|
هوامش على بيان الشركاء
انتهى اجتماع الدول الصناعية الكبيرة الثمان يوم أمس الخميس 10/حزيران في سي إيلاند جورجيا ـ الولايات المتحدة الأميركية، وصدر عن الاجتماع بيان يهم منطقتنا، حمل اسم المجموعة التي أطلقت على نفسها "شراكة من أجل التقدم والمستقبل المشترك مع الشرق الأوسط الكبير وشمال إفريقيا". ونحن نذكر مشروع الرئيس بوش " الشرق الأوسط الكبير" الذي قرر أن يعرضه على هذا الاجتماع عندما أطلقه في وقت سابق من هذا العام، ونذكر ما رافقه من رفض عربي عام على الصعيدين الرسمي والشعبي نظراً لما حمله من مضامين وتوجهات استعمارية فوقية، وخطط سياسية ترمي إلى التدخل المباشر في شؤون المنطقة العربية، ووضعها تحت السيطرة، وفرض هيمنة أميركية "إسرائيلية" عليها، وتغيير منظومات قيمها، ومقومات هوية شعبها وجعلها ملحقاً بالإمبريالية الأميركية المشبعة بالجشع للنفط والنفوذ.
وحين ثارت موجة الرفض والاحتجاج بوجه الرئيس بوش وإدارته لا سيما بعد فضيحة سجن "أبو غريب" وانكشاف إدارته وديموقراطيته و"أبوته الاحتكارية المطلقة"! " لحماية الحرية والدفاع عن حقوق الإنسان" التي أخذت تثير سخرية مرة أمام العالم كله. بدأ يتراجع، وأخذ يراجع مصطلحاته وتوجهاته ومبادراته شيئاً فشيئاً، وأيقن بأن الكثير مما في جعبته السياسية من مواقف وأفكار و" أخلاقيات" وآراء وتوجهات أملتها العناصر الصهيونية عليه، وعلى إدارته لا بد من أن يخضع للمراجعة والمرونة كي يحسِّن وجه أميركا، ويكسب الجولة الانتخابية القادمة من جهة، وكي يزج حلف الأطلسي و" المجتمع الدولي " في العراق على غرار ما فعل في أفغانستان، حيث يدمر ويخرب ويحتل، ويجيء بقوى دولية لحفظ الأمن، وفرض السيطرة لتتفرغ بلاده لنهب الثروات، وتذهب قواته لتدمير بلد آخر كلَّفه " الرب " بتدميره واحتلاله لنشر " الديموقراطية والحرية" في ربوعه، وليحقق نداء التاريخ الذي يؤرقه!! وكل ذلك الذي يتم عملياً في إطار المشروع الصهيوني ـ الأميركي الإمبريالي: تدمير قوى المنطقة العربية، وتخريب قيمها، ومقومات ثقافتها وهويتها وخصوصياتها لخلق "شرق أوسط كبير" يكون الكيان الصهيوني عنوانه ومرتكزه وهدفه واللاعب الأكبر فيه، ويبقي العرب بلا قضية ولا ذاكرة، كي تستوعب المنطقة الكيان الصهيوني متغاضية عن كل ما يتصل بجرائمه واحتلاله لفلسطين وطرده لشعبها، وتنكره لحق هذا الشعب في العودة إلى بلده، وممارسة حقه المشروع في تقرير المصير فوق ترابه المحرر بسيادة تامة!! فالوضع الجديد الذي يراد للمشروع الجديد أن يخلقه يمسح الذاكرة العربية من كل ما فيها مما يتصل بهذا الموضوع ويلهيها بفتات مشروع يكون فيه الصهيوني ـ الأميركي سيداً ومعلماً وممولاً وحامياً.
وقد بدأ الرئيس وإدارته عملية استعادة الوعي بأهمية استقطاب شركاء، والعودة إلى أحضان الشرعية الدولية، ولو بنسبة معقولة حتى يداري عورات الإدارة التي انكشفت في الداخل والخارج، ويخفف من الضغط العالمي عليه، ويرفع مظلة مجلس الأمن فوق أفعاله ليكسب الناخبين في الداخل، ويقلل الخسائر المعنوية في الخارج.
ومن هنا جاءت ملاينته المشهودة في موضوع مشروع القرار 1546 بشأن العراق، وقد لاحظ الجميع هذه المرونة التراجعية في مواقف الأميركيين وعبر عن ذلك شرودر حيث قال: "كان ثمة تغيير استثنائي في السياسة الخارجية الأميركية". ولكن تلك ملاينة تركت القرار مصيدة، وإن سمحت بمجال واسع لقضم بعض قضبانها من الخارج بأقوال قد لا تصمد، ولا تقدم ولا تؤخر إذا ما استطاع المحافظة على حكومة عراقية تقودها الـ C.I.A بشكل مباشر مع غلالة صفيقة من التصريحات التي تقدم العمَالة والخيانة بوصفهما "وجهة نظر" و" حالة نضالية"!! ولا تستحي بتعامل من ذاك النوع. وفي وضع كهذا ومعايير كهذه ما الذي يمنع عميلاً ما تعاون مع أجهزة المخابرات الأجنبية ليصل إلى السلطة في بلده من أن يتعاون مع تلك الأجهزة للمحافظة على وجوده في السلطة عندما يصل إليها، ويقدم في سبيل ذلك كل شيء!!.
لقد رفض الرئيس الفرنسي جاك شيراك زج حلف شمال الأطلسي في العراق كما حصل في أفغانستان، وتمسك بموقف ينسجم مع موقف بلاده التي رفضت العدوان على العراق أصلاً في اجتماع مجلس الأمن الشهير، وكان للرئيس الفرنسي موقف يشكر عليه من موضوع مبادرة الشرق الأوسط كما طرحت من الأميركيين، وعبر عن موقف ينصف العرب وسواهم حين يتعلق الأمر بقضايا هي من صميم تكوين الإنسان وطبيعته مثل الحرية والديموقراطية وبأمور تتصل بالخصوصيات ومنها الخصوصية الحضارية، حيث انطلق شيراك من منطق سليم واحترام للآخرين أملته معرفة بالتاريخ ومبدئية تقوم على وعي حضاري فقال: "إن التغيير لا يجب ولا يمكن أن يفرض من الخارج"، وإن "الدعم للإصلاح في المنطقة سيمضي خطوة خطوة مع تأييدنا لتسوية عادلة وشاملة ودائمة للصراع العربي الإسرائيلي، تقوم على قرارات الأمم المتحدة".. "علينا أن نكون مستعدين للمساعدة، لكن يتعين علينا أيضاً أن نحرص على ألا نستفز.. إن ذلك قد يغذي التطرف والسقوط في الشرك القاتل لصدام الحضارات.. في أماكن عابقة بالتاريخ والرموز" و "كل تدخل للأطلسي في هذه المنطقة يبدو بالنسبة لنا أنه يحمل مخاطر كبرى، بينها نوع من خطر حصول اصطدام بين الغرب المسيحي ضد الشرق المسلم".
وأكد أن "هذه الدول ليست في حاجة إلى "مبشرين بالديموقراطية.".
ونحن شعوب ترى الحرية جزءاً من التكوين الطبيعي الفطري للإنسان، وهي تردد القول الموجز في هذا المجال: " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً"؟ وهي تتعلق بها وتموت من أجلها في فلسطين والعراق، وناضلت من قبل وما زالت ضد الاستعمار عدو الحرية وضد الطغيان والطغاة!! ونحن شعوب تؤمن بالمساواة وتناضل من أجلها، ومن المستغرب عندنا حديث من يقدم لنا اكتشافات مذهلة من مثل " إن الإسلام ينسجم مع الديموقراطية"! إننا مع المساواة والعدالة والحرية، وتلك مقومات الديموقراطية وهي جزء من الفطرة التي فطر عليها الإنسان، والإسلام يحترم هذه الفطرة.. ولكننا لا نرى أميركيَّ: " إبادة الهنود الحمر، ومستعبد الأفارقة السود، والقنبلة الذرية في هيروشيما وناغازاكي، وسلاح الأورانج في فييتنام، وصاحب فظائع سجن "أبو غريب"، ونصير الصهيونية والعنصرية والجريمة التي يمثلها شارون..إلخ" لا نراه داعية نظيفاً ونزيهاً وقدوة ومحرراً في هذا المجال، ولا نحتاج إلى مبشرين من هذا النوع.. فشكراً شكراً جاك شيراك.
في بيان الشراكة كلام جميل، وتوجهات عامة لا يقف الإنسان ضدها على ألا تكون ملغمة بسوق المنطقة وأهلها في حقل ألغام تفضي نهايته إلى الدخول في شراكة مع العدو الصهيوني من جهة، وتجعل الكثيرين من أبناء الأمة ومعظم أقطارها في جيب الأميركي والصهيوني من خلال التحكم بالمال، وفرصة العمل والمصير، واستقطاب الأشخاص في صفوف أجهزة الاستخبارات الغربية، وإفساد كل ما يتصل بالأمة وحقوقها وقضاياها الرئيسة وتقارب أقطارها ووحدة أبنائها. وحين نبدي تخوفاً من ذلك إنما نقرأ السجل القديم الجديد المتجدد الذي كانت فيه الإدارة الأميركية وراء طغاة واستبداد وحروب بين العرب والعرب، والمسلمين والعرب، والمسلمين والمسلمين، كما كانت وراء إفساد ضمائر وتنصيب حكام لا يحترمون القانون ولا الإنسان ولا معاني الوطنية والمواطنة، وكانت الإدارة الأميركية مع ذلك تحميهم لأنهم يحمون مصالحها ويحتمون بها ويشكلون بعض مظاهر قوتها ونفوذها في المنطقة بصرف النظر عن الحريات والديموقراطية وحقوق الإنسان.
لقد قال الكبار في بيانهم: " نحن نعلن تأييدنا لإصلاح ديمقراطي، اجتماعي، واقتصادي ينبثق من تلك المنطقة. " وهذا كلام مختلف عن الكلام الذي تطلقه الإدارة الأميركية، ولا يمكن أن يتم إصلاح في ظروف الاحتلال واستنزاف الثروات والتهديد بالعدوان وفرض الحصار وتسليح الكيان الصهيوني بكل أنواع السلاح، ووضعه فوق القانون والتغاضي عن جرائمه، وعن أسلحة الدمار الشامل التي يملكها ويهدد بها الآخرين. فأين الكبار من عدالة جوهرية في هذه القضايا الهامة، والرئيس بوش يتمدد وينذر ويتوعد ويتهم المقاومة المشروعة بممارسة الإرهاب، ويسمي من يدعمونها بمشروعية أخلاقية وقانونية رعاة للإرهاب"، وينسى أن الاحتلال الصهيوني لفلسطين والجولان وجنوب لبنان، والاستيطان فيهما الممول أميركياً، واحتلال بلاده لأفغانستان والعراق، وممارسات قواته وقوات حليفه الصهيوني كل ذلك يشكل أسوأ إرهاب وأكبر معوق للنمو والديموقراطية والحرية في المنطقة، وأن التخلص من ذلك أساس الانطلاق نحو الإصلاح وتوفير الظروف الملائمة للشعوب لتقوم بتحرير نفسها من القيود الخارجية المفروضة عليها، ومن القيود الداخلية التي تكبلها بسبب من فرض الموت والدمار عليها، ومحاصرتها بمخاطر خارجية تجعلها تقبل الواقع المر خوفاً من القادم الأشد مرارة، وكل ذلك يأتي من أعدائها وممن يدعم أولئك الأعداء! إن الرئيس بوش مستمر في سياساته العدوانية فهل تستطيع دول الشراكة ثنيه عن تلك السياسة التي تقوم على الضربات الاستباقية، والهجوم على من يتوقع أنهم قد يشكلون قوة بعد قرون تطالب بحقوقها وتحمي مصالحها!! قال الرئيس جورج بوش من خطابه في كولورادو يوم الأربعاء 2/6/2004: " الحرب على الإرهاب هي حرب تخوضها المدنية. وكما في الكفاح في مطلع القرن الماضي، فإن الأمم المتحضرة تشن هذه الحرب سوية. سنضرب الإرهابيين قبل أن يتمكنوا من ضرب شعبنا. إن أفضل طريقة لحماية أميركا هي أن نظل في موقف الهجوم. ولذلك فإنني وضعت مبدأ واضحا هو أن من يرعون الإرهاب سيُحمّلون المسؤولية وسيحاسبون بدرجة متساوية عن الأعمال الإرهابية. سنحول دون بزوغ دول يسيطر عليها الإرهابيون. إننا نحرم الإرهابيين من الانتصارات الأيديولوجية التي يسعون إلى تحقيقها بالعمل من أجل تحقيق الحرية والإصلاح في الشرق الأوسط الكبير." وهو يصنف كل من يقاوم الاحتلال إرهابياً، وكل من لا يخضع للإرادة الأميركية الصهيونية إرهابياً..إلخ! نحن ضد الإرهاب ونحن من ضحاياه، ولكن لماذا لا يريد الرئيس بوش أن يعقد مؤتمراً دولياً لتعريف الإرهاب في ظل الأمم المتحدة؟!، ولماذا لا يرى في أعمال شارون " رجل السلام بنظره" إرهاباً!؟ ولماذا يصر على وصم الذين يدافعون عن أوطانهم وأنفسهم في فلسطين ولبنان والعراق بأنهم إرهابيون؟! وهل يمكن أن يطالبه شركاؤه في "الحرب الحضارية" التي يتوعد الآخرين بها بتحديد موقف على أساس قانوني أخلاقي علمي موضوعي سليم ودقيق من موضوع الإرهاب وتعريفه، ومن العدوان وكيفية ردعه، ومن أسلحة الدمار الشامل التي يلاحق بلداناً بتهمتها، ويغض النظر عن بلدان تملكها، وتملك ترسانة كبيرة منها وتهدد شعوباً بها؟!.. ولماذا يقف ضد مشروع قرار يدعو إلى جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل بكل أنواعها.. أليس من أجل حماية " إسرائيل " العنصرية الإرهابية المحتلة التي يضعها فوق القانون؟!
لقد جاء في بيان الشركاء الكبار شيء مما يستحب ظاهره ويكمن الغش في باطنه، ويتمنى المرء لو أن باطنه كظاهره وأن تتطابق فيه الأقوال مع الأفعال على طريق العدالة عند التنفيذ من مثل نص الفقرة الخامسة من البيان:
5 ـ إننا بإطلاقنا هذه الشراكة، نتمسك بالمبادىء التالية:
- إن تقوية التزام المجتمع الدولي بالسلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط الكبير وشمال أفريقيا هو أمر أساسي.
- إن حل النزاعات الطويلة الأمد، المريرة في غالب الأحيان، وخصوصاً النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني هو عنصر مهم من عناصر التقدم في المنطقة.
- في الوقت نفسه، النزاعات الإقليمية يجب ألا تكون عقبة في طريق الإصلاحات. بل الحقيقة هي أن الإصلاحات يمكنها أن تساهم مساهمة مهمة في حلها.".
ففي هذا النص مثلاً: تمويه على لغم بُثَّ منذ سنوات يكمن في حديث عن منطقتين عربيتين يراد لهما أن تكونا منفصلتين هما وفق التعبير الأميركي ـ الغربي ذي المنشأ الصهيوني: الشرق الأوسط و شمال إفريقيا، أي تجنب الحديث عن وطن عربي تجمعه جامعة دول عربية هو عملياً منطقة واحدة ذات صلة جوهرية وجذرية بالصراع العربي الصهيوني.!
وفي النص أيضاً محاولة تهميش لدور الصراع العربي الصهيوني في موضوع الإصلاح والحرية والديموقراطية في الوطن العربي مع أن ذلك جوهري في كل ما يتصل بالمنطقة من عوامل استقرار وتقدم وتخلف وتغيير في الساسة والسياسة.
قال الرئيس بوش في خطابه في كولورادو جملة أحب أن أنطلق منها وأبني عليها وأختم بها قال:" لقد أزلنا دولة ترعى الإرهاب ولها تاريخ في استخدام أسلحة الدمار الشامل، وأصبح العالم كله في حال أفضل مع وجود صدام حسين داخل زنزانة بالسجن." وأقول مع تأييدي لوضع كل المسؤولين عن عذاب الشعوب وتدمير الحضارة، ومن يملكون أسلحة دمار شامل ويستخدمونها ويهددون الآخرين بها في زنزانات: إن العالم كله بما فيه الولايات المتحدة الأميركية سيكون أفضل عندما يكون كل العنصريين والمتعصبين والمتطرفين وهو واليمين الصهيوني المتطرف في بلاده خارج الحكم على الأقل، وأن نشر الحرية في شتى أنحاء العالم وليس في الشرق الأوسط فقط كما قال "هو الأمر المحتوم في عصرنا." أيضاً كما قال في مؤتمره الصحفي الأخير.
دمشق 11/6/2004
|