صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الخامس) - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2004

مداخل دار فور على الأمة

دار فور دار الحزن والأسى اليوم، دار المجاعة والتشرد والقتل والمعاناة وفقدان الأمن والأمان، وأحد المداخل إلى الأمة، وهذا مؤلم ويشكل مسؤولية إنسانية ووطنية وقومية، على كل من ينتمي لأرض البشر ولقيم العروبة والإسلام، ولكن دار فور اليوم مغتسَل الذين يتاجرون بآلام الشعوب ودماء أبناء البشر، وهي بوابة الدخول إلى الفتنة الأوسع التي تحصد الناس والبلاد فيما تحصد، ومدخل الاستعمار الأميركي والمشروع الصهيوني إلى منطقة من أوسع البلدان العربية والإفريقية، وأكثرها أهمية من حيث الموقع والثروات الطبيعية والمداخل الاستراتيجية، على قلب القارة السوداء والاتحاد الإفريقي والدول العربية وديار الإسلام في إفريقية كلها.‏

تبلغ مساحه دار فور ‏510‏ ألف كم‏2‏ أي ما يقارب خمس مساحة السودان الذي تتجاوز مساحته الكلية مليونين ونصف المليون كم2، وتزيد عن مساحة بلاد الشام: سورية ولبنان والأردن وفلسطين. ويصل عدد سكان منطقة دار فور إلى ستة ملايين نسمة أي ما يشكل أقل من خمس عدد سكان السودان بقليل، وهي أكثر مناطقه الجغرافية كثافة سكانية، وتضم ثلاث ولايات هي: شمال دار فور وجنوبها وغربها، وتشكل منطقة حدودية مع ليبيا وتشاد وإفريقية الوسطى.‏

وسكان دار فور من المسلمين السنة بنسبة 100% منهم، وهم ينتمون إلى 85 قبيلة من أصل 570 قبيلة أو تفرّع قبيلي يتوزع عليها سكان السودان. وقبائل دار فور عربية وإفريقية من أهمها: الفور، والزغاوة، الميما، والمساليت، والداجو، والتنجر، والتامة، وهي من القبائل ذات الأصول الإفريقية؛ والبقارة، الرزيقات، بني هلبة، وبني فضل، التعايشة، والهبانية، والزيادية، أبالة، زيلات، محاميد، الماهرية، بني حسين، والمعاليا، وهي قبائل ذات أصول عربية. ولهذه القبائل المتصاهرة والمتداخلة فيما بينها تقاليدها وعاداتها ومشكلاتها المزمنة وصراعاتها المتجددة أيضاً حول المرعى والماء وشؤون وشجون أخرى مما يفرضه العيش في الإقليم الذي يغلب عليه التصحر والإهمال وينتشر فيه الفقر، ويعاني مما يسمى التهميش الذي لا تنجو الخرطوم ذاتها من صفاته ونتائجه، إذا ما دققنا في وضع عاصمة لها حزام واسع جداً من الفقراء، وتتحمل مسؤوليات ونتائج حروب منذ عام 1955، ولم تتمكن من معالجة قضايا رئيسة في العاصمة والأقاليم تتصل بالبنية التحتية، في المجالات كلها لشح الموارد أو سوء التدبير لا ندري، فأهل مكة أدرى بشعابها، على الرغم من إمكانيات السودان وثرواته الكبيرة التي تحتاج إلى استثمار، وهو بلد لم يستند إلى عائدات نفطية إلا مؤخراً، وفرضت عليه عقوبات أميركية مرهقة منذ عقود، لأسباب تتصل بالمعيار الأميركي، الذي لا يستند إلى أي معيار سليم، أو قانون دولي أو شرعية خلقية من أي نوع.‏

ولأهل دار فور تقاليد عريقة ومرجعيات اجتماعية يلجؤون إليها لحل مشكلاتهم المتجددة، وصدامات المستقرين منهم بالرحّل أصحاب القطعان والمواشي من أبناء منطقتهم الأصليين، وعند أهل دار فور رسوخ عقيدة وعمق إيمان، وحركة ثقافية وفكرية أثرت إيجابياً في تخفيف حدة الصراعات التي لم ينج الناس من شرورها في عهود مختلفة، وهي صراعات تفرضها ظروف العيش والفقر والأمية حتى لا نقول الجهل والتخلف، والتدخلات الخارجية أحياناً. وكان لأهل دار فور أو باسمهم رواق خاص في الأزهر الشريف يُعرَف برواق دار فور يلتقي فيه طلاب العلم من أبناء تلك المنطقة، وكان سلطان دار فور قديماً، قبل أن تصبح جزءاً من السودان المعاصر عام 1916 السلطان على دينار يكسو الكعبة المشرفة، ويقدِّم المساعدات للحجاج ويوفر لهم الغذاء والماء، وقد اشتهرت في تلك المناطق آبار علي التي كان يحفرها لتزويدهم وتزويد أهل المنطقة بالماء وهي تنسب لذلك السلطان. مما يشير إلى أوضاع الإقليم ومكانته وتاريخه ونوع مشكلاته ومعاناة سكانه المزمنة.‏

توفر لدار فور بعض الانتقال من أوضاع سيئة إلى أوضاع أقل سوءاً في عهد حكومة الإنقاذ، وذلك بتحقيق عدد من الإنجازات في "البنيات التحتية من مدارس ومستشفيات ومراكز صحية للرحَّل وآبار وارتفع عدد المدارس الثانوية في دار فور الكبرى من 15 مدرسة إلى 145 مدرسة وتم إنشاء جامعة في كل ولاية من ولايات دار فور الثلاث" حسب أحد المسؤولين السودانيين. إن هذا لا يكفي ولكنه شيء يذكر في واقع السودان ذي المساحات الشاسعة والتوزّع السكاني الكبير، والمشكلات والصراعات والمعاناة المتنوعة الأسباب: وسطاً وجنوباً وشمالاً وشرقاً.‏

دخلت دار فور مدار أزمة جديدة، أو أدخلتها هذا العام 2004، ويبدو أن لتنازع أجنحة الإنقاذ التي أوجدت لها أنصاراً في ذلك الإقليم أثراً قوياً ومباشراً في انتشار تلك الأزمة أو في استحكامها على هذا النحو، واستغلال أطراف داخلية وخارجية لها؛ فمن يؤيد الدكتور الترابي من أبناء الإقليم لا يرضى بسجن الحكومة لـه، ويكون على استعداد للخروج عليها بسبب ذلك، ومن يؤيد الحكومة يكون على استعداد لمواجهة من يخرج على سلطتها لأنه مع جناحها الحاكم تنظيمياً، وربما من المستفيدين منها، أو المقتنعين بصواب سياستها، ومن يعادي الإنقاذ بجناحيه " الترابي والبشير" ـ رغم التسميات الجديدة لكل جناح بعد الانقسام، فالإنقاذ السوداني يبقى عندي طائراً بجناحين" ـ يخرج عليه ويتآلف مع سواه، ويستفيد من كل الفرص للتخلص من الإنقاذ وحكومته، والمعارضة النابتة على ساقه، وهناك من لديهم الاستعداد التام ليكونوا في حاشية من يكيد للسودان ويطمع بثرواته ومركزه الاستراتيجي، ويستعدي الإمبريالية الأميركية عليه، ويقدم لها ذرائع كتلك التي قدمت لها عن العراق وثبت بطلانها.‏

لقد أضعف الإنقاذ نفسه في وضع الانقسام الذي وصل إليه، وفتح الأبواب عليه من الجهات كلها، فأخذت الجوارح تنوشه من أطرافه والقلب، وحاول غارنق استقطاب عناصر من دار فور ضد الحكومة في أثناء الحرب، ولم يفلح ولجأ الآن إلى المصالحة وفي النفس ما تخفيه، وربما أفلح هو أو من يسوس لـه ويحميه ويهيئ لـه التربة الاجتماعية والسياسية والمال والمعدات العسكرية، ويوظفه لأغراضه ومصالحه واستراتيجيته، ربما أفلح في ذلك الآن فاستقطب بعض أهل دارفور، ومناطق أخرى في السودان ليكون ومن معه، أو ليكون من يناديه ويستحثه على طلاق نيفاشا وماشاكوس وما نتج عن ذلك كله، ليكون أقوى في الضغط على الحكومة سلماً وحرباً، وليقلب نظام الحكم من يريد قلبه، ولتصل الجهات التي تقف وراء هذا كله إلى أهدافها القريبة والبعيدة.‏

في يوم من أيام الخلاف أراد الدكتور الترابي أن يتوجه بالطائرة إلى دار فور فلم يُسمح لـه بذلك وأودع السجن، لأن القراءة الحكومية للوضع كانت تشير إلى أنه سوف يحرك أنصاره، هناك وربما يتخذ من مكان حصين ما مثل جبل مرة موقعاً يعاند منه الحكومة، ويتحداها بأنصاره المنتشرين هنا وهناك، ويصبح قوة لا طاقة للحكومة في مواجهتها وهي تواجه ما تواجه، ومن تواجه في الجنوب والشرق وفي الداخل والخارج. واليوم على وشك أن يطلق الرئيس البشير سراح الدكتور الترابي في ظل تصاعد التأزم في دار فور لأن ذلك يمكن أن يؤثر إيجاباً في تغيير الظروف والمناخ العام والحسابات الخاصة، ولأن القراءة السياسية تغيرت بحكم المعطيات والمستجدات.. ولكن مازال طائر الإنقاذ مستمراً في إضعاف جناحيه، وهو الحال الذي ينبغي ألا يستمر الآن، ولا تحمد عقباه أبداً.‏

في دار فور دفعَ الأبرياء بالدرجة الأولى ثمن الاقتتال، قتلى وجرحى ومشردين وقرى مدمرة أو محروقة في الجانبين، جنجاويد وجن وأجاويد وبسطاء وقطاع طرق ومتآمرون أو مدعوون للتآمر ومغامرون مرتبطون بأعداء السودان، ولم تعط الحكومة اهتماماً كافياً لمشكلة قد تحلها القبائل معتمدة على عاداتها وتقاليدها وخبراتها في حل مثل هذه المشكلات المتجددة. وكان يمكن أن يبقى هذا الأمر محصوراً في نطاق ضيق وتحسم المشكلة بتدخل السلاطين وأهل الرأي والمسؤولين المحليين، لولا الاستثمار السياسي الخارجي والداخلي للموضوع من قوى تريد للسودان الشر وتريد لنفسها أن تسيطر على خيراته وجغرافيته البشرية والطبيعية، وعلى كل إمكانية في أن يكون قوياً بذاته وأهله وأصدقائه وإخوته من العرب والمسلمين، وفاعلاً في محيطه ثقافياً وسياسياً. واستطاع الأميركي من خلال المتعاملين معه والمرتبطين به والمؤتمرين بأمره، أن يقفز بالمشكلة من مشكلة محلية إلى مستوى التدويل، واستصدر قراراً من مجلس الأمن الدولي على الباب السابع ـ أي أن القرار المتخذ ملزم دولياً ـ يمنح السودان شهراً لحلها، وإلا فالعقوبات والتدخل العسكري المباشر. ويبدو أن التدخل المباشر أحد أهم الاختيارات في الاستراتيجية الأميركية الحالية للسودان، لأنها حشدت وتحشد قوى داخلية وتوظفها وترسم لها خرائط الطرق للتحرك، على نمط ما اتبعته في العراق لتشكل من ذلك تمرداً عاماً ينضم فيه سكان مناطق سودانية أخرى في الشرق والوسط، إلى جانب متمردي دار فور وجيش غارنق، ليتم تنصيب قوى توالي الأميركيين والصهاينة وتنفذ المشروع الأوسع والأشمل ضد العرب والمسلمين في القارة الإفريقية ابتداء من السودان وانطلاقاً منه.‏

وفي هذا السياق يمكن التوقف عند المؤشرات المستقاة من الوقائع والمعطيات والمداخل الآتية النابعة من دار فور أو المتجهة إليها:‏

1 ـ النداء الموجه إلى أهل كردفان من أحد أبنائها، وقد جاء فيه: ".. وننادى مثقفي كردفان وزعاماتها بأن يحرروا أولا أنفسهم من تبعية زعامات الخرطوم الفاشلة (...) وتوحيد الجهود بين دارفور والشرق والجزيرة ومهمشى الإقليم الشمالى حتى تسقط الحكومة."‏

2 ـ التصريح الرسمي الذي جاء فيه: ".. أن متمردي مؤتمر البجا في شرق السودان" ـ ولشرق السودان بنية مشكلات شبيهة ببنية دار فور ـ "يستعدون لتوسيع نطاق مواجهاتهم مع قوات الحكومة المركزية السودانية. خصوصاً وأن قادة تمرد البجا أجروا أخيراً اتصالات مع خبراء أمريكيين لإطلاعهم على تفاصيل الأوضاع في منطقتهم مطالبين بأن يتبنى الغرب قضيتهم، وسط تقارير عن كميات كبيرة من الذهب والنفط واليورانيوم في جبال البحر الأحمر." كما صرح بذلك وزير الداخلية السوداني.‏

3 ـ التهديد القادم من أرتيريا التي دخلت على الخط عملياً مع تكتم وإخفاء، ونفي لأي تدخل من جانبها في الأزمة. وقد لخص السفير السوداني في أثيوبيا والاتحاد الإفريقي عثمان السيد الوضع بقوله: "إن الحكومة الأريترية دربت ولا تزال تدرب حتى اليوم محاربي حركة تحرير السودان وحركة العدالة والمساواة لزيادة قوتهم العسكرية، وللتدخل في القرارات التي يتخذها قادتهم.". وكل من الحركتين تملك قوة فحركة العدالة والمساواة تملك حوالي تسعة آلاف، والجناح العسكري لحركة تحرير السودان يملك حوالي 16 ألفاً.‏

4 ـ استثمار الأميركيين والصهاينة والمبشرين المرتبطين ببعض الكنائس للأوضاع الحالية في دار فور سياسياً ودينياً على مستويات مختلفة ولأغراض متعددة: داخلية في الحملات الانتخابية الأميركية والممارسات العنصرية الصهيونية، وتحت شعارات إنسانية في: فحيح أفاعٍ و بكاء تماسيح مكشوف وقبيح، لستر العورات البادية في سجون "أبو غريب، وغوانتانمو، وسجون أنصار الصهيونية في فلسطين المحتلة ومعبر رفح الذي حصر فيه 3500 فلسطيني في العراء والقيظ الشديد لتسعة عشر يوماً وأكثر، من دون أن تتاح لهم العودة إلى بيوتهم...إلخ استثمار كل ذلك لتغطية العيوب الذاتية وتحقيق مكاسب مادية ومعنوية من جهة، ولإشعال حرب على أسس عرقية ودينية في السودان لا تنجو منها القارة الإفريقية بكاملها من جهة أخرى.‏

وقد سارع الكونغرس الأميركي لتسمية ما يحدث في دار فور بـ:" إبادة جماعية" في كذبة تضم إلى سلسلة الأكاذيب الأميركية، ولم يثبت ذلك لأي ممن زارو المنطقة، وقد نفاه كل من كوفي عنان وكولن باول في زيارتهما المشتركة للإقليم أواخر حزيران الماضي، ونفيا أي شبه بين ذلك وأحداث رواندا 1994. ومع ذلك، وبعد ذلك أصر رئيس الغالبية الجمهورية في مجلس الشيوخ الاميركي بيل فريست على ان ما يجري في دارفور، التي لم يزرها، هو "ابادة جماعية"!! ودعا بلاده الى التصرف بسرعة، ولو بشكل أحادي.. ويمكن أن نقرأ في هذا الموقف الأهداف الحقيقة لتضخيم الأزمة على هذا النحو.‏

وفي تحرك غريب مريب ذي دلالات عميقة في هذا المنحى "أعلن الحاخام ديفيد سبارستين رئيس مركز العمل اليهودي أن الإدارة الأمريكية يجب ألا تقلق هذه المرة من التدخل العسكري لأن الدعم الدولي في صفها.".!! في تشجيع يهودي صارخ لتدخل عسكري أميركي تتوفر لـه الأغطية الملائمة.!!‏

إن هذه المؤشرات وسواها تضعنا أمام: واقعة إنسانية، وحوادث سياسية، ولعب أوراق عدة، لتحقيق مصالح وأهداف واستراتيجيات وتدخّل خارجي مباشر في شؤون السودان، لإسقاط الحكومة ذات التوجه الإسلامي، وإعادة احتلال للسودان، وتقسيمه إلى دويلات تابعة، والقضاء على دوره الثقافي المحتمل في القارة الإفريقية وعمقها السكاني، الذي يجري التخطيط الغربي والأميركي والصهيوني للسيطرة عليه.‏

وخلف كل ذلك دوافع منها مصالح مادية ظاهرة مثل النفط والذهب واليورانيوم والمعادن الأخرى والموقع الاستراتيجي والثروات الطبيعية، ومنها أو على رأسها: القضاء على مركز عربي وإسلامي يمكن أن ينشأ من دولة ذات إمكانيات وثروات وموقع هام، ودخول أميركي تبشيري وثقافي خاص إلى السودان والقارة السوداء من مداخل لا يسيطر عليها الأوربيون عامة والفرنسيون خاصة.‏

لقد سارعت الحكومة لتبني قرار مجلس الأمن الدولي، وتنفيذه على ما فيه من ظلم وإجحاف وتوطئة للتدخل الخارجي، ونتمنى لها النجاح وسد الذرائع بقوة أمام عدو خارجي لا يرحم، ومتعاونين مع من هجروا مركبهم الوطني وربما أحرقوه، ومشكلة مستعصية أو مزمنة تحتاج إلى مال ووقت وقوة، وفي ظروف يتربص فيها بالسودان المتربصون.‏

ولنا أن نسأل أو نتساءل في ظل هذا الوضع: ما الذي يفسر لنا غياب العرب والمسلمين عن مشكلة دار فور خاصة ومشكلات السودان عامة منذ عقود وعقود من الزمن، وبهذا الشكل المثير للأسى والأسف. هل هو امتلاك الإدارة الأميركية للقرار العربي والإسلامي على نحو أصبح التحرك الحر معه مستحيلاً، ورغبة تلك الإدارة الجامحة في تفجير الصراع في السودان لتدخل هي من أوسع الأبواب إلى تحقيق سياساتها واستراتيجياتها ضد العرب والمسلمين في حرب معلنة على العروبة والإسلام؟؟ العرب خارج التاريخ، والعرب داخل الجغرافية، والعرب مستهدفون بصورة شاملة من قوى وسياسات، والعرب مطية لقوى وسياسات.. إلى أي شيء يمكن أن نعزو ضعف العرب وهزال مواقفهم وغيبوبتهم شبه المستمرة عن الذات والعالم، وكيف نفسر التضارب الكبير في مواقفهم وتوصيفهم والهجوم عليهم ومحاولة تشويه كل ما يمت إليهم بصلة: الدين والثقافة والحضارة والحضور.. فمتى يبدأ الخطو الجاد على طريق مواجهة ذلك بقوة واقتدار؟!‏

إن الكلام العجيب المسموم يتواتر في دار فور وفي بلاد عربية، ومن بعض سكانها، عن "إنهاء الأستعمار المحلي" وهو موجه إلى العرب في ديارهم في مواقف وحالات كثيرة. ورَدَ ذلك في العراق، ومن عراقيين يرون في عراقيين آخرين "مستعمِرين" وهم يتباهون بارتباطهم بالاستعمار. وورَد في أثناء أحداث القامشلي السورية، وورَد في السودان من بعض أطراف قادة تمرد دار فور.. وورد .. وورد.. وكل ذلك يشير إلى مخطط واحد وتوجيه واحد ومعلم واحد وأهداف شريرة محددة ضد العرب الذين يتعرضون، في ديارهم، لغزو واحتلال و اضطهاد حقيقي، وتشويه متعمَّد تقوده الولايات المتحدة الأميركية والحركة الصهيونية ومن يدور في فلكهما من المرتبطين بهما، وممن يسمون " مثقفين يرطنون" بالعربية!! وتتصاعد وتائر ذلك ضد بلدان عربية ما زالت تأخذ بالموقف العربي وثوابته، وبالإسلام ومبدئيته، وبالاستقلال وسيادته، وبالحق العربي في فلسطين وقدسيته. وعلينا أن نواجه ذلك المد المريض، والاضطهاد، والتشويه، وأشكال الإبادة المادية والروحية التي نتعرض لها وتتركز على أجيالنا الصاعدة، علينا أن نواجهه بصلابة ووعي وعلم ووحدة موقف ورؤية قبل فوات الأوان، ومدخل ذلك العدل، واحترام الإنسان، وصون الحرية والكرامة، وتوفير سبل العيش الكريم والأمل، والقضاء على الفساد، وتحمُّل المسؤولية من خلال الانتماء، وإعلاء سلم القيم الصحيحة والاحتكام إليه بعيداً عن الشعارات والمواقف الاستهلاكية، ولا بد من أن نحاصر شرور الأشرار بسد الذرائع، وإصلاح ذات البين، وامتلاك القوة بمفهومها الشامل وبكل مقوماتها ومعطياتها، وخوض المواجهة المجدية داخلياً وخارجياً ابتداء من مواجهة الذات.‏

ونتمنى للسودان ولأهله الخيرين الأمن من جوع وخوف وكل خير بعون الله.‏

دمشق 6/8/2004‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |