إلى جانب المقاتلين من أجل الحرية يصبح مؤثراً في صنع التاريخ، وفي تكوين تيار الحرية الحقيقية، والخلاص من مزيفي القيم والمفاهيم والمصطلحات والتاريخ والحريات والحقوق العامة للإنسان. وهذا ما نحن مدعوون إلى القيام به في وقت يقدم فيه مقاومون ومدنيون مسالمون من أهلنا دمهم، وما يملكون دفاعاً عن الحق والكرامة. فهل يفعل أهل الأدب فعلاً مشرفاً يحيي أدبهم في الناس ويحيى بأدبهم الحياة والناس؟!‏

هذا ما نأمله وندعو إليه في علاقة راهنة بين الأدب والدم.. والأدب والحياة، في مجتمع يدفع الدم والحياة من أجل حرية وكرامة واستقلال، ولدفع الأشرار والشر عن بلاده وثقافته وعقيدته، في إطار مسؤولية الأدب عن الدعم والحرية.‏

دمشق 14/4/2004‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |