|
قوات عربية وإسلامية إلى العراق
إرسال "قوات عربية وإسلامية إلى العراق" باسم حماية الأمم المتحدة، أو للتدخل من أجل الأمن والاستقرار.. هذا ما أشارت إليه تصريحات سعودية وأميركية بعد زيارة كولن باول الأخيرة إلى الرياض، التي قررت وضع مليار دولار معونة إنمائية تحت تصرف حكومة علاوي!! وفي توضيح ذي أهمية خاصة حول تلك القوة قال مسؤول أميركي يرافق باول في جولته: " إن الفكرة ليست إبدال القوات المتعددة الجنسية التي تقودها الولايات المتحدة, بل الحصول على قوات "إضافية". أما لماذا قوات إضافية وعلى حساب من، وكيف بعد أن طلبت الولايات المتحدة مراراً ورفض العرب والمسلمون تكراراً ؟. فذاك ما لم يفصح عنه المسؤول.
بوضوح شديد: إن هذا الفعل، إذا ما تم، يشكل مدخلاً جانبياً أو خلفياً لإرسال قوات عربية وإسلامية إلى العراق لدعم قوات الاحتلال التي أصبح اسمها فقط: "قوات متعددة الجنسية"، وهو أحد أهم المداخل لإفراغ قرارات الجامعة العربية وقمة المؤتمر الإسلامي حول هذا الموضوع من مضمونها، أو هو تمهيد لقلبها رأساً على عقب. وهذا الأمر الذي رفضته دول عربية وإسلامية في السابق يتم الترويج لـه اليوم بصورة غير مفهومة على الإطلاق، أو غير مشروحة بصورة تامة، يقنع أو يبيِّن المسوغات والأهداف والغايات الكامنة وراءه. فما الذي تغير يا ترى حتى يدخل عرب ومسلمون هذا المدخل؟ هل استناداً إلى قرار مجلس الأمن الذي غير اسم القوة الغازية، وحافظ على المضمون وسمح بهذه الحركة الواسعة التي نشهدها اليوم؟! وما الذي يرمي إليه هذا الترتيب الجديد، أو هذا المخرج من مخارج الالتفاف على القرارات السابقة؟! وما الذي يقدمه هذا للساحة العراقية الساخنة ذاتها من إضافات ومعطيات ومستجدات؟ وهل هي مبادرة سعودية كما أشار باول، أم هي إرادة أميركية مطلوب تبنيها؟!
باختصار شديد ومباشرة تامة: إن هذا الأمر إذا ما تم في أرض الواقع الهش الذي نشهده في العراق اليوم، فإنه سيفضي إلى جعل قوات الاحتلال الأميركية تتحاشى المواجهات والخسائر وتتفرغ لتوطيد ركائز الاحتلال والاستغلال، وتشييد القواعد العسكرية والشبكات الأمنية المتعددة الأذرع والوجوه، وللاستثمار الاستعماري المديد وشؤونه، وتترك عرباً ومسلمين يتقاتلون مع عرب ومسلمين في العراق، أو انطلاقاً من العراق كما كان عليه الأمر في السابق.
إن تصريحات وزير الدفاع العراقي الأخيرة التي قالت إن إيران هي العدو الأول للعراق، ستجد ترجمة أميركية صهيونية لها، في إعادة توظيف العراق في حرب ضد إيران، أو هي ترجمة لذلك. وهو الأمر الذي قام به صدام حسين في السابق خدمة للأميركيين على أكمل وجه، أو بتواطؤ تام معهم حين خاض حروباً بالوكالة، أو أغري بذلك. وقد كلف المنطقة كلها خسارات فادحة في كل مجال وعلى كل صعيد، وجعل الأميركيين والصهاينة وسواهم يتاجرون بالسلاح والنفط والسلع الأخرى، في سوق سوداء لم ترحم أحداً وأفقرت الجميع، ومكنت أولئك السُّراق وقطاع الطرق الأميركيين، من أن ينهبوا ثروات العرب والمسلمين، ويضعوا يدهم لاحقاً على نفطهم وأرضهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ويعيدوا ترتيب التحالفات والولاءات والاستراتيجيات في المنطقة بما يخدم استراتيجياتهم، ويضعوا "سيناريوهات" التدخل التي أفضت إلى تدمير العراق واحتلاله، وجعل المنطقة كلها إما تحت سيطرة الحضور المباشر للقوة الأميركية الغازية، أو تحت رحمتها ورحمة حلفائها، وعلى رأسهم الصهيوني ذي المشروع المعروف الذي يسرح ويمرح الآن في شمال العراق وفي أرض واسعة من العراق كله، راسماً صور التدخل والسياسات المستقبلية.
