صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الخامس) - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2004

الشهيد الرنتيسي والمقاومة

انضم المجاهد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي إلى قائمة شهداء فلسطين مساء يوم السبت 17 نيسان 2004 مع اثنين من مرافقيه، وحل محله قائد آخر لحماس في غزة أياً كان فهو الآخر مرشح لنيل الشهادة.. لأن قادة حماس، وغيرها من المنظمات الفلسطينية التي تتصدى للاحتلال كلهم مدرجون على قائمة التصفية والاستئصال، الصهيونية الأميركية المباركة بالروح العقيدية لبوش. لدينا: الموت حق والشهادة اصطفاء، والمجاهدون يسلكون دروبهم وهم موقنون بأن لكل أجل كتاب "فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون.‏

المقاومة قدر الشعب الفلسطيني المحتلة أرضه والمهدد وجوده.. سوف تستمر، وهي تستمر دفاعاً عن النفس والحق والأرض، والإرهاب الصهيوني الأميركي سوف يستمر لأنه من طبيعة النفوس الشريرة، أن ترمي الآخرين بشرورها، ولأنه مرتكز في عقيدة تقوم على العنصرية الدموية والشر.. وقد نُكبنا نحن العرب بهذه الشرور في فلسطين خاصة وفي أجزاء من بلدان الوطن العربي والعالم الإسلامي بصورة عامة منها العراق وأفغانستان، ولذا فإن موضوع الصراع العربي الصهيوني، سيبقى مرتكزاً بالدرجة الأولى، حول سؤال ونتائجه النهائية: هل تعود فلسطين عربية أم تصبح يهودية؟! ومن وراء فلسطين هناك استهداف واضح ومعروف للعروبة والإسلام يشارك الأميركيين والصهاينةَ فيه "عربٌ ومسلمون" من راكبي الدبابات الأميركية إلى مواقع الحكم، وممن قدموا معلومات عن موقع الرنتيسي، وتبعوا حارسه حتى قتَله العدو الصهيوني، ومن ينتشرون في مواقع إعلامية وثقافية يحبطون الأمة ويهشمون القيم والصمود ويشوهون وجه الحقيقة والنضال؟!.‏

نحن في خضم الصراع، وقد أصبح واضحاً للعميان والمتعامين، أن جورج بوش الذي يعميه الحقد والتعصب، هو أشد ولاء للمشروع الصهيوني من كثير من رموزه البشعين، وأنه شريك كامل الشراكة لشارون وأضرابه في الجريمة والإرهاب والإبادة والأسلوب الوحشي، الذي يعامل به الشعب الفلسطيني، وأنه قدم لاءات مطوَّرة عن لاءات باراك وشارون في أثناء لقائه شريكه المجرم القذر الملطخ بدم أطفال فلسطين في واشنطن مساء الأربعاء 14/4/2004 وقد أسفر ذلك عن خطوة متقدمة لمصلحة الكيان الصهيوني عدَّها بعض المتابعين وأصحاب الرأي وعد بلفور ثانٍ يقدمه صهيوني أميركي هذه المرة لمجرم عريق وإرهابي من طراز نادر، وصفه الرئيس الأميركي بأنه شجاع بعد أن قدمه في قمة إجرامه على أنه رجل سلام؟!‏

لمن يريد أن يبدي دهشة أو استغراباً أو أن يتساءل عن مغزى هذا الوعد ومدى ضرره في هذه الظروف أن يعود إلى بدايات التعاون بين اليمين الأميركي المتطرف واليمين الصهيوني المتطرف، ليجد أن التلمود وأنبياء اليهود ويهوه الدموي رب الجنود يجمعون أولئك على العنصرية، ويوجهونهم إلى القتل والتدمير.. تدمير الحياة والعمران وفرص السلام والعيش الكريم، الأمر الذي ينتج المقاومة المشروعة، وردود الفعل السليمة لبشر يدافعون عن الحياة والنفس والكرامة والحرية.‏

بعد إطلاق الرئيس بوش تصريحاته في مؤتمره الصحفي مع شارون، أصيب بعض الرؤساء العرب بالصدمة، وبدأت ردود الأفعال العربية والفلسطينية الباهتة.. فهل كان أولئك يتوقعون غير تلك النتيجة، من لقاء شريكين حليفين عنصريين بعد تسع لقاءات معلنة مضت أسفرت كلها عن جرائم متصلة؟ ماذا كان أولئك يتوقعون يا ترى؟ أن يردع بوش شريكه شارون عن الجريمة المشتركة؟! قال بوش: إنه يؤيد عودة الفلسطينيين إلى فلسطين، ولكن ليس إلى "إسرائيل"؟! وكأن فلسطين موجودة بالمعنى الكامل والشامل للوجود السياسي والجغرافي خارج حدود ما تكونه " إسرائيل" وما اغتصبته وتسيطر عليه وتهيمن على كل شيء فيه؟!‏

حق العودة تم نقضه، وتم تأييد ما جاء في وثيقة جنيف التي أوحى بها أنبياء بني إسرائيل لعملاء دولة " إسرائيل"، وخريطة الطريق دفنت والشركاء في الرباعية الذين سيجتمعون في نيويورك لاحقاً / 4 أيار 2004 لن يترحموا عليها، ولن يطالبوا الشريك الأميركي الذي اخترعهم أصلاً، بالتوقف عند تابوتها قبل الدفن، لأنهم لم يشاركوا بشيء يذكر في الولادة أو الرعاية أو القتل فالفاعل الأول والأخير هو الأميركي وحده وهم شهود زور، وسوف يستخدَمون هذه المرة لامتصاص غضب بعض العرب والمسلمين، ولإعطاء مزيد من الوقت لشارون وبوش ليعملا ما يريدان.‏

ما قدمه الرئيس بوش لشارون لم يقدمه رئيس أميركي للكيان الصهيوني، وجاء ذلك في سلسلة لاءات نذكر منها:‏

1 ـ لا لحق عودة الفسطينيين إلى وطنهم الأصلي، أولئك الذين يضمن لهم حق العودة القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، ولا سيما القرار 194 لعام 1948 وهي قرارات يجدد التأكيد عليها بانتظام في دورات اجتماع الهيئة الدولية.‏

2 ـ لا لتفكيك مستعمرات صهيونية في الضفة الغربية ومواقع من غزة، ونعم لتوسع الاستيطان الصهيوني فيها تحت مسمى النمو الطبيعي للمستوطنات الذي يتم باستقدام يهود من أنحاء الأرض إلى أرض يطرد سكانها الأصليون منها باسم "العدالة" الأميركية! .‏

3 ـ لا لعودة قوة الاحتلال الصهيوني إلى حدود 1949 أي رفض قرارات الشرعية الدولية التي جاءت أصلاً على حساب الشعب الفلسطيني، وقبلها على مضض ومنها القراران: 242 و338‏

4 ـ لا للقدس عاصمة للشعب الفلسطيني ودولته، وهو قرار ضمني اتخذه مجلسا الكونغرس، وتنفذه الإدارة الأميركية في الوقت الملائم، أي بعد أن يقضم الصهاينة أرض القدس كلها، ويتم تهويدها بالكامل وفق المراحل المستمرة والمتفق عليها والممولة أميركياً!‏

5 ـ لا لدولة فلسطينية على أية مساحة من أرض فلسطين تتمتع بأدنى مستوى من الاستقلال والسيادة ومقومات الوجود بالمعنى الفعلي للدولة.‏

6 ـ ولا لردع شارون ومنعه من متابعة مسلسل التدمير والاغتيال والاجتياح والحصار والإبادة للشعب الفلسطيني.‏

7 ـ إن الدولة اليهودية ستبقى في حدود نقائها اليهودي، والحقائق الموجودة اليوم على الأرض لا بد أن تؤخذ بالاعتبار عند التفاوض والتوصل إلى حلول. وهو بهذا يؤيد حلاً يمكِّن شارون من ابتلاع المزيد من الأرض والسيطرة على حدود فلسطين " السلطة" مع الأردن ومصر، ومن إبقاء الدولة الفلسطينية شبحاً هائماً في فضاء المنطقة، وفي أروقة السياسة ودهاليز القرارات الدولية التي لن ينفذ منها إلا ما توافق عليه الدولة اليهودية حصراً.‏

وأنبياء بني إسرائيل الذين تحدث عنهم شارون في المؤتمر الصحفي مع بوش هم الذين يحددون بنهجهم التاريخي الدموي طبيعة الدولة والحلول والتعامل مع الفلسطينيين، لأن نهجهم سوف يتَّبَع بتقديس عالٍ. ولنتذكر جيداً نهجهم في أريحا التاريخ.‏

الرئيس بوش في منتهى الوضوح، وقراراته بمنتهى الوقاحة، وهو يمثل فعلاً دولة خارجة على القانون، وعلى الشرعية الدولية وقراراتها. وشارون أشد وضوحاً ودموية ووقاحة، برنامجهما واضح وخططهما تنفذ مرحلياً بقوة واحتقار لكل من يصيح ويصرّح ويتوجع ويتشفع من العرب.‏

القتل هذا هو الفعل الذي يجيده ذلك الرئيس: قتل الحقوق والأفراد والآمال والشعوب، وقتل المعاني الحقيقية، والمفاهيم السليمة والعميقة الكامنة خلف مصطلحات ومفاهيم وشعارات كبيرة ناضلت الإنسانية من أجل توضيحها وتدقيقها والوصول إلى جوهرها، مثل العدالة والحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان، والقيم التي تشكل العمود الفقري لكل ثقافة وحضارة في إطار خصوصيتها. وفي آخر عملية قتل لـه كانت الضحية حق العودة للشعب الفلسطيني، أي حقوق أربعة ملايين فلسطيني على الأقل، وقرارات الأمم المتحدة، وما تبقى من مصداقية الولايات المتحدة وأهليتها لتكون وسيطاً من أي نوع في حل قضية فلسطين، وتجنيب المنطقة الكوارث المنتظرة بعد قراره البائس الذي قدم فيه لحليفه شارون، ما لم يقدمه رئيس أميركي من قبل.. وذلك في الإطار الحضاري الأميركي، الذي يجعل من سفاح مثل شارون ليس رجل سلام فقط، وإنما شخص يتوجب على العالم أن يشكره على ما قدمه من " فرص للسلام"؟!‏

لا أدري إلى متى يستمر الرئيس الأميركي بوش، في استغفال العرب والعالم!؟ إنه يطلب من العالم أن يشكر المجرم شارون على مشاريعه المأساوية ضد الشعب الفلسطيني، ويستغرب كيف لا يكون هذا الشجاع ومشاريعه محل تقدير، يقول: " .. وفي تقديري أن العالم كله كان ينبغي أن يقول :(شكرا ارييل..الآن لدينا الفرصة لبدء إقامة دولة فلسطينية سلمية).! لا أشك في أن هذا الرئيس عدو الحقيقة والحرية والعدالة والإنسانية، عدو في تجاهله المطلق لأسباب الأزمة في المنطقة وللشعب الفلسطيني وآلامه وآماله وللسلام وفرصه.‏

لكن هذا هو رأي العدو، وهذه هي رؤيته ومواقفه والمطلوب ألا نستمر في غبائنا أو تغابينا أو أوهامنا فنتوقع غير ذلك. علينا أن نعيد النظر بحساباتنا ومواقفنا واستراتيجيتنا لنكون واضحين في رؤانا من جهة، ولتتضح لنا الأمور والدروب والمواقف والمواقع والخيارات من جهة أخرى، وكي نخرج من دائرة خيار شرنقة نلفها على أعناقنا " السلام خيار استراتيجي وحيد" والعدو يقتلنا ويطور السلاح ويختار الحرب ويضحك علينا بالأكاذيب عن "السلام"!.‏

لقد أثر اغتيال الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي، ومن استشهد قبلهما من قادة حماس السياسيين والميدانيين على حركة حماس، وهو ما يقع للفصائل الفلسطينية كلها، ولكن من الواضح أن الحركة كسبت تأييداً جماهيرياً أوسع على الصّعد الفلسطينية والعربية والإسلامية والعالمية، وأن دم الشهداء القادة حرك الرأي العالم بقوة.. ومن الواضح أيضاً أن الحركة مع الفصائل الفلسطينية الأخرى سوف تبقى فصائل جهاد وتحرير متمسكة بثوابتها ومرحليات نضالها لتحرير فلسطين.. كل فلسطين، وقادرة على إلحاق الخسائر بالعدو، وتحريك الجماهير باتجاه التحرير.. ولكن ذلك وحده لن يحرر، ولن يحقق النصر على قوى الشر المتحالفة ضد الشعب الفلسطيني بعددها وعديدها، ولا بد في هذا المجال من توحيد المواقف والصفوف خلف الهدف الأسمى لسد الذرائع على العرب الهاربين من واجبهم تجاه قضية فلسطين، وشدهم إلى مسؤولياتهم التاريخية بوحدة الرأي والموقف والصف الفلسطيني، ووضعهم أمام حقيقة أنهم مستهدفون أياً كانت مواقعهم ومصالحهم ابتداء من فلسطين.‏

