صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الخامس) - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2004

اللقاء التاريخي بين دمشق وأنقرة

المشهد السياسي في المنطقة:" الشرق الأوسط"، كما يقول عنها كثيرون، يبدو مزدحماً بمعطيات جديدة بعد الزيارة التاريخية الناجحة للرئيس السوري بشار الأسد إلى تركيا، وهي معطيات تجعل التساؤل عن إمكانية حدوث تغيّر ملحوظ في التوجهات والخيارات والعلاقات أمراً مشروعاً، والسؤال عن مدى عمق ذلك وثباته واتساعه مطروحاً أيضاً. وقبل الدخول في أي توقع من هذا النوع، يحسن بنا التوقف عند العناصر الجديدة المؤثرة في ذلك المشهد، ومنها ما يدفع باتجاه حراك سياسي من نوع جديد. وفي هذا المجال نشير إلى المعطيات الآتية:‏

1 ـ الوضع في العراق بعد الاحتلال والمقاومة والفوضى والأزمات التي يعاني منها الشعب هناك، والتوجه السياسي نحو القول باتحاد "فيدرالية" قد يفضي إلى تقسيم على أسس عرقية أو مذهبية، وتصاعد حظوظ هذه الاحتمالات بعد التحرك في الشمال لضم كركوك إلى المحافظات التي يسيطر عليها الأكراد ويتم تسيير شؤونها بعيداً عن العاصمة بغداد منذ عام 1991: دهوك والسليمانية وأربيل، وقلق فئات وشرائح اجتماعية مذهبية وقومية داخل العراق من ذلك التوجه. وخشية بعض الدول المجاورة للعراق: تركيا وسورية وإيران، من تقسيم على نحو ما في العراق يؤدي إلى مضاعفات تؤثر سلبياً في استقرار المنطقة بكاملها، وفي توجهاتها المستقبلية وشواغلها الاستراتيجية. وقد كان لهذه الدول موقف قديم من موضوع تقسيم العراق، ووقفت بوضوح ضد هذه الفكرة منذ التسعينيات. وناقشت انعكاسات الوضع الحالي في العراق عليها، وكيفية مواجهة الأوضاع القائمة والاحتمالات القادمة في نطاق مجموعة الدول الست التي بدأت اجتماعها وتحركها قبل شن الحرب العدوانية على العراق، وقررت ضم العراق إليها بعد اجتماعها الأخير في دمشق إذا رغب العراق في ذلك.‏

2 ـ العلاقات التركية الأميركية بعد الموقف الذي اتخذته تركيا قبيل العدوان على العراق وبعد نشوب الحرب، حيث قررت عدم السماح بفتح جبهة للقوات الأميركية تنطلق من حدودها مع شمال العراق، مكتفية بالسماح للولايات المتحدة باستخدام القواعد الجوية، رافضة الإغراء المالي، ومستندة إلى برلمان ورأي عام تركي واسع يعارضان هذا التوجه. ولم يغب تأثير هذا الأمر سياسياً وأمنياً عن الساحة ولم تنته تفاعلاته، على الرغم من موافقة الحكومة التركية في وقت لاحق على السماح لقوات أميركية بالدخول إلى العراق من الموانئ البحرية التركية وعبر البر التركي.‏

وكذلك مجاوزة الولايات المتحدة الأميركية للرغبة التركية في التدخل في شمال العراق لمنع حدوث متغيرات إدارية وسياسية تؤثر على التركمان في شمال العراق، ووقوع أحداث وتحركات لم تستطع تركيا أن تمنع الكثير منها. الأمر الذي أحدث شرخاً بين بعض جنرالات المؤسسة العسكرية والقيادة الأميركية التي كانت تعتمد عليهم في الكثير من الأمور نظراً لعمق الشراكة والاعتماد التاريخي المتبادل. وقد أدى ذلك الشرخ إلى انعكاسات داخلية إيجابية على حكومة أردوغان، وعلى الديموقراطية التركية من وجهة نظر الحزب الحاكم، حيث أصبح هناك اطمئنان نسبي إلى وجود مؤسستين متمايزتين فعلاً تحترم كل منهما صلاحيات الأخرى، وتحاول ألا تتدخل قسرياً في شؤونها: المؤسسة العسكرية والمؤسسة الحكومية المدنية، أو بصيغة أكثر تحديداً وجود: مجلس الأمن القومي التركي الذي يسيطر عليه العسكريون بالدرجة الأولى، ومجلس الوزراء ذي الوجه المدني الرسمي. وحدوث مثل هذا "الفتور" الذي ينم عن تضعضع الثقة المتبادلة، والاعتماد المتبادل بين الأميركيين والعسكر، جعل الحكومة التركية تتخذ مواقف تعبر عن إرادة شعبية واسعة وتراعي المصالح التركية مع دول المنطقة وشعوبها، وتأخذ بالاعتبار البعد التاريخي والثقافي والانتماء الآسيوي والإسلامي بالاعتبار "إلى حد ما".‏

3 ـ التعاون السوري التركي الذي بدأ يحبو منذ عام 1999 إلى أن وصل إلى هذا المفصل التاريخي الذي أحدثته الزيارة، ويمكن البناء على معطياته مستقبلاً لتكوين علاقات قائمة على الثقة والتفاهم والتعاون، وتبادل المصالح على أرضية من الاحترام والاستقرار. ومن المعروف أن التحرك الإيجابي في هذا الاتجاه بدأ بعد أن اتخذت سورية بعض المواقف استجابة للقلق التركي بدأتها بالموقف من حزب العمال الكردستاني وزعيمه عبد الله أوجلان الذي غير محل إقامته وغادر سورية.‏

ومن المعروف أن العلاقات التركية السورية، التي كان الكيان الصهيوني يلعب في حديقتها الخلفية كما يشاء مستفيداً من نقاط اختلاف ما زالت معلقة، منها ما يتصل بالحدود والمياه، ويدرب قواته الجوية في الأجواء التركية، فيما كان يسميه الحديقة الخلفية لسورية، وينشر عناصر استخباراته على الحدود السورية، ويقوم بمناورات في البحر المتوسط مقابل الساحل السوري في استفزاز واضح، ورعاية أميركية شريرة، لهذا النوع من التحالفات والتهديدات، من المعروف أن تلك العلاقات التركية السورية، وصلت مرحلة خطيرة جداً من التوتر عام 1998 كادت تفضي إلى مواجهة عسكرية تركية سورية.‏

وبعد الاحتلال الأميركي للعراق أخذ الكيان الصهيوني، الذي حاولت عناصره المتمركزة في قيادة اليمين الأميركي المتطرف في البنتاغون والبيت الأبيض ومراكز الأبحاث والإعلام، أخذ يعمل لجعل سورية هدفاً تالياً مباشراً وسريعاً للقوات الأميريكية، مستفيدأ من الوضع الجديد الذي لخصه تهديد كولن باول لدمشق بالقول للسوريين في نغمة تهديد: "فكروا في أننا جيرانكم من الشرق". وبدأ الكيان الصهيوني حملة تصعيد مباشرة بعد أن تم إحباط خطط التدخل الأميركي في الشأن السوري عسكرياً بعد سقوط بغداد 9/4/2003 انتهت بالعدوان على موقع عين الصاحب قرب دمشق.‏

ولم تنجر سورية إلى مواجهة عسكرية في التوقيت الذي يحدده الكيان الصهيوني، ولجأت إلى مجلس الأمن الدولي، فأخذ التهديد الأميركي الصهيوني سمتاً جديداً من التصعيد بالتهديد والاتهام وبإصدار ما سمي " قانون محاسبة سورية". وتواكب التهديد الأميركي مع التهديد الصهيوني فحدث الآتي:‏

أ ـ رد شارون على استعداد سورية لاستئناف المفاوضات من النقطة التي انتهت عندها في جنيف، و تأكيد طلبها المقدم إلى مجلس الأمن الدولي، بجعل منطقة الشرق الأوسط خالية تماماً من أسلحة الدمار الشامل: النووية والكيمياوية والجرثومية، بما في ذلك الكيان الصهيوني، الذي يملك أكبر ترسانة من تلك الأسلحة مسكوت عنها، رد شارون بمخاطبة وزرائه: ".. لا حاجة إلى هتاف فرح. وعلى الوزراء ألا يكثروا الحديث عن هذا الموضوع. المفاوضات مع سورية ستبدأ من الصفر وليس من النقطة التي توقفت عندها".‏

ب ـ أخذ شارون ووزراؤه يعلنون خططهم المتعلقة بتكثيف الاستيطان في الجولان السوري المحتل بوقاحة متناهية، فوزير الزراعة الصهيوني "إسرائيل كاتس" يعلن صراحة النوايا الإسرائيلية في الجولان قائلاً: " لا يوجد هنا أي استفزاز، الجولان لنا وليس في نيتنا التنازل عنه. لقد حان الوقت لوضع الجولان على الخريطة كجزء من الاستيطان اليهودي في أرض إسرائيل".‏

ولنا أن نتذكر في هذا السياق، مع سيريل تاونسند، " تعهد الجنرال شارون للمستوطنين في 1979: "لن نغادر الجولان بأي ثمن, حتى لو كان السلام مع سورية". ويعلق تاونسند قائلاً: "وأعتقد أنه الآن, بعد ربع قرن, لا يزال على هذا القدر من الحمق وقصر النظر. وكانت الكنيست ضمت الجولان رسميا إلى إسرائيل في 1981, وفي المرتفعات الآن أكثر من 25 ألف مستوطن في ما يربو على ثلاثين مستوطنة." سيريل تاونسند الحياة 8/4/2004‏

ج ـ تحرك نتنياهو ليقدم تقييماً مشجعاً على العدوان على سورية بقوله: "سورية خلافا للماضي هي قرية معزولة نائية وخاضعة لتهديدات الولايات المتحدة، التي يرابط جنودها على حدودها الشرقية". وتبع هذا الوصف المبني على سوء تقدير، قول رئيس الأركان الصهيوني بأن دخول قواته إلى دمشق سيكون أسهل من دخول القوات الأميركية إلى بغداد"!! وكأن سورية مستباحة تماماً!!.‏

وهذا كله دفع المعارضة الصهيونية إلى تقديم قراءة تعبر عن حقيقة الموقف داخل الكيان الصهيوني، لخصتها النائب داليا اتسك بالقول: "إن شارون وحكومته كشفا عن مرحلة أخرى في خريطة طريقهما لتصفية السلام في المنطقة. فبعدما لغّما المفاوضات مع الفلسطينيين، حان الوقت لتلغيم كل إمكانات التفاوض مع سورية..." وهذا تعبير دقيق عن طبيعة الكيان الصهيوني وعن سياسة اليمين فيه.‏

في هذه الأجواء وبالوقوف على هذه المعطيات التي لا تشكل كل شيء: فهناك الموقف الدولي والوضع العربي العاجز، وما يجري داخل فلسطين والحلول المطروحة وآخرها خريطة الطريق ووثيقة جنيف.. إلخ، يجيء اللقاء التاريخي التركي السوري، والبَلَدان على أبواب علاقة الشراكة مع الاتحاد الأوربي، وأمام استحقاقات وضع يضغط على الجميع ويستهدف الجغرافية السياسية للمنطقة، والسياسة الثقافية، والعقيدة الدينية: الإسلام، والخصوصيات الثقافية والتربية ومنظومات القيم، والمصالح العليا للدول والشعوب فيها..‏

وكل هذا يفرض رؤية جديدة ومتجددة وحراكاً سياسياً مسؤولاً، ويحتم التعاون الذي يقتضيه وضع يضغط على الأطراف كلها في المنطقة ليكون لأهلها دور وموقف وتصرف ورؤية واقعية ومستقبلية فيما يجري فيها، ويخطَّط لأهلها من قوى الاحتلال والإمبريالية الأميركية المتوحشة، والمخططات التي ترتب لها بعد استكمال التدخل الإمبريالي الصهيوني في شؤونها جميعاً.‏

إن لسورية مصلحة في التقارب والتفاهم والتعاون، وبناء جسور الثقة المتبادلة مع جار كبير وصديق و"شقيق" كما عبر الرئيسان التركي والسوري في لقائهما عن علاقة بلديهما، فهل تركيا يا ترى لا مصلحة لها في ذلك؟! وهل تستفيد من لحظة قلق تاريخية تحتاج فيها سورية إلى الجوار والأصدقاء والشركاء الحقيقيين في الدفاع عن التاريخ والجغرافية والمصالح والحقائق والحقوق، من دون أن تفيد سواها؟ وهل يوضع هذا النوع من التقارب في دائرة الآني، أم أنه يرقى إلى أفق استراتيجي في المستقبل؟!‏

علينا ألا نذهب بعيداً في التخييل والأماني، وأن نخطو خطوات محسوبة على أرض الواقع المغتبط بالآمال والتطلعات الخيرة من جهة، والمحفوف بالأخطار والتدخلات الشريرة لمن لا يريدون علاقة جوار طيبة بين الطرفين من جهة أخرى. وعلينا أن نعزز المصلحة المشتركة لكل من البلدين الجارين في هذا التقارب والتفاهم والتعاون.. لسورية مصلحة فيه نعم، ولتركيا مصلحة فيه أيضاً. وإن قراءة العقود الماضية تفيد كلاً من الطرفين، وتقدم عبراً يحتاج إليها كل منهما.‏

وهذا لا يعني أن الأشواك قد انتزعت من الحقول كلها، وأن النقاط المعلقة قد حلت تماماً، بل يعني أن مناخاً جديداً بين بلدين جارين " صديقين وشقيقين" قد نشأ، وأنه سوف يساعد على حوار عميق على أرضية الثقة المتبادلة يؤدي إلى تعاون أوثق وحل يعالج بحكمة القضايا المعلقة بين البلدين الجارين.‏

وهذا يحتاج إلى يقظة فائقة وحذر شديد، لأن الكيان الصهيوني وحليفه الأميركي، سوف يعملان على تخريب هذا الوفاق إن أمكنهما ذلك.. والمحافظة عليه مسؤولية مشتركة.‏

وبعد هل يجوز لنا أن نقول نحن اليوم أمام مشهد جديد في السياسة السورية التركية، سوف يفضي إلى جيد وجديد في العلاقات السياسية العربية التركية، أفضل وأقوى مما شهدناه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ؟ أم نحن أمام مرحلة متقدمة من العلاقات نستعيد فيها تاريخاً مشتركاً شابته شوائب، وبدأ قبل هذا التاريخ بمئات السنين، واستمر السعي لاستعادة تألقه وتطويره فوصل السعي اليوم إلى حلقة مفصلية جديدة لها أهميتها ولها ما بعدها ؟!‏

أياً كان الأمر فما حدث في اللقاء التاريخي بين دمشق وأنقرة خيِّر وإيجابي، وفي صالح الشعبين والبلدين الجارين الصديقين الشقيقين، الذين يجمعهما الإسلام والتاريخ والثقافة المشتركة والجوار الجغرافي، وامتداد الماء شريان الحياة بينهما، وهو لقاء يمكن أن نبني عليه من دون ضغائن أو أوهام أو أضغاث أحلام.‏

والله ولي التوفيق‏

دمشق في 8/1/2004‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |