|
صنع في أميركا
أصدر الرئيس الأميركي جورج بوش قراره بفرض عقوبات على سورية تنفيذاً لقانون أليانا روس ليتنن، وأليوت اينغل المسمى قانون محاسبة سورية"، وفي هذه المرحلة من العقوبات: منع تحليق الطيران السوري في الأجواء الأميركية، وعدم تصدير البضائع الأميركية إلى سورية عدا الأدوية والأغذية، وتجميد بعض الأرصدة لسورية وسوريين.
لم تشمل هذه المرحلة عقوبات الرئيس الاستثمارات في مجال النفط لأنها تضر بالشركات الأميركية أكثر مما تضر سورية، ولم تتعرض لتقليص عدد العاملين في الحقل الدبلوماسي وتحديد حركتهم.. وعلى الرغم من أن هذه العقوبات الظالمة لن تؤثر على سورية فإنها تحمل مؤشراً على دلالات، وتنطوي على استمرار الضغط والتهديد والوعيد، ومحاولة توسيع دائرة ذلك للوصول إلى المطالب الأميركية الصهيونية الأميركية بأي شكل كان.
إن اتخاذ الرئيس الأميركي لهذا القرار في خضم عاصفة الفضيحة التي تلف إدارته ورموزها، وجيشه المحتل في العراق الذي يستند إلى الخبرة النازية الجديدة في فلسطين المحتلة ووزيره "الرائع" رامسفيلد الذي يرى كل فعل إجرامي أميركي رائعاً، وكل مجرم صهيوني كذلك.. إن اتخاذ هذا القرار في هذا الوقت يدل على التخبط والارتباك ومحاولات تصدير الأزمات من جهة، ويأتي لصرف الرأي العام داخل الولايات المتحدة وخارجها عن موضوع فضيحة سجن " أبو غريب"، وفي اتخاذه استرضاء للعناصر الصهيونية في الكونغرس لكسب تأييدها، وهو محاولة لشد الانتباه إلى استمرار ما يسميه" حربه الرائعة"، أي المريعة، على ما يسميه "الإرهاب" حيث يدرج سورية تحت لائحة الدول الراعية لـه بسبب استضافتها لمكاتب إعلامية للمنظمات الفلسطينية المقاوِمة للاحتلال الصهيوني، ودعمها لمقاتلين من أجل الحرية والتحرير في فلسطين وجنوب لبنان، أي حزب الله الذي يقاتل من أجل تحرير لبنان من ذلك الاحتلال، ولأنه يريد أن يحملها مسؤولية الإخفاق الأميركي في العراق بالادعاء أنها تسهل عبور مقاتلين إلى هناك..وحقيقة الأمر أنه يريد أن تتخلى لتساعد على حماية الاحتلال هناك من الغضبة العراقية المشروعة؟!
ولم ينس الرئيس بوش في حيثيات القرار السقيم الذي اتخذه الإشارة إلى أن " سورية تطور أسلحة دمار شامل" ليكتمل البؤس الأخلاقي والروحي والسياسي لهذه الإدارة، في إصرار منه ومنها على تكرار الكذب المفضوح الذي كان وراء غزو العراق وتدميره واحتلاله، وإيقاع الدولة العظمى في مستنقع وسخ جرّت إليه السياسة الدولية، وراح ضحيته القانون الدولي والأبرياء والثقة المتبادلة والاعتماد المتبادل بين الكثير من الدول والشعوب، وقدم صورة بشعة للأميركي زادت من تشويه صورة الدولة العظمى.. أو بالأحرى ساعدت على تقديم صورتها الحقيقية البشعة، من دون مساحيق تجميل، وخلق كراهية عالمية وعربية مسوَّغة للممارسات الأميركية الكريهة، وكشف الزيف والخداع الكامنين وراء الشعارات الإنسانية العظيمة، التي لوثتها السياسة الأميركية بصورة مريعة أقصد شعارات: الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان؟!
الرئيس بوش يعزز صناعة أميركية جديدة بقوة هائلة، هي صناعة الكذب والتعذيب الأميركية، ويمكن أن نقول بثقة عن هذا النوع من البضاعة : "صنع في أميركا". وربما كان يفعل ذلك تحت تأثير الهوس، الذي يستولي عليه، بوصفه " مكلَّفاً برسالة إلهية" ويناديه التاريخ؟! وهو يفعل ذلك قطعاً تحت تأثير الكراهية العميقة للعروبة والإسلام، التي يغذيها جهل مطبق بهما وبقيمهما وتاريخهما وبتوجهات الشعوب المنضوية تحت لوائهما، ويقوم الرئيس بذلك تحت دفع وتأثير كبيرين، من عناصر إدارته الصهيونية والفاعلين في صنع القرار، أولئك الذين دفعوا الولايات الأميركية إلى هذا النوع من السياسات التي جعلت العالم مجرداً من عوامل الأمن والعدل والاستقرار.
لماذا يعاقب الرئيس بوش سورية؟
قال الرئيس بشار الأسد: " قانون محاسبة سورية قد يشكل رداً على موقفنا ضد الحرب في العراق. تعرضنا لإغراءات وتهديدات وضغوط كثيرة، ورفضناها كلها". وكلام الرئيس واضح وصحيح إلى جهة تطبيق هذا القانون في هذا الظرف بالذات، الذي يغرق فيه الرئيس الأميركي وإدارته في فضيحة " أبوغريب"، ولكن المشروع أقدم من ذلك ويعود إلى عام 2002 وجاء ليكمل رؤية استراتيجية تستهدف سورية وإيران بعد العراق.. وكلنا يذكر تجديد التهديد بالاحتلال الأميركي لسورية بعد التاسع من نيسان مباشرة. وقد أرجأ تدخل الرئيس الأميركي إقرار الكونغرس لذلك القانون في إطار خطة أو " تكتيك" سياسي أميركي قبل شن الحرب العدوانية على العراق، لهدف كسب سورية إلى جانب تلك الحرب، ووضعها في دائرة التهديد والابتزاز.. وأقر القانون بعد ذلك وها هو يطبق الآن.
وهذا القانون، وضع في إطار الاستراتيجية الصهيونية الأميركية، لجعل سورية تخضع للمطالب الصهيونية ـ الأميركية في كل ما يتعلق بالصراع العربي الصهيوني، وتصفية قضية فلسطين والقضاء على المقاومة، وإشعال الحرب الأهلية الفلسطينية الفلسطينية، وجعل الجيوش العربية تقف حارساً على حدود الاحتلال الصهيوني من جهة، والأميركي الزاحف من قطر عربي إلى آخر من جهة أخرى.
وعملية الإرجاء المؤقتة للتطبيق جاءت في إطار استدراج سورية إلى فخ الإغراء الأميركي لتدخل الحرب، أو لتقف مع تدخل قوات عربية في العراق تحمي الاحتلال الأميركي، وتقضى على ما تبقى من الصلات والقيم والثوابت العربية ـ العربية.
لكن سورية رفضت الخضوع ورفضت تغيير ثوابتها ومبادئها ونظرتها لمشروعية المقاومة ضد الاحتلال، ولتصنيف العدوان الأميركي على أنه حرب تحرير.. وسمت الاحتلال الأميركي باسمه، والمقاومة العراقية لـه باسمها : مقاومة مشروعة ضد الاحتلال .. الأمر الذي أهاج الثور الأميركي إلى درجة مرعبة وجعلته يتخبط في الملعب.
في خضم الإفلاس الروحي والمعنوي، يصدّر الصهاينة والأميركيون مشكلاتهم، ويلوثون العالم بأشكال مختلفة ويهددون دولاً وشعوباً، ويفرضون رعباً وإرهاباً دولياً على الآخرين.. وهذا يطرح السؤال: إلى أين يمضي العالم في ظل هذا الهياج العنصري الإمبريالي؟.. نحن نسمع في هذه الأيام من الثنائي: أليانا روس ليتنن، وأليوت اينغل" "نفاد صبرهما"، وقيامهما بالعمل على إعداد مشروع قانون جديد يقدم لمجلسي الكونغرس الأميركي يسمى قانون تحرير سورية" على نمط قانون "تحرير العراق"/ 1998 /.. ونسمع من العملاء الصغار أقوالاً تنم عن رخص واستعدادات بغيضة كتلك التي صدرت عن معارضات مستأجرة جرت أوطانها وشعوبها إلى الدمار والموت والاستعمار.
وقد أوعز الرئيس بوش في إطار المقدمات والتمهيد، والاختبارات المبكرة وجس النبض.. أوعز إلى وزير خارجيته كولن باول "
بتقديم الدعم لما يسمى المعارضة السورية في الخارج.. أي العناصر التي اجتمعت في مركز لجنة الشؤون الأميركية الإسرائيلية " إيباك " في الولايات المتحدة الأميركية ثم في بروكسل بالدرجة الأولى، وإلى سواها ممن يمكن توظيف عناصرها وبرامجها في هذا المنحى.. فإلى أين يمضي العالم من جديد بعد الذي رأيناه ونراه في فلسطين المحتلة يومياً، وفي العراق على أيدي العنصرين الجدد، الملوثين بما هو أشد من النازية والإرهاب وتعذيب الأسرى والمعتقلين إلى درجة تستجير معها الإنسانية من بعض المنتمين إليها!.
إننا نحتاج إلى موقف قوي في داخل سورية يعصمها مما قد يفتح ثغرات للعدو في جدرانها الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية، ونحتاج إلى موقف عربي صريح وواضح وواقعي حيال التهديد والحصار والعقوبات التي تنتقل من قطر إلى قطر إرضاء للصهيوني المجرم والأميركي البشع، ونحتاج إلى موقف من العالم الإسلامي، والدول في العالم كله، حتى لا يرتد هذا الهياج العنصري الإمبريالي دموية على الشعوب، وتدميراً للاستقرار والعلاقات والسلم والأمن الدوليين.. ونحتاج إلى موقف من الشرفاء في الشعب الأميركي الذي لا يمكن أن يخلو من شرفاء لوضع حد " ديموقراطي"! لمن أعمتهم قوة عمياء ملطخة بالدم والعار والكراهية، تعمل باسم الأخلاق وهي مجردة من الأخلاق وخارجة على القانون .. تمعن في انتهاك حقوق الإنسان، وتريد أن تلحق دولاً عربية وإسلامية بمزرعة كراوفورد..
فهل يقبل العالم ذلك، أم أن لديه ما يقوله في هذا المجال؟
دمشق 13/5/2004
|