ليس من المستبعد على الإطلاق أن يكون ذلك التصريح المشؤوم موحى به من جملة المقدمات المفضية لهذا النوع من السياسات، تم طبخه وتقديمه ليبنى عليه استدراج قوات عربية إسلامية إلى مستنقع جديد يغرق فيع الجميع بمن فيهم العراق.. ومن ثم وضع صورة المواجهة القادمة على أساس من الاستراتيجية الأميركية ـ الصهيونية الثابتة القائمة على نظرية العداء المستعر، والاحتواء بالإبادة والإفقار والاقتتال، في إطار نقل المعركة إلى " أرض العدو" كما يقول بوش مع تطوير يجعلها تتم بأيدي أبنائه أيضاً!! لقد كلفت تلك السيناريوهات العدوانية المتكررة، كلفت المنطقة الكثير، وهي ترمي إلى تمكين الأميركيين والصهاينة من تحقيق أهدافهم التالية في إيران وسورية، من خلال حرب العرب والمسلمين للعرب والمسلمين انطلاقا من قاعدة العمليات المتقدمة في العراق المحتل، حيث يصبح الأميركي ممولاً للحرب ومتفرجاً عليها وقاطفاً لثمراتها، ويتربع أستاذاً في توجيه النصائح الأخلاقية من منابر دولية، وصاحب حظوظ في تجميل وجهه القبيح على حساب دول وشعوب وقعت فريسة العنصرية الصهيونية والإمبريالية الأميركية منذ عقود، وما زالت تدفع الثمن ولا تتعلم الدروس.
إن هذه الصيغة الجديدة التي سيتعامل معها باول بجدية مؤكداً " اتفاقاً على استبعاد مشاركة دول الجوار" منها، تجعل سيناريو محاربة العروبة والإسلام بالقوة الأميركية ـ الصهيونية المباشرة وتحالفاتها يتحول إلى محاربتهما من الداخل بقواهما وبإشراف وتخطيط ودعم وإمداد أميركي صهيوني مستمر. ويبقى الهدف واحد والمستفيد من العمليات كلها واحد مع فارق كبير: أنه يدير حربه علينا بالوكالة، وندفع لـه مباشرة ثمن ذلك كله دماً ودماراً ومالاً وثقة..إلخ، من دون أن يخسر هو شيئاً، ومن دون أن تتلطخ يداه بدمنا، ومن دون أن يكون وجهه البشع في المقدمة المكشوفة أمام العالم كله.
هذه محاولة قد تقدم فرصاً، وكل سبل النجاة من المستنقع العراقي للمحتل الأميركي من جهة، وتمكنه من إيجاد المخارج الملائمة من المواجهة المباشرة في أرض اشتعلت تحته في المدن والقرى العراقية من جهة أخرى، فضلاً عن أنها مساعدة لبوش في حملة انتخابية يحتاج إلى المساعدة فيها.
