|
لا تنسوا رفح
لا تنسوا الثامن عشر والتاسع عشر من أيار/ مايو 2004 يوم دم الفلسطينيين يسقي التراب، ويحنِّي الجدران، ويرقِّط الطرقات والمباني وأشجار الزيتون، يوم وجه الطفل الفلسطيني البريء يتوجه إلى فضاء الله بعيون فقدت صلتها بالحياة وأملها بالناس، وينداح شحوباً ملء الدرب، ويوم الأيدي المدلاة من أجساد محمولة على الأكتاف إلى الإسعاف ترسم صلة الإنسان بالأرض والأهل: صلة لم تنقطع لأنها لم تنفصل كلياً عن الجسد، وإذا انقطعت فإنه الموت، إنها تلوِّح بدمها بين يدي الراكضين بها هرباً من الموت إلى الموت..
لا تنسوا يوم الجريمة ضد جماهير خرجت في مسيرة سلمية إلى حي تل السلطان غرب رفح، في تظاهرة لفك الحصار والمطالبة بالماء والغذاء والدواء.. للمطالبة بحماية الحق في الحياة، فانتزعت منهم الحياة.
لا تنسوا يوم أطفال رفح تمزقهم الصواريخ، وقذائف الدبابات اليهودية على تخوم مصر ويلتقي سيل دمهم ونتف لحمهم مع دم أطفال عرس الرمادي العراقية على الحدود السورية ولحمهم.. يوم تداخل في عيون العرب الدمع والدم والغضب ولا مجال لتخفيف الألم والقهر.. لا تنسوا الجريمة والمجرمين والمسؤولية والسؤال: لماذا هذا الموت، ولماذا هذا الصمت على الانتهاك والقهر والموت؟! ولماذا بلغ الضعف العربي حد الكارثة مما سمح للعدو بأن يلحق الكوارث بهم معنوياً ومادياً؟!
قرب الرمادي.. في القبر الذي وضع فيه عراقي رأس ابنه المفصول عن الجسد، ثم ألحق بالرأس بقايا من اللحم البشري كانت ذات صلات عضوية وتشكل جسداً، في ذلك القبر سقط بعض الأمة، وتحت ردم بيوت رفح المدمرة ومدافن شهدائها سقط بعض الأمة أيضاً، ولكن السقوط الأشمل كان في شوارع وملاه ومراقص ومطاعم وفنادق وفضائيات ودوائر تضج بكل شيء آخر مما لا تعنيه المأساة والعدالة المنتهكة، وممارسات القوة العنصرية العمياء.. بكل شيء لا يشرف الإنسان.
ما ذا نقول للنساء والأطفال الذين يستغيثون في شوارع رفح وغزة ونابلس.. في كربلاء والنجف والكوفة وبغداد؟ ماذا يقول الناس عندما يلتقون بالناس في أي مكان، من مدن العرب وقراهم عن وضع العرب عدوان المحتل وممارساته؟ هل يكتفون بالقول: الأميركيون واليهود يذبحون ويدمرون وهم أشرار فتحاشوهم..؟! هل هذا لرفع الظلم وإيقاف العدوان وسفك الدماء؟! ماذا يقول الناس في شوارع رفح المستباحة وهم ينادون أمتهم والناس من كل الأمم: هل نكتفي بالقول: سحقت الكرامة القومية والمشاعر والحقوق الإنسانية واعتذر شاؤول موفاز، ولكنه وعد بمتابعة القصف والقتل والتدمير حتى استكمال الخطط والمخططات الموضوعة فقط، وسوف يتوقف عندما ينهي ذلك فاصبروا!!، وأن الرئيس بوش قال: " لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها"، وفي ذلك حكمة القوة الحاكمة وحكمها النهائي؟ هل نقول ذلك وتكون تلك نهاية المطاف في الهم والاهتمام والهمة؟!
كرب ورهب وكابوس مقيم.!!
في كل يوم تضاف إلى الدماء العربية البريئة المستباحة دماء، ويستهين بها من يستهين بحياة الإنسان وبحقوق الشعوب وكرامتها.. وينتهي الدرب بخاتمة مطاف خلاصتها: لا صوت مع الحياة ولا صوت مع الحق ولا صوت ضد الظلم في هذا العالم المقيت المحكوم بعنصرية بغيضة بلا ضفاف تفيض من تل أبيب وواشنطن نحو العرب والمسلمين.. ولا موقف يستحق الذكر في بلاد العرب والمسلمين من الاحتلال والقتل والاستباحة والظلم المدمِّر الواقع عليهم في بلدانهم .
فيا عرب اليوم لا تنسوا شهداءكم.. لا تنسوا أطفال فلسطين والعراق، الذين ينثرهم الاحتلال أشلاء في الشوارع، أو كتل لحم رخو تحت فضاء مكشوف بعد أن يدمر بيوتهم وأسرهم ومستقبلهم وآمالهم بالحياة.. ولا تنسوا من يلحق بكم الذل والضعف، ويفتح أبواب بيوتكم للمعتدين، ولا تنسوا رموز الإجرام والإرهاب الصهيوني القديم، ولا تنسوا جرائمها بحق غزة وجنين ونابلس وطولكرم وخان يونس ورفح، بل أضيفوا إليها جرائم جديدة وأسماء:" قائد الجبهة الجنوبية لجيش العدوان العنصري دان هارئيل، ورئيس الأركان موشيه يعلون ووزير ا"لدفاع" شاؤول موفاز، ورأس الإجرام والإرهاب والشر أرييل شارون." الذي يأمر جيشه بتنفيذ حملة "قوس قزح" في رفح ويشكره على حسن الأداء الهمجي، الذي دمر كل ما بنته رفح من بيوت.. لا تنسوا الرئيس بوش الذي يمول كل ذلك الإرهاب ويرعاه ويحميه بكل الوسائل والمحافل، وهو الذي قال في اليوم الأول لقتل رفح أمام " إيباك": " من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها" وقال بعد إطلاق الصواريخ وقذائف الدبابات اليهودية على المتظاهرين المسالمين المتوجهين نحو حي تل السلطان في رفح: و".. على إسرائيل والفلسطينيين أن يحترموا الأبرياء في الشرق الأوسط..! قال ذلك على الرغم من أن الضحية هم الفلسطينيون وحدهم، ومع ذلك يدعوهم بوش إلى احترام الأبرياء!و "على الطرفين أن يقوما بضبط النفس". وكأن على الضحية أن تضبط إيقاع تلقيها لسكين الجزار على إيقاع يراه الرئيس بوش مطلوباً. هل هناك أعمى قلب كهذا الرجل الذي يسعى لاهثاً وراء شارون لجعل العالم يشكره على مبادراته الشجاعة"!
لا تنسوا الوجوه التي تموء حقداً على العروبة والإسلام، وتنتشر منها الكراهية ضد الإنسانية في أرجاء المعمورة، وتتلذذ بالدم والتعذيب تلذذاً سادياً أنموذجه " أبو غريب" و " غوانتنمو"، وما خفي من ذلك في السجون والمعتقلات الصهيونية أعظم وأفظع... لا تنسوا من وضعوا القانون الدولي والشرعية الدولية واتفاقيات جنيف كلها وراء ظهورهم وراحوا يغزون الناس في بلدانهم ويقتلونهم في بيوتهم وأسرَّتهم، ويسوِّغون الاحتلال والتدمير والقهر باسم الحضارة والديموقراطية والحرية!! هؤلاء هم سبة في وجه البشرية وعار في جبين أمم تسكت عن ظلم الأمم، هؤلاء ينبغي أن ترفضهم الشعوب وتلفظهم شعوبهم أولاً، وأن يسجل التاريخ: أنهم دمروا الحياة والقيم والأخلاق والعلاقات السليمة بين الدول والشعوب والأفراد، واستهانوا بحياة الناس وأصبحوا الخطر الأول على السلام والأمن الدوليين، وعلى الحضارة والقيم ونظافة الحياة والدين والسلوك.
ولا تنسوا أبداً أن مجلس الأمن الدولي، قد اتخذ أخيراً قراراً بإدانة الكيان الصهيوني على جرائمه في رفح، ولم تشأ إدارة بوش أن تستخدم حق النقض بوجه هذا القرار بعد " مفاخرها" الكبيرة في " أبو غريب"، ولكنها لم تصوت إلى جانبه. وأنه بينما كانت " إسرائيل" تهدم بيوت أهل رفح وتقتلهم قتلاً شنيعاً بلا سبب، كان رئيس الأميركي قبل يومين من صدور قرار مجلس الأمن العتيد يتملق اليهود في المؤتمر السنوي للجنة الأميركية الإسرائيلية للشؤون العامة (إيباك) في واشنطن العاصمة، ويعلن أن " لإسرائيل الحق بالدفاع عن نفسها"، وكان سفيره كوفر بلاك أيضاً يتحدث في السابع عشر من أيار/مايو في المؤتمر ذاته عن ثقته بأن "بلدينا العظيمين ـ أي الولايات المتحدة وإسرائيل ـ سيقفان متكاتفين لمحاربة الإرهاب." وقال إنه سيتم تقديم الإرهابيين ومؤيديهم "للعدالة، أو سيتم نقل العدالة إلى حيث هم.. إننا في هذه المعركة معاً، وعلى المدى الطويل؛ لا يمكن أن يكون هناك أي مهاودة مع هذا الشر". وهو يعني المقاومة الفلسطينية والعراقية ضد الاحتلال التي يسميها إرهاباً، ويسمي احتلال الحليفين لأرض العرب والمسلمين، والممارسات المخزية لذينك الاحتلالين:" تحريراً ومقاومة للإرهاب"! ألا ساء العقل والحكم والمنطق والضمير.
في القرار الذي أناشدكم ألا تنسوه:" عبر المجلس عن قلقه البالغ من التدهور المستمر للوضع الميداني في الأراضي التي تحتلها إسرائيل منذ 1967 (...) ومن هدم المنازل الذي قامت به أخيراً إسرائيل القوة المحتلة في مخيم رفح للاجئين" و "يدين قتل المدنيين الفلسطينيين الذي حصل في منطقة رفح... وجميع أعمال العنف والإرهاب والدمار", ودعا المجلس إسرائيل إلى "احترام الواجبات التي يفرضه عليها القانون الإنساني الدولي".
وبعد صدور القرار العتيد قال دان غيلرمان مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة إن القرار "لم يدع إسرائيل إلى وقف نشاطاتها، ولم يدع إسرائيل إلى وقف هدم المنازل" و "سنواصل العمل الذي يتوجب علينا القيام به لحماية مواطنينا". لم يكن هذا القرار، على أهمية صدوره بعد استفحال خطر الفيتو الأميركي في مجلس الأمن الدولي، ليمر لو لم تقم الولايات المتحدة الأميركية بتجريده من كل فعالية في إعادة صوغ النص ليخلو من الإلزام، ووقف القتل والتدمير من جهة، وبعدم تصويتها إلى جانبه من جهة أخرى، وكأنها في امتناعها عن التصويت عليه تقول لشريكها " رجل السلام" شارون: نحن معك تابع..دافع عن نفسك وبلدك بإفناء الشعب الذي سرقت أرضه وحقه في الحياة.. افعل ذلك بقوة وسرعة كما فعلنا نحن بالهنود الحمر قبل عقود من الزمن.."! وهذا ما فهمه الكيان الصهيوني جيداً لأنه بعد صدور هذا القرار، وفي يوم الخميس 20 أيار 2004 تابع جيش الاحتلال التدمير والقتل، واستشهد ستة فلسطينيين ليرتفع عدد شهداء رفح خلال ثلاثة أيام إلى خمسة وأربعين شهيداً، وعدد الجرحى إلى مئات.. أما تدمير البيوت والمزارع ومقومات الحياة والبقاء فحدث عن ذلك ولا حرج.
لا تنسوا يا من يعنيهم أمر الحياة والحق والعدل والحرية.. وأمر الأمة العربية من أبنائها أن القاتل هنا وهناك واحد متحد في تحالف عضوي ضد العرب، وضد المسلمين، وضد الإنسانية التي يتدفق دمها بين مسارب الإرادات الجبانة والعنصرية العمياء والمصالح الملوثة بالدماء.. لا تنسوا، نسيتكم أمتكم إن نسيتم، يوم تدمير البيوت على ساكنيها، وتخطي حرمة العتبات المقدسة في النجف وكربلاء والكوفة وبغداد والقدس والخليل وبيت لحم، حيث المحتل يصهل بين ساح وساح ويخوض في دمنا المستباح.. لا تنسوا نسيتكم أمتكم إن نسيتم.
أيها الفلسطينيون.. أيها العرب لا تنسوا رفح ويوم الأربعاء الأسود..في 19 /5/2004 ولا تنسوا الفلوجة والرمادي وغزة وجنين والكوفة والنجف وكربلاء وبغداد..إلى آخر المدن والقرى المحتلة التي فتك فيها المعتدون.. ولا تنسوا أن لنا في العالم أصدقاء، وأن وعي الشعوب بدأ يعبر عن مواقف ضد العنصرية الصهيونية المتآخية مع العنصرية الأميركية المتطرفة ذات النزوع الإمبريالي البغيض، وأن بعض الأصوات الواعية بدأت تعلو بالنقد والإدانة، وتنادي بالمراجعة حتى في الولايات المتحدة الأميركية نفسها.. وإليكم هذا الصوت من هناك فهو يتوجه إلينا.
ماجي ميتشل سالم كاتبة أميركية ليست من أصل عربي تعترف بالخطأ، وتدعو إلى المراجعة، وتقول لنا ونحن في خضم محنتنا: " يقلقني أن بلادي فقدت أرضيتها الأخلاقية، وأن ماضينا الثوري المفعم بالكبرياء طواه النسيان ونحن نتحدث عن الديمقراطية بينما نسحق المعارضة... إن ثقتكم بنا ينبغي أن تكون مثابرة. وأشعر بالقلق من أن أفعال البعض قد شوهت نظرتكم إلى جميع الأميركيين. وإذا كنت قد قلت يوم الثاني عشر من سبتمبر 2001 إن عدونا لم يكن "السعوديين" أو "العرب" أو "المسلمين"، وإنما قلة من المتطرفين الذين اختطفوا القضية الفلسطينية والإسلام ليتوافق ذلك مع أغراضهم، فإن بوسعي، من ثم، أن أطلب منكم أن تظهروا الموقف نفسه تجاه شعبي وبلدي وديني.".
هذا مطلب عادل ينبغي أن يتحول إلى تيار كبير في العالمين المتناقضين لينقض معمار الشر والعنصرية والعدوان والاحتلال والاحتكار والاستعمار ويفضح ذلك الوباء والسائرين في ركابه عمالة وشراكة وفساداً أو إفساداً، كي تعود للناس طمأنينة وثقة ويعود أمل للإنسان بالإنسان.. ولكن علينا ألا ننسى دمنا وأرضنا وضعفنا الذي أوصلنا إلى ما وصلنا إليه.. لأن الذاكرة المثقوبة والإرادة المنهوبة والوجود الضعيف والثقافة المخترقة والعقلية التابعة، كل ذلك أوصلنا إلى هذا النوع من الاستباحة لكل دمنا وحقوقنا وأرضنا ومقدساتنا وكرامتنا..
فيا عرب لا تنسوا.. ويا عرب: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.".
دمشق 20/5/2004
|