|
فيلق المحتطبين بليل
أستشعر حاجة ماسة إلى إعادة تأكيد أهمية الانتماء الحضاري والديني والقومي والوطني في حياتنا وتعاملنا وسلوكنا وثقافتنا ومرجعيات تفكيرنا، وفي الفكر الذي ننتجه أو يروَّج لـه هذه الأيام في وطننا بين مواطنينا، وحاجة أشد وأكثر إلحاحاً إلى الاحتكام إلى معيار خلقي واجتماعي ووطني موضوعي يعرض عليه حتى ما كان من البديهيات مثل: الانتماء ـ الوطني ـ القومي ـ الخلقي ـ الحضاري.. إلخ، بعد الزلزلة المتكررة التي تصيب تلك المفاهيم بالتشويه والانهيار والتدمير، وبعد أن اختلط الحابل بالنابل في مجالات حياةٍ عدة، وتم تشويه القيم والمعايير والمفاهيم والمصطلحات بصورة منهجية مدروسة لتمرير مخططات وبرامج ومشاريع استعمارية كبيرة لا يمكن أن تمر في ظل معايير قومية ووطنية وخلقية واجتماعية واضحة تستند إلى قيم وأسس موضوعية علمية دقيقة وسليمة، وحقائق انتماء شامل واع وثابت: لأمة وثقافة وعقيدة وقيم وتاريخ. وتستمر الزلزلة، ويستمر تلويث حياتنا وأفكارنا وقيمنا بأشخاص وأفعال وأقوال وأفكار مما يُحكَم عليه ولا يُحكَم لـه في معظم الأحيان، ومما لا يصح التعامل مع معظمه أصلاً على أي أساس ومعيار وطنيين سليمين، بعد انكشاف ارتباطه وارتباط أهله بالمخططات والقوى والبرامج المعادية للأمة.. وتصنيع ذلك النوع من السلاح وتصديره أحكاماً ومفاهيم ومعايير وصفات وطنية وقيمية جديدة، ووضعها في التداول، وتعويمها في السوق الاجتماعية والسياسية والإعلامية، من مثل وطنية العملاء والخونة ورجال المخابرات الأجنبية وتسنيمهم سدة الحكم و"تسليمهم" مقاليد أوطان وشعوب، ورفع ذلك النوع من " التغيير والإصلاح" أنموذجاً للإصلاح والتغيير والحرية والديموقراطية والأوطان الجديدة.. وتطويب مشروعية الاستعانة بالمستعمر والعدو والمتآمر لتحقيق مطالب ومطامع شخصية وفئوية ضيقة، وتصفية حسابات داخلية، على حساب الوطن والهوية والأمة والعقيدة.. وعلى حساب البراءة والحرية والديموقراطية...
لا بد أن تتم عملية مراجعة مسؤولة واستدراك جاد وسريع لهذا الغائب، أو المغيب الذي يكرهه المستعمرون والعنصريون والطغاة وقصار النظر: سلّم المعايير الشامل السليم والمفاهيم الصحيحة ومنظومات القيم الخلقية والوطنية والقومية والإنسانية والحضارية، لا بد من أن يتم ذلك على أرضية من الوعي المعرفي العميق والسلامة الخلقية الصلبة والانتماء القومي والوطني الواضح، والرؤية الحضارية والإنسانية المنفتحة من جهة، وعلى معرفة دقائق الواقع واحتياجات الناس، وما يعتمل في الحياة اليومية، وما يبنى على معطيات ذلك كله من جهة أخرى، لا سيما في هذه الظروف التي نمر بها ويمر بها وطننا ونضالنا وقضيتنا المركزية قضية فلسطين، وحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، وعلى رأسها حق العودة وحق تقرير المصير.
