|
لاعب جديد في الانتخابات الأميركية القادمة
جرَّعنا نائب الرئيس الأميركي يوم الخميس 1 تموز 2004 خطاباً تبجحياً كبيراً، " منحنا" فيه متعة استشعار " القيم والمناقب " الأميركية الساطعة مثل شمس دافئة في سيبيريا، وعلَّق فيه أوسمة الدفاع عن الحرية والعدالة والديموقراطية على صدر رئيسه جورج Wبوش، الذي لم يخلَق مثله في العباد، في حملة دعائية غوغائية مفضوحة، من أجل الفوز بدورة انتخابية أميركية قادمة. وتباكى نائب الرئيس الأميركي على مدنيين "إسرائيليين" تعرضوا " للإرهاب الفلسطيني" وآخرين راحوا ضحية الإرهاب من نوع آخر في العراق. ولكن جلالته المكللة بالنفط والبارود والحقد والكذب لم يقل لنا أبداً، ولم يشر في خطابه مطلقاً إلى كم من المدنيين الفلسطينيين تعرضوا للإرهاب "الإسرائيلي" المستمر بمنهجية عنصرية تعتمد الإبادة المنظمة لشعب وثقافة وحضارة، بدعم مطلق من الإدارات الأميركية المتعاقبة، وبتمويل تام لهذا النوع الفريد من الإرهاب، الذي يطال العدالة والحرية والإنسان، وكل ما لـه من حقوق وحريات، لا تكون إلا في استمراره على قيد الحياة بأمن وكرامة تستهدفهما كليهما الولايات المتحدة الأميركية بالدرجة الأولى لتسيطر وتربح وتذبح؟ والحياة بأمن وكرامة وعدالة وحرية..إلخ، هو الأمر الذي يحرم منه الشعب الفلسطيني، وتقف الولايات المتحدة دون توفير أيّ حماية من أي نوع لـه، وتلاحقه بالاتهامات، وتحول دون وجود أيّ سيادة قانونية، وأيّ قوة دولية، تحمي ذلك الذي يتعرض لبرنامج الإبادة الصهيوني المنظم! وحين تسال لماذا لا تتلقى إجابة من أي نوع، العالم كله يصاب بالخرس، كما يصاب به عند السؤال عن أسلحة الدمار الشامل " الإسرائيلية"؟!. كوفي عنان حاول أن يتجاوز الحدود، لمرة في حياته، حين اضطر للكلام متجاوزاً عتبة الخرس، وأجاب عن سؤال جريدة الحياة في25 /6 ـ نشر في 26 /6/2004 عن الحالة الفلسطينية، قال عنان:
"بكل صراحة, لا أرى أحداً في الأسرة الدولية مستعداً لاتخاذ "إجراءات" لوقف السلطات الإسرائيلية عن تدمير بيوت الفلسطينيين.. لا يمكنني أنا كأمين عام أن أدخل الحلبة. لا قوات لدي. ولا عندي جيوش. ولا اعتقد بأن الحكومات مستعدة للقيام بأي نوع من الإجراءات" لإجبار الحكومة الإسرائيلية على وقف انتهاكات القانون الإنساني الدولي". وقال: "إنه ناشد الحكومة الإسرائيلية مراراً, كما ناشدتها الحكومات الأوروبية أيضاً "كي لا تؤذي الأبرياء". وأوضح في إشارة إلى تشريد الفلسطينيين "بالطبع, لا أحد يغفر ما حصل".
إن الرئيس الأميركي ونائبه وكل " الفحول" في الحلبة الدولية يشيحون عن هذا الفصل من فصول العذاب البشري، والإبادة المنظمة المستمرة منذ عقود من الزمن. والقادة في الولايات المتحدة يستمرون في الاستئساد على أسير هنا وسجين هناك، ودولة آمنة هناك وأخرى تطالب بأبسط أنواع العدالة هناك.
وجه تشيني كلاماً عن القضاء على صدام حسين، الذي كان يعطي عشرين ألف دولار وخمسة وعشرين ألف دولار لأسرة " المخرب والإرهابي " الفلسطيني الذي يستشهد أو يدمر الإسرائيليون بيته، وقال عن هذا النوع من رعاية الإرهاب إنه قد انتهى بالقضاء على صدام حسين.
ويحق لنا أن نسأله مستطلعين: متى ينتهي النوع الأميركي من الإرهاب، الذي يقدم مليارات الدولارات للكيان الصهيوني ومجرميه مثل شارون، من أجل قتل الفلسطينيين وتدمير بيوتهم، وبناء سور عنصري حولهم، والقضاء على مقومات الحياة لديهم من الصغير إلى الكبير؟ وهل يأتي هذا النوع من الرعاية والدعم للإرهاب الصهيوني، في إطار تصدير العدالة والحرية والديموقراطية لشعوب المنطقة؟ أم أنه يأتي في إطار تغذية الإرهاب والكراهية والعنصرية وإشعال الحروب وتطوير أدوات الإرهاب والإجرام؟ لن يفهمنا نائب الرئيس ، ولن يتاح لـه أن يرى الجانب الإرهابي من الممارسات الإسرائيلية والرعاية الأميركية لها، لسبب بسيط يكمن في جوهر المفهوم الأخلاقي القيمي للولايات المتحدة الأميركية، التي قامت أصلاً على إبادة الجنس، واستيطان أرض شعب بعد إبادته، والقضاء على حضارته وثقافته وهويته. إن العنصري يفهم العنصري جيداً، ولا سيما إذا عرفنا أن قتل الهنود الحمر، أو اصطيادهم كان يتم تحت اسم القضاء على الكنعانيين وهو الشعار اليهودي ذاته في فلسطين؟!
إذا كان النائب تشيني ورئيسه بوش يعبدان صنماً اسمه " إسرائيل" فإن عبادة العنصرية وتحسين ملامحها بالمساحيق قد انكشف مع انكشاف أهداف الحرب الأميركية الصهيونية على العرب والمسلمين وقضاياهم العادلة، وأن الحرية الحقيقية ستكون من نصيب كل شعوب العالم في نهاية المطاف.
ولكن مرارة السؤال تكمن في: متى يتم ذلك، وبعد كم من الضحايا والتضحيات والمرارات؟!
إذا استطاع هذا التحالف العنصري الشرير أن يستقطب بعض العرب في كل مجال من مجالات الفعل اليومي في معظم الساحات، فإن الشعب العربي كله لن يكون في السلة الأميركية، وسيقوم من بين أبنائه من يقاوم هذا النوع من " الاستقطاب الدولاري"، وسيدافع عن نفسه وثقافته وعقيدته وحقوقه.. عن العدالة والحرية والديموقراطية بالمفهوم غير المزيف لها.
في استانبول حاول الرئيس الأميركي أن يتملق بعض المسلمين الأتراك وبعض المسلمين من تركيا، ويظهر الولايات المتحدة بوجه غير وجهها القبيح، كان الخطاب مكتوباً، ومعداً لتقديم خطاب مغاير يغرر بالشعوب، ويعمل على توريط تركيا أكثر، في المشروع الشرق أوسطي، وفي حرب الولايات المتحدة الأميركية على العرب والمسلمين، وعلى الهوية الثقافية.. ولكن الفعل الأميركي اليومي يكذّب ادعاءات بوش وتشيني وعناصر الإدارة الشريرة كلها. التي بدأ الاتهام لها في الأوساط الأميركية بالكذب وبالبعد عن السوية النفسية.
نقل نيكولاس كريستوف عن أوساط أميركية واسعة قولها: " مشكلة بوش الكبرى ليست هي كونه كان يكذب بشأن العراق، بل إنه كان واقعا تحت تأثير الخداع الذاتي. فقد أحاط نفسه بأيديولوجيين يفكرون بطريقته." ولم يقل إن هؤلاء الأيديولوجيين هم اليهود الصهاينة بالدرجة الأولى. وقال: " أدخلنا الرئيس بوش في متاهة، عندما بالغ في أمر يقينه الأخلاقي وصوابية موقفه، وبتمسكه بنظريات المؤامرة التي يروج لها المهوسون المحيطون به.".
وإذا كان ذلك، كذلك فإلى متى يبقى الدم العربي، والنفط والثروات العربية، أدوات ووسائل وعنصراً من عناصر الاستهداف للمهووسين الأميركيين، الذين يؤطرهم ويثقفهم ويسيرهم يهودٌ متطرفون، يطلون علينا بعقليات وأساطير أكل عليها الدهر وشرب، ويجعلوننا ندفع نحن والأبرياء من أبناء الشعب الأميركي والعالم ثمن تفاهاتهم وأحقادهم وعنصريتهم وأفكارهم ومعتقداتهم التي تحتاج إلى التطوير والمراجعة وإعادة النظر ليخرج المتحكمون بالمال والإعلام وبعض مفاصل القرار في أكبر دولة في العالم من مغائرهم المظلمة ودوائر أحقادهم ونظراتهم الفاسدة، ومن ثم يخرج العالم من ظلمة أفكارهم وبرامجهم وثقافتهم وعقيدتهم التلمودية العنصرية!. وإلى متى ندفع نحن العرب والمسلمين تكاليف الدعاية في الانتخابات الأميركية والإسرائيلية في كل موسم من مواسمها دماً ودماراً وثروات منهوبة؟ إذ لديهم قاعدة تقول: من يقتل أكثر من العرب يضمن فوزه؟ من يدمر بلادهم يضمن ثروته؟ من يقتل روحهم المعنوية يضمن تطويبه داعية للحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان، وممثلاً للإيمان والهوس الديني والتاريخي وفق أنموذج جورج بوش وشركاه.
من وجهة نظري: "الحرية ليست وصفة أميركية" على الرغم من وجود تمثال شامخ لها في نيويورك، ولكنها بضاعة أميركية بامتياز، تحظى باحتكار تام في السوق، ويحافظ الساسة الأميركيون على "العلامة التجارية وحق الملكية" في هذا المجال، لأن تلك التجارة تحولت إلى ذريعة من ذرائع التدخل في شؤون الدول والشعوب، في وقت استبدت فيه أنظمة حكم، وغابت قيم، وضعفت شعوب، واخترقت جبهات ثقافية ونضالية كثيرة، وكثُر الدهاة والتجار الكبار في الأسواق العولمية، للتدخل في المناطق المحددة باسم حماية "بضائع" روحية وثقافية وإنسانية!. بعد أن كان التدخل الاستعماري في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر يتم تحت شعار حماية الامتيازات أو الحصول عليها، وحماية المواطنين الغربيين ومصالحهم وامتيازاتهم.
إن آخر من يحق لـه أن يتكلم عن الحرية وحقوق الإنسان.. إلخ، هو ذاك الذي أقام كيانه ودولته وثروته على العبودية والشر واسترقاق العبيد السود وتجارة الدم والسلاح والأفيون، والذي تسبب بالمآسي الكبار للبشرية، ابتداء بإبادة الهنود الحمر، ومروراً بإسقاط القنابل الذرية على هيروشيما وناغازاكي، واستخدام سلاح الأورانج ضد الشعب الفيتنامي، وانتهاء بغزو العراق وتدميره واحتلاله، وفظائع سجون: " أبو غريب وغوانتنامو وسلسلة أنصار الصهيو ـ أميركية، المعتم عليها كلياً، لأن الذين يقومون بالتعذيب فيها فوق القانون وفوق البشر" شعب الله المختار"!!!.
قال رومانو برودي، وكريس باتن في مقال لهما:".. الولايات المتحدة يمكن أن تكون، بل كانت تاريخياً، قوة تعمل من أجل الخير في كل العالم، وبالطبع في أوروبا على وجه التحديد. ولكن أوروبا نفسها لعبت دورها في جعل العالم أكثر رخاء واستقراراً."!! وما أظن ذلك إلا إيغالاً منهما في العمى الفكري والعاطفي والممالأة المكشوفة، أو الجهل بتاريخ معاناة الآخرين على أيدي الاستعمار الغربي كله.
لأن هذه الدولة سببت المآسي للكثير من الدول، وسببت لنا نحن العرب أكبر استمرار لأكبر مأساة إنسانية هي مأساة الشعب الفلسطيني، بمناصرتها الرعناء للكيان الصهيوني، ودخولها علينا من مداخل تجارية" شعاراتية " جديدة تستلب بواسطتها إرادات وسلطات ودولاً وثروات، وتشوه مفاهيم ومصطلحات وحقائق ووقائع.
في الساعة العاشرة و36 دقيقة بتوقيت بغداد من يوم الإثنين 28 /6/2004 سلم الحاكم الأميركي للعراق بول بريمر السلطة " لعراقيين" وغادر على متن طائرة عسكرية، تغمره فرحة النجاة بجلده من المقاومة العراقية التي لم تتمكن منه، تاركاً المهمة من بعده، للسفير نغروبونتي، الذي وصل بعد مغادرة بريمر بساعات وقدم أوراق اعتماده في اليوم التالي، ليكون أول سفير لدولة محتلة سفارتها هي الأكبر من نوعها في العالم حيث يوجد فيها 3000 شخص، وفي قول 1000 شخص، ولها مكاتب ومواقع وحضور في كل محافظة من محافظات العراق.
وفي يوم الأربعاء 30 حزيران وضع صدام حسين، تحت تصرف القضاء العراقي بحماية الأميركيين، ووجهت إليه سبع تهم، وفي اليوم التالي الخميس 1/7/2004 وقال إنه صدام حسين المجيد رئيس جمهورية العراق، ورفض التوقيع على التهم بانتظار حضور محامين عنه.
ويبدو لي أن صدام حسين سيدخل الحلبة الأميركية بوصفه لاعباً مهماً في الانتخابات الأميركية القادمة إذا ما أتيح لـه أن يتكلم على هواه، وأن ينقل كلامه إلى الناس.
فلننظر ولننتظر ما هي تجارة بوش القادمة بعد أن بارت تجارة: "القضاء على أسلحة الدمار الشامل"، والديموقراطية، والحرية، وحقوق الإنسان في العراق.. عند عتبة سجني: "أبو غريب" ورايون إكس" في غوانتنامو!.
دمشق 2 / 7 / 2004
|