إننا لم ننس بعد الاستهداف المباشر، وغير المباشر لدول عربية منها السعودية على أرضية أحداث الحادي عشر من سبتمبر2001، ولم ننس بعد الموقف العدواني المستمر الذي وقفته عصابة جورج W بوش اليهودية المتطرفة من الإسلام عموماً، ومن المذهب الوهابي خصوصاً، وربط الإسلام بالإرهاب، والقول إن القرآن يعلم الإرهاب وحتى اللغة العربية لغة الإرهاب!! كما أننا لم ننس الاتهامات التي انطلقت في عواصف إعلامية وسياسية غربية متكررة، ضد ثقافتنا وديننا وقيمنا وحضارتنا، ولم ننس التهديد المباشر بتقسيم المملكة العربية السعودية ذاتها إلى دول ثلاث ما لم تذعن للمطالب الأميركية، وتهديد سورية ولبنان وإيران بالعدوان والويل والثبور وعظائم الأمور..إلخ، ولم ننس المطالب القائمة بتغيير المناهج التربوية العربية لأنها تعلم العنصرية، وكيف كانت التربية والتعليم والمساجد والثقافة العربية بشكل عام أحد الأهداف الكبرى التي يسعى فريق بوش اليهودي إلى تغييرها ابتداء من العراق والسعودية ودول الخليج..
فلمَ هذه التقدِمة المجانية للحركة الإرهابية العنصرية الأميركية التي تجتاح بلداننا وثقافتنا وسياستنا بأشكال مختلفة، وتحتل أرضنا، وتغري الصهيوني المحتل بقتل أبنائنا وهدم المسجد الأقصى وقبة الصخرة المشرفة؟!
هل هي بداية تحالفات جديدة، هل هي بداية تغيير في المواقف والتفكير والتدبير؟ هل هي وقوع في فخ أميركي ـ بريطاني محكم جديد؟! وإذا كان ذلك كذلك، ففي أي اتجاه نمضي نحو مخارج فيها بقاء لنا ولما نحرص على بقائه ونقائه من قيم وعلاقات!؟
هل اكتُشِف مثلاً أن الأميركيين وراء من يقومون بالتفجيرات هنا وهناك فقرر صاحب القرار تغيير مواقف ومواقع لتتغير هذا السياسة الأميركية العدوانية بالاصطفاف ضد من يقاومون الطرفين؟! وأن تلك مبادرات تظهر حسن النية والاستعداد الجديد . هل قدم الأميركي خدعة وتسميماً مخابراتياً جعلنا نكتشف العدو الحقيقي ونلاحقه في أرض السواد؟!
هل طلب الأميركي ذلك بالإغراء والتهديد وبأساليبه المكشوفة المعروفة، فتقرر الاستجابة لـه على نحو ما وإطلاق مبادرة من هذا النوع؟
هل هذا أحد المداخل التي يرى فيها بعض العرب والمسلمين مخرجاً لقوة الاحتلال من العراق، بفتح ثغرة لها تتسرب منها إلى خارج دائرة المواجهة بكرامة؟! كل ذلك ممكن، وكل ذلك يستحق التفكير فيه. لقد قال وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل: "إذا كنا نريد إخراج قوات التحالف, وتثبيت الأمن والسلام, يجب أن نعوّض هذه القوات بأخرى إسلامية".. وهذا تفكير سليم مقبول، ولن نتغاضى عن افتراضات حسن النية وإعطاء المساحة الكافية لهذا النوع من الأداء السديد، ولن نجرد التفكير والتدبير العربيين مما يستحقانه من الانتماء والذكاء والحرص على الروابط الأخوية، والاستقلال الناجز والعلاقات الدولية.. ولكن إذا كان ذلك التوجه في هذا الإطار، فلماذا لا يتم تحت إشراف تام للأمم المتحدة في العراق، وبقرار منها ينهي ما سمي القوة المتعددة الجنسية التي تقودها قوة الاحتلال الأميركية، مع اشتراط خروج قوة الاحتلال بشكل كامل، وعدم السماح لها، بوصفها عدواً مباشراً لفريق كبير من الشعب العراقي وحليفاً لطرف منه ضد طرف، بأن تكون ضمن أية قوة دولية مقترح وجودها في العراق تحت أي مسمى كان، لا هي ولا أي من حلفائها في العدوان والاحتلال، مثلما اشترط عراقييوها ألا يكون لأي من دول الجوار العربي والإسلامي للعراق حضور أمني أو عسكري من أي نوع في العراق نظراً لوجود حساسيات ".. سابقة من عهد صدام الذي كان يعاديها". وربما لأغراض ما لدول الجوار العربية والإسلامية في العراق، الذي لم يعد "جزءاً من الأمة العربية" كما قال " الدستور المؤقت"!! وهل الأميركي ليس لـه أهداف، ولا يشكل حضوره أي حساسيات لأي من شرائح الشعب العراقي الواسعة التي عانت، وما زالت تعاني من الاحتلال والقتل والدمار والتعذيب.. في أبو غريب.
إن دخول قوات عربية وإسلامية في صلب الحدث لمعالجة مشكلة بهذه الحساسية والدقة والعمق والمستقبلية، هو ما كان ينبغي أن يكون أصلاً في مواقف وأحداث سابقة منذ حرب صدام ضد إيران وضد الكويت، ولكنه عطل ذلك المسار، واعتمد في حالات كثيرة على أنصار أميركيين وغربيين في الخروج على أرادة الأمتين العربية والإسلامية، وفي حين عطل صدام الوساطات والمشاركات والعلاقات العربية والإسلامية إلى حد الشلل في هذا الجانب أو ذاك من جوانب الحروب، والأمن والعلاقات والصلات الأخرى، فإن الأميركي ومن والاه يدخلون مداخل صدام ذاتها اليوم، ويريدون إشعال الحريق في المنطقة مع حماية مصالح الأميركي ومن والاه من أي أذى، وتأكيد حضوره وحضورهم المتعالي على حساب الآخرين، وما يتصل بمصالحهم ووجودهم وتاريخهم وحضارتهم ودمهم على الخصوص.
ويحق لنا أن نتساءل ونحن في خضم الكذب والدجل والخبث والتهديد الأميركي الصهيوني المتواصل: متى أصبح كولن باول ممثلاً لسياسة أو لدولة تحمل مصداقية من أي نوع، لا سيما بعد افتضاح كذب أسلحة الدمار الشامل، وصلة نظام صدام بالقاعدة، وحقوق الإنسان في " أبو غريب".!؟
ومتى أصبحت الولايات المتحدة الأميركية لا تحمل عداء قاتلاً وكرهاً مقيتاً مقيماً ومشروعاً عنصرياً تدميرياً إمبريالياً صهيونياً كبيراً، ضد العرب والمسلمين وقضاياهم ومصالحهم وحضارتهم وعقيدتهم؟!
ومتى قالت إدارة أميركية كلمة فيها إدانة لمجازر الكيان الصهيوني وإرهابه وأسلحة الدمار الشامل لديه، التي يقره على امتلاكها الحزبان الجمهوري والديموقراطي، ويتسابقان على تأييده في كل شيء؟!
بالأمس قال الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر عن حصيلة سياسة بلاده: " إن تعريف دور قيادة أميركا في العالم يعتمد على ما إذا كانت ستكف عن الانطلاق من "عقائد التطرف والتلاعب على الحقيقة ". وهذا طبيب من داخل البيت يجعلنا نتساءل: أيهما أكثر تطرفاً وتشويها لقيم عقائدية سامية: جورج بوش وفريقه العنصري الذي ينطلق من منطلقات وعقائد دينية متطرفة أم بن لادن؟! وأيهما كان أقل إساءة لوجه حضارة ينتمي إليها؟! وما الفرق بين تطرف بوش وتطرف بن لادن، إذا كان أحدهما يقتل بأسلحة بدائية، والآخر يقتل بأسلحة متطورة؟!
هل نبقى عقولاً وقلوباً وذواكر مستباحة للأجنبي على نحو ما؟! وإلى متى يبقى عرب يفكرون ويكتبون بوحي من الأميركي والصهيوني؟!
إننا مطالبون باستحضار الذاكرة إلى جانب المنطق والحكمة عند كل تحليل ومناقشة وقرار، ولا سيما إذا كانت لعدونا استراتيجية تمتد قروناً وليس عقوداً من الزمن، وتستهدف عقيدة وثقافة وحضارة وأرضاً ووجوداً وليس مجرد ثروات ومصالح ونفوذ.
دمشق 30/8/2004
|