إننا نغرق في خضم دعاوى الإصلاح والتغيير ومشاريعهما وتداعياتهما، ويجد المرء نفسه بمواجهة استحقاقات ومطالب ووقائع بعضها مشروع وبعضها مدسوس يصادر على المطلوب، مما قد يرضيه أو قد يغضبه وقد يغيب صوابه ويغيب عنه الصواب، ويجد نفسه أيضاً بمواجهة آراء وأفكار ودعوات مما لا يمكن تجريده من الشبهة والإغراض والهوى والدعاية المباشرة لمشاريع وأنماط حياة وتفكير وتدبير تخدم أعداء الأمة والطامعين بها في نهاية المطاف، ويؤدي إلى إضعاف المقاومة الذاتية أو الممانعة الشعبية والرسمية الوطنية والقومية، وتصب في مسار إضعاف الهوية والشخصية والبنى الروحية والاجتماعية للأمة، ومما يدخل من مداخل ما يعرف" بكلمة حق يراد بها باطل"، فيخشى من تمويه ينطلي على كثيرين وتشتد خطورته على الجميع حاضراً ومستقبلاً، كما يجد نفسه بمواجهة استحقاقات إن هو لم يستجب لها في التوقيت الملائم وضع نفسه ووطنه وأمته في الموقف الصعب الذي لا يريده أصلاً ويقاوم أسبابه.
لقد كثرت في حياتنا الثقافية والإعلامية والسياسية والاجتماعية، العربية والإسلامية على الخصوص، الظواهر والمناسبات والوقائع والوثائق التي تقدم أشخاصاً وأفكاراً ومشاريع وبيانات ودعوات تسوِّغ التدخل الأميركي ـ الصهيوني في شؤوننا الداخلية وفي تفاصيل حياتنا وثقافتنا وسياستنا واقتصادنا وسلوكنا اليومي وأصول معاملاتنا وأعرافنا وتقاليدنا، وهي تدعو إلى ذلك التدخل و" تُشَرْعِنَه" وتنادي به بوصفه طوق نجاة من الإعصار في محيط العصر الذي لا بد من الإبحار فيه، و" تمُنُّ" علينا في أثناء طرحها لبضاعتها الاستعمارية في السوق العربية بألفاظ وصفات وأحكام وأساليب خطاب فيها من الوقاحة والتطاول والغطرسة التي تنم عن جهل وجاهلية الشيء الكثير.. استناداً من أفراد ذلك الفيلق إلى جدار النار العنصري، والدولار الأخضر، والممارسات " الخلقية" الفذة للقوة الإمبريالية الأميركية ـ الصهيونية المتغطرسة العمياء التي هم طلائعها وجنودها العاملون لمصلحتها من داخل البيت العربي في "جبهة ثقافية واجتماعية وإعلامية داخل الجبهة الداخلية العربية، وفي عمق حقولنا المعرفية والتربوية على الخصوص. وهي تستهدف وطننا العربي وعالمنا الإسلامي قيماً ومقومات، وقضايانا القومية وعلى رأسها قضية فلسطين في المجمل والتفصيلات، وتقدم لنا، أو تعدنا بأن تقدم لنا بعض الفرص وبعض الفتات مما ننتجه ونملكه ونقدمه لها.
وأصبح الداعية من أولئك الذين ينتمون إلى تلك الدولة ويقيمون فيها ويحملون جنسيتها يدخل إلى بيتنا من باب أصله العربي متقنِّعاً بقناع "العالِم الرصين" والعارف الكلي المعرفة، و" النبي" المعصوم من الخطاً والخلل والزلل، يضع خنجره تحت إبطه ويرفع صوت سيده.. ويقتحم كل الأصول المنطقية والعقلانية والعلمية والمعرفية والخلقية والاجتماعية بروح راعي البقر وسوطه وحصانه وتاريخه الدموي، ويستبيح حرمات رسخها النضال البشري، والمستوى الحضاري، والفكر والوعي الإنسانيان، والتاريخ الممزوج بالدم والدمع والعرق والمعاناة لشعب متجذّر في أرضه وثقافته وخصوصيته الحضارية، شعب يدفع عن هويته الغزو والمحو والهمجية المتوحشة التي تتسلل إليه تحت القناع " الحضاري المستمد من تقنية" لا تحترم الحياة البشرية ومنتجاتها الحضارية وقيمها الرفيعة، شعب يريد أن يبني ذاته ويستعيد دوره في الحضارة الإنسانية، ويتطلع إلى التقدم والتحرر على الرغم من العدوان والاحتلال والقتل والنهب والتهديد والحصار والعنصرية الدموية والاستكبار المقيت.. نعم إنه يستبيح ذلك بغوغائية وعجرفة وتصعير خد للناس والتاريخ والأديان، وباتهام للآخرين بالغوغائية.. تماماً مثلما يفعل الرئيس بوش والإرهابي شارون اللذان يستمران في أدائهما العدواني الإجرامي الإرهابي تحت شعار محاربة الإرهاب على الرغم من صرخات الاحتجاج داخلياً وخارجياً، والمخالفات الصارخة للقانون الدولي والاتفاقيات الأعراف الدولية". ولا عجب أن يستمر ذلك كذلك.. إذ من يوقف " "بلدوزراً" يعمل على المازوت ولا يحكمه أو يقوده العقل والضمير". ومن يقنع " أنبياء" العصر الكذَبة أولئك بالخطأ والخطر اللذين يقلقان العالم ويؤسسان للفوضى والإرهاب والكوارث البشرية، ويدمران الاعتماد المتبادل والثقة المتبادلة بين والدول والأمم؟! قد يضج الضمير بقلق مشروع ويصطخب الاحتجاج والاستنكار في نفوس وصدور كثيرة ويتفجر كلاماً وبيانات.. ولكن من يقنع "الديكتاتوريات " الديموقراطية الجديدة ـ نعم تعجبوا من مصطلحات في جوفها التناقض لكنها من منتجات السياسة الأميركية الصهيونية الجديدة التي تدعونا إلى الانسجام مع التناقض وازدواج المعايير ـ بأنها تجاوزت المنطق والعقل كل القوانين والحدود وقدرة الناس على الاحتمال. لقد أفلت زمام ديبلوماسيين أميركيين منتمين ورصينين ومنضبطين أسموهم "فريق الجِمال" لطول خدماتهم وكثرة تحملهم وصبرهم من جهة، ولمعرفتهم ببلادنا أو "صحرائنا"، أفلت زمامهم لكثرة ما رأوا من تجاوزات، ولمسوا من أضرار ببلدهم وبأصدقائهم وبالمنظمة الدولية والقانون الدولي فقالوا: إن "الرئيس بوش اتخذ منذ البداية موقف الغطرسة في ما يخص دور أميركا في العالم, معتمداً على القوة العسكرية والاقتناع بالتفوق الأخلاقي, من دون حساسية تجاه ما يقلق الحلفاء والأصدقاء التقليديين, ومزدرياً الأمم المتحدة. وبدل البناء على القوة الاقتصادية والأخلاقية العظيمة لأميركا لقيادة الأمم الأخرى, في حملة متناسقة للتعامل مع مسببات الإرهاب وخنق مصادره, فإن الإدارة, مدفوعة بالأيديولوجيا أكثر مما هي مدفوعة بالتحليل العقلاني, انطلقت لوحدها, وقادت الولايات المتحدة إلى حرب سيئة التخطيط ومكلفة, يحيط الغموض بكيفية الخروج منها. وبررت غزوها العراق من خلال التلاعب بمعلومات استخباراتية غير أكيدة عن أسلحة الدمار الشامل, وأيضاً من خلال حملة انتهازية لإقناع الرأي العام بوجود علاقة بين صدام حسين و"القاعدة" وهجمات 11 أيلول. ولم تدعم الأدلة هذه الحجج".
ولكن قول " فريق الجمال" ذاك قوبل من إدارة الرئيس بوش بالمكابرة والغطرسة والتسفيه. وأظن أن ذاك هو شأن فيلق المحتطبين في ليل العرب العاملين في الجبهة الأميركية ـ الصهيونية المفتوحة على الثقافة العربية، فهم مثل سادتهم لا يقرون بالخطأ ويتعلقون بغطرسة "معرفية وخلقية" تعميهم كلياً، وتجعلهم يأكلون أمتهم ومن ثم يؤكَلون..
والهدف من هذا التخليط الذي يقوم به هذا الفيلق من العملاء العرب على الخصوص هو خلط الأوراق والأفعال والأقوال والأمور خلطاً عجيباً غريباً لا شفاء منه، والوصول إلى إحداث خلخلة في المعايير والأحكام والمواقف والأعراف والخيارات، ومن ثم تحقيق حالة مُثلَى من الارتباك والإحباط أو اليأس تصل بأمتنا إلى درجة إدانة الذات والشخصية والهوية والحضارة العربية الإسلامية، وإلى الرغبة في التخلص من كل شيء، بما في ذلك أو على رأس ذلك: القضايا العادلة، والخيارات الصعبة، وتلك الخصوصية القومية التي تسبب " الحرج والتخلف" والمواجهة.. ومن.. " ليصل التبشير بالفكر الاستعماري ـ الصهيوني الجديد إلى الحد المطلوب استراتيجياً في " تعشيب" الأرض وتمهيدها تماماً "للسيد" الأميركي ـ الصهيوني عبر العمل الدؤوب في حقول النفوس والعقول والمواقع الحصينة من جسد الأمة وروحها، ليقوم العدو وأعوانه من بعد بتدمير مقومات الانتماء والهوية والشخصية وقيم العقيدة ومقوماتها على الخصوص في كل المجالات ابتداء من النفوس والعلاقات وأرض الواقع، ومن ثم ينهون الصراع التاريخي البعيد والقريب كلياً لمصلحتهم.. في محاولة كتابة بداية لنهاية وجود الشعور والإحساس بالخصوصية العربية والإسلامية يصبح معها النمط الأميركي الصهيوني وعقيدته وثقافته، والمشروع الأميركي الصهيوني الاستعماري في مقدمة ما ينتصر ويسود ويتحكَّم ويُخدَم ويكتسح، في "شرق أوسط كبير" درج السياسيون والإعلاميون على ترويجه مصطلحاً للتداول ومشروعاً سياسياً للتطبيق الشامل، في حركة قضاء على حقوقنا وتماهٍ لوجودنا مع وجود عدونا الجاثم فوق صدورنا بدباباته وجنده وعملائه ومعاملاته.
لقد بدأت الأنظمة العربية جس نبض الشعب في الاستجابة لما يطلبه الأميركي ـ الصهيوني ويهدد بفرضه على أنه " انتصار الحرية والديموقراطية" على طريقته "صنع في أميركا". وأخذت تقدِّم أفراد "فيلق الحطابين العرب" وتجمع أفراده وتفسح المجالات الأوسع لهم مع حجب سواهم بطرق كثيرة، أو اختيار ما يساوي الحجب في الحوار عند المقارنة، كما أخذت تصغي إليهم من موقع المستلَب وتأخذ بمقولاتهم وأفكارهم، على أساس الدخول في مداخل الإصلاح من " منابعها"! لتتقرب بذلك من "السيد" الذي أخذ يكتسح تلك الأنظمة بأشكال من التخويف والإغراء والإفساد.
قد يبدو هذا غريباً ولكن..علينا ألا نستغرب أبداً لجوء ساسة إلى هذا النمط من تقريب فيلق المحتطبين بليل.. فيلق التخريب الشامل للهوية القومية والمفاهيم الوطنية والمعايير والقيم الاجتماعية والخلقية، وتدميره للبنى الروحية والنضالية العميقة لشعوبهم في أوطانهم، لأن السياسي الذي يختار أن يكون هدفه الأسمى أن يبقى في الحكم بأي ثمن، لا يضيره أبداً أن يدفع الوطن والقيم والشخصية والخصوصية والناس والمصالح، ثمناً لذلك النوع من البقاء ولمن يبقيه مطمئناً آمناً، ويحرس حكمه، ويرفعه فوق الشبهات في الحياة والممات.
إن حاجتنا لسلَّم معايير وقيم يحكم مجتمعنا، ويحتكم إليه مجتمعنا، من أهم الضرورات من وجهة نظري. والله أعلم بحقائق الأمور.
دمشق 18/6/2004
|