إن خسارة حماس الفادحة ستعوض بكل تأكيد، وجهاد المجاهدين سوف يستمر بكل تأكيد أيضاً، ولكن السؤال الأساس هو: إلى متى يبقى الفلسطيني وحده؟. وإلى متى يواجه بلحمه ودمه وإرادته فقط آلة العدو الجهنمية من دون سند، ومن دون سلاح في ظل إحباط يفرضه الغربي ويشارك فيه العربي على نحو ما؟ وما الذي يفضي إليه استمرار الوضع على هذا النحو في نهاية المطاف؟‏

إن الثنائي الإرهابي: بوش ـ شارون يعرف ما يريد، وبوش يلوم العالم على عدم تقديره لشارون ومبادراته و" بطولاته" في تصفية عناصر حماس وتصفية المقاومة الفلسطينية وإبادة الشعب الفلسطيني. ولا يفيدنا بشيئ التساؤل: هل الرئيس الأميركي غبي أم يتغابى؟ وهل يحترم العرب أم يحتقرهم؟ وهل يعرف القانون الدولي وقرارات المنظمة الدولية أم أنه يجهل ذلك ويتجاهله، أم أنه يزدريه ويفرض حقائق على الأرض تصبح هي المنطلقات الواقعية للحلول؟ وهل يعمل من أجل الانتخابات، أم من أجل مشروع يهودي يؤمن بتنفيذه إيمانه بعقيدته التوراتية ـ التلمودية؟! لا يفيدنا أن نسال العدو لماذا تفعل كل هذا الشر.. أو نطلب منه أن يكون إنسانياً!؟ لأن التكوين الروحي والثقافي والعقائدي لعدونا الصهيوني الأميركي، هو تكوين شرير بكل معاني الكلمة وأبعادها.. والإناء لا يمكن أن ينضح إلا بما فيه. وعدوك لا يمكن أن يرحمك من حيث المبدأ، ولا يمكن أن يكون لمثل هذا النوع من الأعداء العنصريين قيم ومثل وروادع وأخلاق ووجدان، يعلق عليها المرء أهمية في ردع الجريمة ووقف الإرهاب الصهيوني الأميركي!! المهم ماذا يمكن أن نفعل نحن لنوقف سيل دمنا، ودمار بيوتنا وخراب ديارنا، وتردي أوضاعنا، وتهافت مقامنا وقيمتنا لدى الآخرين؟ ما ذا نفعل كي نجعل مقاومتنا أقوى، وجهادنا أشمل وأداءنا على الأرض أفضل؟ وكيف نرص صفوفنا ونسد الذرائع على أبناء جلدتنا الذين يهربون من قضيتهم ومقدساتهم ومن التزامهم بدمهم المسفوح، وكيف نسدها أيضاً على الأعداء الذين ينفذون إلينا من بعض خروق جسدنا الاجتماعي، ومن ضعفنا المزمن، وازدواجية الخطاب والموقف اللذين لبعض ساستنا، ومن اعتماد بعض حكامنا وأنظمتنا عليهم، وتحالفهم معهم ضد كل شيء مقدس في وجودنا ووطننا؟؟‏

إن المقاومة الفلسطينية مطالبة في هذه الظروف بالتمسك بثوابتها وبطريق الجهاد وبالقيام بعمليات ضد العدو، ليس انتقاماً لمقتل القياديين وإنما لتثبيت برنامجها المتصل بالتحرير، وعزمها واستمرارها على مقاومة الاحتلال حتى التحرير.. وهي مطالبة بالعمل المقاوِم المتصاعد رداً على من يظن أنها انتهت وسلمت، وأن الشعب الفلسطيني قد انتهى إلى الاستسلام.‏

أنها مطالبة بفعل شيء كبير في هذه الظروف بالذات، حتى لا يظن الرئيس الأميركي أنه يستطيع بتصريح أن يلغي حق العودة المقدس، ويستطيع أن يقرر مستقبل الضفة والقطاع والشعب الفلسطيني والأمة العربية، وأن يغير المفاهيم والمصطلحات والقواعد والقانون الدولي والقرارات الدولية بمجرد تصنيفه المقاومة المشروعة إرهاباً، وحماس والجهاد حركتين إرهابيتين، وحق العودة غير قابل للتنفيذ، والواقع الذي خلقه الاحتلال على الأرض لا يمكن تجاوزه. إن هذا وهمٌ أميركي كبير وإيهام أكبر للعرب، وكذب صهيوني مستمر في إطار التشويه المتعمد للحقائق والوقائع؛ ولن يؤدي ذلك إلى قبول العرب بهذا التوجه الذي إن خضع لـه بعض الرسميين خوفاً أو طمعاً أو تواطؤاً فإن الجماهير العربية، وهي المرجع الأبقى والأدوم والأصلب، سوف تستمر في رفضه، وتتسلم الراية لتغير وفق ما يحقق موقفها الرافض لـه، ومصالحها الحقيقية في أرض هي صاحبة القول الفصل فيما يجري فيها.‏

الرئيس الأميركي يقايض بدم الفلسطينيين وبرؤوس قادة حماس والمقاومة على أصوات اليهود الأميركيين، ومن يسيطرون عليهم هناك، لينتزع تأييدهم لـه من يهودي آخر ينافسه على الرئاسة هو جورج كيري، فلعبة "الديموقراطية الأميركية الفاسدة" تلك بين يهودي صهيوني ومتصهين أشد ولاء للصهيونية من رموزها، لن تقدم لنا لوناً أميركياً مختلفاً ووسيطاً نزيها ورؤية موضوعية لعدالة حقيقية وحرية وكرامة. إنها بضاعة أميركية فاسدة، على كل حال، يريد أن يصدرها لنا عدو لنا علينا أن نحذره، ونرد طعمه المسموم إليه بوعي منا لما يقوم به وما يرمي إليه، على الرغم من كثرة المروجين لـه من العرب الذين تشتريهم الولايات المتحدة الأميركية، والحركة الصهيونية، ويبيعون شعبهم للمستعمر والمحتل، ويصمون نضال شعبهم ضد الاحتلال بالإرهاب!.‏

لن يغير المشوهون وجه التاريخ مدى التاريخ، وسوف يتساقط أولئك على طريق نضال الشعوب الحق من أجل الحرية والاستقلال والديموقراطية السليمة. إن الذي يقايض على وطنه ليصبح مسؤولاً هزيلاً يروج للمستعمر ومصالحه في بلده هو العميل والخائن بكل المقاييس على الرغم من سلاح الإعلام الأميركي بجلوده العربية المشتراة.. ولن يغير أولئك الحقائق والتاريخ والقيم والمعايير، وسوف يسقطون في الوحل الذي يصنعون مستنقعاته.‏

العملاء الذين لاحقوا الرنتيسي حتى الاستشهاد لن يصبح أي منهم بطلاً بنظر الشعب والتاريخ، ولن يتحول إلى شريف ومحترم في نظر من سخروه ووظفوه ووصلوا إلى أهدافهم القذرة على ظهر خيانته.. إنه سيبقى هو وبيته وتاريخ أسرته في الوحل إذا ما أحسنا التذكّر والتدبر. وأهله مطالبون بالدفاع عن شرفهم بفضح العملاء وملاحقتهم وتصفيتهم إن هم علموا وأرادوا أن يفعلوا لأنفسهم ولوطنهم شيئاً مشرفاً.‏

وهذا ما ينبغي أن يكون عليه شأن ذوي بعض المشعوذين العرب ممن يقدمون أنفسهم تقدميين ومناضلين على مدى عقود من الإرهاب الفكري والتزييف الثقافي، الذين خرجوا علينا بأقوال طريفة منها أن أرض فلسطين لمن يستفيد منها، بمعنى أن فلسطين هي لليهود الذين اغتصبوها، لأنهم سخروا القوة والأموال التي تدفقت عليهم من الغرب كله في استثمار هذه الأرض، وفي قتل الفلسطينيين، ولذا أصبحوا أصحاب حق شرعي، ليس في امتلاك الأرض التي احتلوها وقتلوا أهلها فقط، وإنما في قتل من يطالب بها وتشويه صورته ونضاله وتاريخه!.‏

هل تعجبون؟ لا لا تعجبوا فأولئك "معذورون تماماً" لأن مبدأهم يقوم على خدمة من يدفع لهم.‏

ويبقى السؤال مطروحاً على من يعنيه الوطن والكرامة والحرية والموقف الشريف والنضال المستمر من أجل الحق والعدل.. ماذا ستفعل .. ومتى؟!‏

دمشق 23/4/2004‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |