|
ما يقوله لنا الماء والدم
على وقع انسكاب الدم في أرض العراق وتعاظم أمر التآمر والمتآمرين فيه وعليه، وعلى مكانته ومستقبله ودوره الحضاري وموقفه القومي وموقعه التاريخي استعدت حكمة قرآنية في الكتاب الكريم تقول: " من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً."، شدتني تلك الحكمة الإلهية واستغرقتني كما لم تفعل من قبل، في ليل أشد من حلكته الظلم والافتراء اللذين تتسع دوائرهما ويشتد الخطر على الناس من جراء ذالك الاتساع، وأخذت تلك الحكمة تريني ذاتها في صور الحياة وأفعال الأحياء، ولا تقتصر على التجلي في قدرة الإنسان على العدل وبعث الحياة في النفس أملاً وعملاً وكرامة وحرية حقيقية وإرادة وجود، بل تتجاوز ذلك إلى المحيط الذي يلف الحياة بشقيه المادي والمعنوي، لتشير إلى حقيقة أن اكتمال مقومات الحياة، لا يكون باستكمال أسباب العيش لكل حي فقط بل بالتكامل والانسجام التامين بين مقومات الحياة فيه والعدالة التي يقيم أسسها الناس والدول والقوانين، وفي الضمير والعقل والتكوين القيمي الذي يحمي روح الإنسان من تدبير الشر، وفي البيئة والطبيعة والكون في انسجام تام من حوله.
وكان أن وقفت ذات يوم، طويلاً، عند ملتقى النيلين في الخرطوم: النيل الأبيض والنيل الأزرق، واستبدَّت بي مشاعر من نوع لم آلفه من قبل على وقع ذلك القول الكريم، وعاودتني تلك الحالة ذات وقوف عند ملتقى دجلة والفرات في القُرْنَة من أرض العراق وهما يشكلان شط العرب. وها هي الصورة بعبرها وشررها تعاودني اليوم وتعيدني إلى لقاءات من نوع فريد بين الشدة الظاهرة واللين القوي، وإلى حالات تلح علي فيها أسئلة كانت تؤرقني من قبل، وما زالت تفعل فعلها ذاك فيَّ بدرجات تتفاوت مع الأحداث وتواصلها، وكثافة الدم الذي يراق على جانبي شرايين الحياة تلك على الخصوص، وقسوة القلب البشري الذي يفعل ذلك أو يمر به من دون تأثر وتدبر، يجعلانه مستعداً لمراجعة الذات، وللقيام بفعل ما فيه تأثير واضح على الحدث ونتائجه، وفي الحياة واستمرار مجراها بقوة، ليكون بقاء، وتكون سعادة، ويكون نمو في ظل عدل وأمن من جوع وخوف. وزجَّني ذلك التداعي في تيار حزن وقلق متصاعد على ما يلاقيه الإنسان في وطني من موت، وما يواجهه من نمو شديد لفتنة يثيرها المحتل العدو والطامع في سطوة وسلطة وثروة وجاه، فيتلقفها بعض دمنا وينميها في الأوردة والشرايين، ويحيل بذلك الحياة إلى عبء على الأحياء، وما تبقى من علاقات أبناء الأمة إلى مِزَقٍ، في مناخ عربي مريض هو الأشد تمزيقاً لما تبقَّى من أواصر وصلات وقيم وعلاقات، والأكثر إضعافاً للقوة والأمن والأمان في كل جزء من أجزاء تكوينها!!
وقفت ذات يوم عند ملتقى النهرين، في موقعين من أرض الأمة أراقب انسياب الماء وتجليه خضرة ونضرة وحياة تتألق على مشارف الجوع والفقر والموت، وكانت أشباحها تزحف نحوي وتقترب من بعيد عبر أرجاء القارة السوداء وسواد العراق، وما خلفه الظلم والعدوان والاحتلال في عالمنا المريض، وقفت وبي هلع من الدم يُستَنزَف من أبناء العراق اليوم ينتثر في وجهي ويفرض علي أن أرى، ومن دم اسـتنزف من أبناء السودان بالأمس وفرض علي أن أشعر وأن أرى.. وقفت أراقب الماء وتمازجه، تنافره ثم تآلفه، نزَقه وتحديه وتمرده وعصيانه وثوراته العنيفة، ثم انصياعه لقانون الطبيعة وقانون الحياة ومعادلات القوة.. وأتلفت إلى قانون الدم وأقارب بينه وبين قانون الماء وقانون الحياة.
إن ولادة النيل من منحتين سماويتين متصلتين كولادة شط العرب من منحتين سماويتين كذلك، ليست قضية عابرة يمكن أن تتكرر من دون أن تثير في الإنسان الكثير، ولا يمكن أن يصنع الإنسان مثل هذه المنحة بيده ويجعلها تستمر، وتجدد معناها في كل لحظة لتجدد معنى القدرة ومعنى الحياة وتؤكدهما في كل لحظة أيضاً، وتقدم دروساً لأولئك الذين يعيشون على ضفتي النيل والشط عبر امتدادهما الطويل ليروا ما تصنعه المنحة الإلهية الكبرى:الحياة.. وما تحتاج إليه وما تفرضه وما يصونها ويحفظها ويبنيها ويجعلها مستحبة من جهة، وتكليفاً إلهياً سامياً ذا معنى من جهة أخرى.
في السودان رأيت النيل الأزرق بصخبه يجتاح المجرى الرئيس ويمضي مهيمناً إلى مدى قد لا يدركه البصر وتحار فيه البصيرة، وهو في عمقه وغزارة مياهه وشدة تدفقه وسرعة ذلك التدفق يخلِّف النيل الأبيض وراءه هزيلاً على الرغم من امتداده العرضاني الهائل وإيحاءاته التي لا تنتهي بأنه الأقوى والأعظم!! وفي العراق يقتحم دجلة بصخبه صدر شط العرب ويمضي فيه راسماً أوسمته، على ذلك الصدر البهي ويتطامن الفرات ويمضي بهدوء وحكمة مؤكداً هو الآخر نوعاً من الحضور الذي لا يعبر عنه مجرد الصخب!؟.
وتساءلت عن سر ذلك السكون الواثق في جانب من المجرى والصخب الماجن في الجانب الآخر منه في المجريين العظيمين، وعن دم صاخب في أوردة وشرايين بشرية يكاد يفجر المجرى وآخر هادئ واثق مطمئن يؤدي واجبه في الحياة، ولم يكن الجواب عن تساؤلي أكثر من التفكير في القدرة على العطاء واستشعار المنفعة الممتدة للحياة في الناس والأرض من منبع الماء والدم والنسغ الحي في الطبيعة والأرحام والطبائع.. من نقطة مختَصرَة هي التقاء النيل الأزرق بالأبيض في ولادة النيل العظيم، والتقاء دجلة بالفرات في ولادة شط العرب المهيب، وتألق الحياة في التقاء دم ولحم وروح في جسد وبيئة.
الكائن الحي أكبر من الأجزاء التي تكونه وأروع حضوراً، والنيل والشط في الموقعين أكبر من الأجزاء وأعظم وأشد قوة وأكثر منفعة وأروع حضوراً، وهما ينتشران كثيراً ويمتدان طويلاً في الأرض ويرويان الزرع وينميان الضرع ويسقيان الناس والماشية والأرض ويجددان الحياة ويحفظان مقوماتها، ويبحثان في الأمكنة التي يجتازانها عن محتاجين لمقوِّم الحياة الرئيس: الماء، فيزودانهم منه بالقدر الذي يريدون، وكأنهما راعيان مسؤولان عن رعيتهما يدقان على الناس أبوابهم سائلين عن أحوالهم، ويسيران متطامنين فاتحين صدريهما للحياة بغير علو أو غلو، وللعطاء بلا حساب، لا يدعي أي منهما لنفسه القوة المطلقة، ولكنه يعتز بأنه يقدم عناصرها الأهم لأكبر عدد ممكن من الكائنات الحية، ويصنع في جريانه مساحات الأرض الخصبة التي تجدد الحياة وتغنيها، وهو في جريانه المتطامن ذاك لا يجعل من شدته الواقعة تهديداً للخصوبة، وإماتة الحياة في معظم الأماكن والحالات والزمان، بل يحفظ سر تكونها حقولاً من العطاء المتجدد، وحين يفعل ذلك في ثورات الطبيعة يدمر الحياة ويجعل من ذاته عبئاً عليها. والدم يفعل ما يشبه ذلك في خلايا الجسد وحين يفيض من سواقيه يقتل ويجعل ذاته بلا قيمة وعبئاً على الأحياء.
ومن بعد، فقد تكوُّن النيل الأعظم وشط العرب من: صُرَعَةٍ يشتد على الأحياء أحياناً في سيره، ويدعوهم إلى الاستفادة من درس الشدة، ومن متكاسل في مشيته يترك للكسالى فرصة التقاط خيره والاطمئنان إلى كرمه والأمان في ظله، درس نقرؤه في الدم وسلوك الأحياء بطرق قد لا تكون محكومة بالحكمة. وفي الموقعين العزيزين نجد أمامنا هناك، من مفترق التشكل في الخرطوم، أو في القُرْنَة بداية شط العرب، إلى المصب المتشعب قرب الإسكندرية على المتوسط، أو في البصْرة على الخليج العربي، استمراراً للعِبَر والدروس ولمسيرة الحياة والتقدم والحضارة يصنعها انسجام هذين النهرين العظيمين الذي استوقفني بحكمة وتقدير، ليطرح عليّ سؤالاً أو ليجعلني أسترجع طرح الأسئلة: ما الذي يجعل فرعين من ماء يُحييان فرعين من أمة العرب في انسجام بعد اختلاف وصخب، ويجعل فرعين من دم، وفرعين من أمة العرب جمعهما الإسلام على حكمة الكتاب وحكْمه وهداهما النجدين، وقدم لهما مقومات الحياة في النيل والشط، اللذين يقدم كل منهما يومياً دروس الحياة والانسجام والوحدة والعطاء، ما الذي يجعل ذينك الفرعين، من الدم والناس يتباعدان عن بعضهما في نزق وصخب ويقتل كل منهما الحياة بتفجير الدم والحقد، في حين يقدم الماء لكل فريق دروس الحياة وبناء الحياة ومقوماتها؟! لماذا يقوم الموت بينهما كأنما يريد فلق النيل إلى نصفين وشط العرب إلى نصفين؟! وقد قضت حكمتهما وحكمة الطبيعة التي أوجدتهما أن في وحدتهما قوتهما، وأن في ذلك كله استمرار الحياة والازدهار؟! سيقول قائل حصيف هناك تدخل يفرض على أبناء الأمة ما لا يريدون.. إنه العدو الأميركي والعدو الصهيوني ومن يتعامل معهما، إنهما يفسدان الدم والناس والفكر والشعور والقيم ومقومات الحياة، وهذا صحيح.. هذا صحيح، وبعض الناس شر، ولكن ما الذي يجعلنا ننساق في مجرى الشر، وقد منحنا الله العقل، ولنا من عمر الحضارة والثقافة والتجربة ما يزري بما لدى كل الأعداء؟! ما لذي يجعل أمة عريقة ألعوبة بأيدي همج العصر الذين يسرقون الأمن والاطمئنان والثروات ومقومات الحياة ويريدون إراقة الدم البريء وأن يقتتل الإخوة العرب، والعرب والمسلمون، ليستتب لهم الأمر في أرض العرب والمسلمين؟!
في السودان شعب محب وفي العراق كذلك، وفي البلدين قدرات على بعث الحياة واستمرارها لا نهاية لقدراتها وحدودها إذا ما أحْسِِن استثمارها، وفي البلدين أيضاً احتياجات لا نهاية لحدودها إذا ما نظرنا إلى مطالب السكان وإمكانيات الازدياد، واحتياجات الناس إلى الأمن والاستقرار، ومتطلبات الأمن والعدل ذاتهما؛ وهناك مخاطر تلفُّ العراق والسودان وتستهدفهما: عروبةً وثقافةً وعقيدةً وهويةً وصدقَ انتماء، من احتلال مستمر وحرب أكلت الناس ووجه الحياة، ومن جراء تنفيذ مخططات تستهدف وحدة الأرض والشعب وحتى عقيدته واختياراته السياسية منذ سنوات، وهي حرب ومخططات استعمارية منهِكة يغذيها أعداء الأمة وأعداء العروبة والإسلام، وجهلة وحمقى من أبناء العروبة ومعتنقي الإسلام، وتتصل بتحقيق أهداف صهيونية واستعمارية. وقد خلَّفت وما زالت تخلِّف وراءها مآس ومجاعات وصراعات ومخاطر، ونقصاً في مكونات الحياة، ولا نتكلم عن مقومات الوعي والتقدم المعرفي والازدهار الاجتماعي.. وفي العراق ما هو أدهى من ذلك، وأمر، من مآس يسببها الاحتلال، وما يقوم به من تدمير منهجي للبلد، وزرع خلافات بين الناس وتغذيتها، وفيه حاجات بشرية لا يسدها أي مشروع مرتقب في ظل الفوضى والنهب، وتسدها حكماً حكمة الناس ولحمتهم في ظل الأمن والأمان والاستقرار والعمل من أجل الوطن، بعيداً عن تآلف المتآمرين وتحالفهم مع المحتلين والصهاينة الذين يؤسسون لحالات عداء مستمرة بين أبناء الأرض والماء والقومية والدين في أرض العراق، وجوار العراق، وفيما هو أبعد من أرض العراق وجواره، وفيه حاجات كثيرة وكبيرة، تسودها مساحات أرض السواد الخصبة، وثروات العراق العملاقة، حين يقوم اتفاق وتعاون على استثمار كل طاقات الشعب والوطن والإرادة الخيرة والروح العالية، في إطار متين من الثقة المتبادلة والحس الوطني العالي ورفع وحدة الأرض والمصير إلى درجة المقدس والمرعي الاعتبار في العقل والوجدان، وحين تصبح مقاومة المحتل قضية أولى وواجباً على كل فرد من أبناء الأمة، لتنكشف سماء العراق عن حرية يصنعها شعب العراق وليس إرهاب الاحتلال.
في وجه السودان تنتصب تحديات كبيرة بحكم الموقع والموقف والانتماء، وفي وجه العراق تنتصب تحديات أكبر بحكم الواقع والموقف وانتماء، وكل منهما يحتاج إلى مساعدة الأمة، وتحملها لمسؤولية تاريخية في هذه المحنة، وخروجها من دائرة الفرْجة التي يفرضها العدو الأمريكي ـ الصهيوني، أو تمارس لأنها ترضيه.
فلِمَ لا يقوم مثل ذلك التعاون الخلاق الذي يقدم الماء في النيلُ وشط العرب أنموذجه، وتفرضه الطبيعة والعروبة والإسلام والقيم الإنسانية، وتنبه إلى مخاطر الاستخفاف به الحادثات في عبر التاريخ ودروس الواقع؟. ولم لا تمتد يد الأمة المقتدرة إلى أرضها ومصادر ثروتها وخيراتها لتستفيد منها ولتؤسس جدياً لحمايتها من الطامعين بها، ومن أعداء الأمة الذين يضعون خطط الدمار والقتل والفتنة، ويريدون ضرب أهل البلاد بعضهم ببعض ليخلو لهم الجو، ويؤسسون للفوضى والقتل ليصبح خروجهم من أرض العراق مثلاً " كارثة" على حد تعبير أحد " المسؤولين" في أرض العراق!! ولماذا نستهين بالخطر الشديد الذي يتشكل حول المناطق القريبة من منابع النيل، والخطر الأشد الذي يتكون في شمال العراق حيث يعشش الموساد، ويقيم أوكاراً، ويشتري أرضاً من خلال عملاء، ويزرع لـه قواعد، ويتحالف مع من يريد تمزيق العراق وبلدان عربية وإسلامية أخرى، ليبقى الكيان الصهيوني مستمراً في الاحتلال والتوسع والتدمير، وتبقى الولايات المتحدة الأميركية مستمرة في نهب الثروات وإقامة القواعد العسكرية والسيطرة على مقاليد الشعوب.. تعبث بدمها وقيمها وثقافتها وعقيدتها وثرواتها ومصالحها، وتنقل معركتها إلى أرضنا كما قال قائلها وتبقى والصهاينة في وضع الهجوم.
هل نستسلم لذلك ونبقى كما يخططون لنا ويريدون منا: طاقات مهدرة، وإرادة مبتسرة، ودم يزري بالحياة، وماء يغرق الخصوبة، وأدوات الهجوم على أنفسنا بأدواتنا وأنفسنا لمصلحتهم، إن ذلك كثير على أمة ذات تاريخ وحضارة في ظل توسيع دائرة الشر واتساع مداه في أرض العراق بسبب الاحتلال ومشاريعه الموجهة للأمة ابتداء من العراق، وفي أرض فلسطين التي تعاني الأمة من جرحها منذ سنين، وفي مواقع كثيرة يفيض فيها الدم وتهدر طاقة العقل والإرادة والروح.
أعرف أن هناك معطيات وظروفاً ومناخ عمل، ومقومات ثقة وأمن وأمان نحتاج إليها ولا بد من البدء بتهيئتها، ولكن ذلك يبقى ضرورة تلي ضرورة وقف جريان الدم والماء في ثورة تدميرية تامة للإرادة والحياة ومقومات الوجود.. فهلا اتعظنا واستمعنا لما يقوله الدم والماء لنا فصنَّا حياة وحافظنا عليها.
دمشق 25 / 6 / 2004
|