|
بين غزة ورام الله
لم استيقظ من ذهولي بعد: بعض غزة تثور على رام الله، وبعض رام الله ترشق غزة بالتهم، وفي غزة ورام الله حرثٌ ليكون هناك دم ونار غير ما يشعله شارون فيهما وفي سواهما من مدن فلسطين وقراها منذ سنوات.. ما الذي يجري بين لحمي ودمي في أرضي التي يستبيحها العدو ويدمر معالم الحياة فيها، ويعيد تكوين جغرافييتها لتكون سجناً كبيراً لشعب كبير؟!
يقولون: هناك فساد وثورة لاجتثاث الفساد والفاسدين والمفسدين.. وهذا مطلب حق والمطالبون به على حق، ولا يمكن لمقاومة أن تستمر وتدفع ثمناً في الموقفين والموقعين: الموقف من العدو وموقف الفاسدين المفسدين منها. وليست إثارة هذا الأمر شيئاً جديداً فيما يعلم الجميع، فلطالما نادى الفلسطينيون وسواهم بضرورة معالجة هذا الموضوع بدقة وسرعة وحزم.. ولا ينكر أحد أن في معالجة ذلك سلامة جسد بلد وشعب وسلطة وثورة ومقاومة قبل كل شيء، وإيجاد المناخ الصحي الذي يتنفس فيه الإنسان، فما الذي يؤخر هذه العملية الجراحية الحتمية يا ترى، ولمصلحة من يتم تأخيرها، ولماذا لا تتم في مناخ وتوقيت ملائمين؟! الم تكتنز القطط السمان بعد من لحم المقاومين وأسر الشهداء وأصحاب البيوت المدمرة، كما اكتنزت في أرجاء أخرى من وطننا العربي من دون استثناء؟!
ويقولون هناك "فلتان" أمني وشق لعصا الطاعة على السلطة في حوض نضالي، تعترف فيه السلطة والانتفاضة والمقاومة والمعترضون على الفساد بمرجعية ورمز لا يختلفون عليه هو رئيس السلطة المحاصر في رام الله، فما الذي يؤخر ضبط الأمن واحترام مرجعيته العليا في بقعة يحتاج الناس فيها إلى دقائق معدودات من الأمان، بين اجتياح صهيوني وآخر، ليفكر الواحد منهم بكيفية الرد على العدو، وكيفية وقاية أطفاله من جحيم النار العنصرية الصهيونية المنصبة على الأبرياء في كل مكان، وعلى كل مكان من عمران فلسطين.. هل العائق هو المرجعية والرمز؟ هل الإطار البشري الذي يحيط به؟ هل.. هل.. وألف هل. من دون جواب شافٍ يطمئن إليه الجميع ويشكل مدخلاً لمخرج سليم من وضع أليم..
هل هناك، كما يقال، صراع يعلن عن نفسه بأشكال مختلفة بين مراكز قوى تريد السيطرة على مفاتيح غزة قبيل انسحاب شارون منها.. ومراكز أخرى تريد أن تبقي الأمن في قبضتها لأنها لا تأمن عليه وعلى نفسها إذا كان في قبضة من يتولون آخرين حتى لو تولوا أمره بمعرفتها؟! ذلك هاجس الحكام وأصحاب السلطات والمواقع والمناصب والكثير من البشر، منذ تأريخ التاريخ لتجمع حضري ذي قوام فيه سلطة ما تحافظ عليه نفوذها وامتيازاتها.. ولكن المدنية والشرائع والتشريعات والمسارات الديموقراطية وشبه الديموقراطية، خففت من شوك القنافذ ذاك بالقوانين والأنظمة، التي إذا ما احترمها الناس أمنوا على أنفسهم وأموالهم وأرواحهم وممتلكاتهم، في ظل سلطة "عادلة" لا غنى لأي مجتمع عن قيامها.
ولكن أين الحكمة الثورية التي تجعل كل شيء تحت السيطرة الواعية بمراعاة الحق والعدل والحرية والمصلحة العليا للناس والبلد؟!
إذا كان الاختلاف على مفاتيح غزة هاشم، وعلى النفوذ فيها، أو في سواها على أرضية وعد شارون بالانسحاب أو التخمين بقرب ذلك، فهل مفاتيح غزة تغتصب بالقوة أم تعطى لسدنة لها وفق قرارات المؤسسات الديموقراطية الفلسطينية والشرعية الثورية في فلسطين، وأن تلك الجهات هي التي تقرر ذلك الأمر.. وإذا كان الخلاف بين سلطة فلسطينية وشرعية ثورية تجد كل منهما أن دورها مغيَّب أو يدبَّر لإضعافه وتغييبه، فمن مصلحة الطرفين والشعب الذي هو الأعلى والأولى بالاحتكام إليه ومراعاة مصالحه العليا، من خلال احترام المؤسسات والمرجعيات التي تمثله، تلك التي بدأت تمارس حضوراً ودوراً ملحوظاً وهي مرجعيات الشعب الفلسطيني الممثل في المجالس المعنية بهذه الشؤون...
يبدو أن السؤال عالق بين سلطة مكتَّفة بقيود منها قيود مفسدين وعلاقاتهم، ونفوذ مراكز قوى ذات علاقات بعضها معلن، وآخر خفي، تضغط باتجاهات معينة، وتوجه عالٍ يقيم معادلات ويريد أن يوفق بين ما اعتاد عليه وما يطلب إليه من داخل البيت الفلسطيني ومن خارجه من جهة، وبين مقاومة محنَّاة بالدم والمعاناة، تقع بين قصف العدو واجتياحه وملاحقاته وتصفياته الجسدية من جهة، وبين استشراء الفساد وإهمال النضال والشهداء والقضايا الرئيسة للوطن، واستفحال أمر من ينظرون للدم الفلسطيني من فوق، ويتاجرون من بعد بكل شيء من جهة أخرى.
وأتساءل في هذا المقام:
ـ إذا كان الاختلاف على مفاتيح غزة هاشم وعلى النفوذ فيها، أو في سواها على أرضية وعد شارون بالانسحاب أو التخمين بقرب ذلك؟.
وخوفاً من تدخل قوى من أي نوع تجعل الفلسطيني تحت وصاية مثلَّثة الشُّعَب تزداد في ظلها معاناته وتضيع حقوقه.. وهذا مشروع ، فإن التفكير في المخرج من ذلك، ينبغي أن يكون بوحدة الصف الفلسطيني، على أرضية وعي متكامل وقرار مشترك، يعزز المصير والقوى المدافعة عن الحق. وفي هذا المجال أحب أن أشير إلى هاجس ضاغط: هل شارون يخطط لانسحاب من غزة أم إلى تدمير لغزة تحت ظل التلويح براية الانسحاب؟! سوف أذكر براي وموقف صهيوني فنَّد وجهة نظر شارون في الكنيست يوم أثير موضوع الانسحاب من غزة.. إنه يوسي ساريد الذي قال آنذاك، في جلسة لجنة الخارجية والأمن، موجها الحديث لشارون: "إنك لن تكون دي غول. ولا بن غوريون. وعليك أن تحذر من أن تغدو الرجل الثاني في حزب تومي لبيد. إنك تشبه اليوم رجلا قرر أن يقص ذيل كلبه. ولكن من منطلق الرحمة قرر أن يفعل ذلك على أربع مراحل وليس دفعة واحدة.. إن خطتك ليست خطة خروج من غزة إنها خطة بقاء فيها. لأن كل عملية وكل حادث سيوقفها في كل مرحلة. فالذي يريد فعلا الخروج من غزة لا يقرر التوقف في هذا القدر الكبير من المحطات.".
وكما نلاحظ ونتابع فإن الكيان الصهيوني بقيادة شارون يقوم بتدمير غزة وإعادة تكوينها وتصميمها سجناً تسهل السيطرة عليه، وزنزانة واسعة يتآكل الناس فيها إلى درجة الفناء، إن أمكنه أن يفعل ذلك!! إن المطلوب هو أن نواجه جميعاً الخطة النازية ـ العنصرية التي يتم تنفيذها ضد غزة والمقاومة والشعب الفلسطيني، لا أن نقتتل حول تحديد جنس الملائكة في الوقت الذي يدمر فيه العدو كل يوم بيوتاً وحيوات وآمال وإرادات في غزة تحت سمع السلطة والعرب والمسلمين والعالم، وفي ظل صمت ووساطات عربية كئيبة..
ـ أما إذا كانت هناك خلفيات وراء إثارة هذا الموضوع في الوقت الذي كانت فيه قضية سور العزل العنصري معروضة على الجمعية العامة للأمم المتحدة، بعد صدور قرار تاريخي لمصلحة الشعب الفلسطيني عن محكمة العدل الدولية، كما قال البعض!! فهو أمر مؤسف.. ولكن من الذي يثير ذلك ولمصلحة من؟ بينما المُدى في صدره تنحو نحو قلبه بوصفه الفلسطيني؟ من المستفيد فلسطينياً؟ إلا إذا كان مرتبطاً.. وأنا أبرئ المقاومين الذين يقدمون دمهم، ويلاحقهم العدو الصهيوني من مكان إلى مكان، أبرئهم من القيام بعمل فيه أدنى شبهة لتعاملٍ مع العدو، أو لعمل يخدم العدو.. هل الموضوع من افتعال أشخاص يتنازعون على السلطة والمراكز والنفوذ والمال والأملاك، ومعظمهم غارق في الفساد والإفساد، ويريد أن ينتزع بندقية المقاوم ليتظاهر بالانتماء إليه ويتطهر بدمعه ودمه.. فيؤسس لعمل يخدم اتجاهات عدة ويبقيه هو في صف المستفيدين الأذكياء؟! ربما.. ربما.. ويبقى أهل مكة أدرى بشعابها..
لكن السؤال يبقى: ما الذي يسوِّغ تشتيت الجهد وتقديم مصداقية لرود لارسن الذي أراد صرف الأنظار عن القرار بعد صدوره مباشرة بتوجيهه انتقاداً حاداً للسلطة الفلسطينية ورموزها من تل أبيب، وحين ردت عليه السلطة بغضب، قال كوفي عنان في بيان: "إن الأمين العام يود التعبير عن دعمه التام وعن ثقته بتيري رود لارسن. إن رود لارسن يتحدث باسمه بصفته المنسق الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط والممثل الشخصي للامين العام"..
ألم يكن ذلك يوحي بشيء قبل اجتماع الجمعية العامة مباشرة؟! ألم يقدم الحدث الساخن على الأرض في توقيته ذاك مصداقية للارسن؟! وقد استغلها هو وسواه ليثبت صحة ما ذهب إليه؟!.
لقد انتصرت قضية مقاومة الشعب الفلسطيني لسور الفصل العنصري، وتحقق أكثر من المتوقع في ظل هيمنة استبدادية للولايات المتحدة الأميركية على القرار الدولي وعلى بعض الدول الحليفة وشبه الحليفة. ففي تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة على قرار محكمة العدل الدولية بشأن سور العزل العنصري الذي يبنيه الكيان الصهيوني في الأراضي المحتلة وافق على القرار 150 دولة من أصل 191 وعارضته 6 ست دول هي: أستراليا ومكرونيزيا وإسرائيل وجزر مارشال وبالو والولايات المتحدة الأميركية. وامتنع عن التصويت 10 عشر دول هي: الكاميرون وكندا وسلفادور و نارو وغينيا الجديدة وجزر سلومون و تونجا وأوغندا والأوروغواي وفانوتو. وتم تأييد كبير لقرار المحكمة، وجاء في قرار الجمعية العامة طلب من الدول الأعضاء: " عدم الاعتراف بالأوضاع غير الشرعية التي يسببها بناء الجدار حول الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها داخل وحول شرق القدس و عدم تقديم المساعدة أو العون لبقاء الوضع الذي يسببه هذا البناء". وحدها الدولة العظمى الخارجة على القانون الدولي أعلنت عدم التزامها بالقرار بعد التصويت عليه، وهاجمته بأشكال مختلفة على لسان مسؤوليها، وقررت متابعة تقديم الدعم لبناء السور لأن شارون يريد ذلك، وبوش لا يستطيع أن يرفض طلباً للكيان الصهيوني ولشارون الذي يرى فيه قدوة له..
لقد كان القرار نصراً لفلسطين، وبداية حراك باتجاه العدالة الدولية بعد أن سدت السياسة الأميركية ـ الصهيونية المنافذ مدة عقود من الزمن أمام العدالة والمجتمع الدولي، فلماذا لم نكن بكل ثقلنا وراء هذا النصر الرائع لموقف فلسطيني عادل تدعمه الأمم؟ لماذا يشوش خلافنا وصراعنا على لحظة ينبغي أن تبقى في ذهن العالم كله لهذا القرار الذي اتخذه العالم كله، عدا الدول الخارجة على القانون وتلك التي لا تحترم العدالة والقانون الدولي مثل الولايات المتحدة الأميركية..
بعد التصويت على القرار قال ممثل العنصرية الصهيونية إن إسرائيل ليست فوق القانون وتود الاستمرار في مراجعة خطوط الدفاع لحماية الحقوق الإنسانية للفلسطينيين، ولكنها ترفض محاولات تسييس القانون".!! ونسي أنه هو وحاميه الأميركي هما اللذان يحاولان تسييس القانون، وتغييب العدالة، وعدم عرض هذه القضية أصلاً على محكمة العدل الدولية لتبقى سياسية بيد رباعية تحكمها الولايات المتحدة المحكومة في هذا الملف بالرأي الصهيوني حصراً، فمن الذي يسيس القانون!؟
لقد كذب دان غيلرما باسم الصهيونية الكاذبة، لأن الكيان الصهيوني يضع نفسه كما تضعه الولايات المتحدة فوق القانون، فقد قال "رعنان غيسين" مستشار شارون باسم رئيسه: " بناء الجدار سيستمر، إسرائيل لن تُوقف بناءه ولن تتخلى عن حقها الثابت في الدفاع عن النفس."، معتبراً قرار محكمة العدل الدولية، وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة لا شيء!! وأن نهب أرض الفلسطينيين وقتلهم وعزلهم في زنزانة فوق أرضهم، حقاً من حقوق اليهود العنصريين، وأن ما يقومون به من جرائم ضد الشعب الفلسطيني دفاعاً عن النفس، وأن مقاومة الفلسطينيين للاحتلال ومسلسل الإبادة وإرهاب الدولة الصهيوني والجرائم البشعة، التي يرتكبونها بهدم البيوت على رؤوس أصحابها نوعاً من الإرهاب..
إن هذه إهانة للمجتمع الدولي، وخروج على الشرعية الدولية، واحتقار لدول وفرادة دولية، ولن نكون قادرين على إيصال هذه الحقائق واستثمارها لمصلحة: العدالة، والشرعية الدولية، والقانون، والحرية إلا من خلال تماسك موقف وصحة رؤية، وصلابة روحية، ووحدة اجتماعية تقوم على أسس صحيحة ومتينة، وخضوع المسؤولين للقانون، وللإرادة الشعبية، وللشرعية المقاوِمِة، من أجل الحرية والبقاء والكرامة، وانطلاق في طرق النضال جميعاً ضد أبشع حركتين عنصريتين في التاريخ وأكثرهما كذباً وهمجية: الصهيونية، والإمبريالية الأميركية.
ألا ساء ما يحكمون، وساء ما نقدر وندبر بمواجهة ما يحكمون.. ألا ساء ما يدبرون وساء ما نقدر ونتبصَّر ونحضّر بمواجهة هذا الحقد المنساب دماً وعدواناً وكراهية في محافل ومواقع وفضاءات شتى: تضيِّق الحياة على الإنسان، وتشوه الأحكام والقيم والثقافات والعلاقات والمصطلحات.. وتسيء للإنسانية كلها ولكل ما توصلت إليه من قيم وقوانين وبنية حضارية عبر نضالها الطويل.
إننا نحتاج من الشعب الفلسطيني ومقاومته البطلة ومسؤوليه في كل المستويات والمواقع، إلى مواقف عالية تليق بالشهداء والمقاومين والقضية والمعاناة الطويلة، على دروب الحرية والتحرير.. مواقف تليق بالمجتمع الدولي والموقف الدولي، اللذين كانا معنا ومع قضيتنا العادلة، في محكمة العدل الدولية والجمعية العامة للأمم المتحدة، كما لم تكونا من قبل.. ولنا كل الأمل والثقة في شعبنا الفلسطيني العظيم.
دمشق 23 / 7 / 2004
|