صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الخامس) - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2004

قرار مجلس الأمن يمهد لعدوان وتدخل !!.

في حوالي الساعة الثالثة من صباح الجمعة 3 /9/2004 صدر قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1559 الذي حشدت الولايات المتحدة حوله مؤيديها ومريديها وقوة ضغطها وتهديدها المباشر وغير المباشر، وقامت مستشارة الرئيس الأميركي كوندوليزا رايس بالركض الفضائي والهوائي للاتصال بدول عدة، وجعلها تتخذ الموقف المطلوب أميركياً عند التصويت على مشروع القرار الذي قدمته مع فرنسا، وكان ركضها فيما يبدو مبرراً "للحصول على دعم للقرار" ويتم كالعادة تحت بند ترويج سلع: " الحرية والديموقراطية" المدرج في بنود اتفاقيات التجارة الخارجية مع الدولة العظمى والمقايضة عليها، وتم ذلك بأقصى سرعة ممكنة من أجل إصدار ذلك القرار خلال 48 ساعة. وحظي القرار بموافقة تسع دول من خمس عشرة دولة حيث امتنعت عن التصويت كل من: الصين وروسيا والجزائر والفلبين وباكستان، واتخذ القرار بعد تعديل جرد المشروع الأساس من بعض أنيابه السامة، ولكنه أبقى على التسعيرة الأميركية للعرب في مجلس الأمن: "فرصة شهر" لكل عربي لا يركع تحت أقدام واشنطن وإسرائيل ولا يأتمر بأوامرهما!. وإلا فالعقوبات تنصب على رأسه مباشرة باسم مجلس الأمن الدولي؛ "الذراع الضاربة" في الساحة السياسية للولايات المتحدة الأميركية وحلفائها!. وقد بشَّرَنا رئيسُ مجلس النواب اللبناني الأستاذ نبيه بري بسحب هذا "الخضوع" للإرادة الأميركية على الأفراد والعائلات والعلاقات الشخصية والاجتماعية، بعد أن تجاوز حدود الدول والعلاقات الدولية، حيث قال: "بعد قليل علينا الحصول على إذن بالزواج قبل أن يُلجأ إلى مجلس الأمن".. ولكنه لم يتعرض لـ " فرصة" الشهر.‏

وحين يتم مثل هذا الفصل السعيد على مستوى الدول والأفراد، أو حين يتأخر حدوثه، في وطننا العربي تُخرِج العناية الأميركية من جرابها "مثقفين" كانوا يوماً يعادون سياساتها ضد الشعوب والدول، ويقاتلون من أجل ديموقراطية من نوع مضاد لديمقراطيتها تماماً، تخرجهم إلى شوارع الإعلام وفضاءاته ليحتجوا أو ليرقصوا، حسب الحال والأمر والمآل، على جثة وطنهم واستقلال قرار بلادهم وإرادة شعوبهم، وعلى جثة الاستقلال والحرية والديموقراطية أساساً وقبل كل شيء، يدفعهم إلى ذلك بالدرجة الأولى عداء أو إغراء، وموقف مسبق بني على حكم مسبق: من ليس معنا فهو ضدنا، ومن لم يكن منا فهو ليس ممن يحق لهم القول، وليس لقوله إن قال قيمة!! نمط من التعالي لم ينفرد به السيد بوش، ولا ضير عند بعضهم في أن يحاكي العنصرية الصهيونية بامتياز.!!.‏

إن صدور هذا القرار جاء بعد فرض عقوبات على سورية بموجب ما سمي قانون محاسبة سورية، الذي قدمه وسوقه وعمل على تطبيقه اليهود من " أصدقاء" إسرائيل في الكونغرس، وجاء أصلاً تحت اتهام سورية بدعم " الإرهاب " أي دعم المقاومة، أيْ مقاومة ضد الاحتلال الصهيوني والأميركي، وتحت تهمة "امتلاك أسلحة الدمار الشامل" الشهيرة، وهي " ماركة" أميركية يمينية مسجلة لا يجوز الاعتداء عليها، كأن تقول إن الكيان الصهيوني يملك أسلحة دمار شامل مثلاً!!. وجاء هذا القرار ليؤكد ويشدد التأكيد على إعادة لبنان إلى صيغة من صيغ اتفاق 17 أيار 1982 الذي أسقطته المقاومة الوطنية اللبنانية بدعم من سورية، في ظروف يراها المعنيون بذلك ملائمة، وجاء "يدعو إلى حل ونزع أسلحة الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية كافة." وكأن حزب الله الذي حرر الجنوب "ميليشيا" تخدم فئة وليست مقاومة شريفة، خدمت لبنان والأمة العربية كلها، وحررت جزءاً من أرض الوطن، وجعلت العدو الصهيوني يحسب ألف حساب قبل أن يفكر باجتياح لبنان، أو بإيلام سورية من "خاصرة" كانت رخوة !!‏

إن تجريد حزب الله من سلاحه هو عملياً مطلب صهيوني بالدرجة الأولى، ومطلب بعض الجهات اللبنانية التي كانت تراهن على نزع صفة العروبة عن لبنان، وترفض انتماءه لمحيطه الثقافي والاجتماعي والتاريخي وتعيقها الجغرافية عن التنفيذ، ولكن لبنان ترسخ عربياً وغيَّر قاعدة التحالف مع الكيان الصهيوني، وأسقط اتفاق 17 أيار بالقوة، وتريد اليوم دول وقوى تعمل في ظل متغيرات ومعطيات جديدة تراها لصالحها وصالح حلفائها أن تدمر تلك القوة المقاوِمة والقاعدة الجديدة التي أنشأتها..؟!‏

إنه مسعى لتجريد المقاوَمة ولبنان من كل ما سجله بالدم من متغيرات، لصالح التحرير والانتماء بدعم من سورية، وتجريدهما من دعم سورية وتجريد سورية من دعمهما، وسورية لا يمكن أن تتنازل عن عروبتها وعروبة لبنان، وتسلم للعدو الصهيوني وللمتدخل الأجنبي في الشأن العربي ولسياسييه و" مثقفيه" بإلغاء دورها في المنطقة، ونقض البنية الاجتماعية والتاريخية والحضارية المشتركة مع لبنان، وإخراجها خارج التاريخ.‏

يريدون أن يفصِّلوا علاقات سورية ولبنان على هواهم وبأقلية تستقوي بالقوى العظمى، وبأدواتها الدولية لينقضوا ما تبنيه الأكثرية والعلاقات الطبيعية بين الدول!!‏

ويريدون إبعاد القوة التي حقنت الدم في لبنان، وناصرت المقاومة اللبنانية، وساهمت في إخراج المارينز منه، وجعلت الوطن مستقراً، ليستبدلوا ذلك بفوضى عاشها لبنان وجرب نارها، واكتوت بها سورية طويلاً، ولن يرضى اللبنانيون بتكرار تجربة الفوضى، ولن ترضى سورية بتكرار تلك التجربة والدمار للبنان ولنفسها!! ويبدو أن هناك من لا يقرأ الدرس الأميركي في العراق بصورة مفهومة، حيث الفوضى هناك مروعة ومدمرة بفضل الاحتلال الأميركي " المنقذ والمحرّر والمعمر" في آن معاً.. يريدون أوراقاً انتخابية لبوش ولشارون من دمنا، وقد اعتادوا على أن يجعلوا دم أبناء وطننا بضاعة وأوراق لعب ورهان في ساحاتهم السياسية، وأن تكون مصالحنا أوراق لعبهم في الساحات الاقتصادية.. فهل هذا ما يناصره من يدخلون العرس الأميركي في المنطقة اليوم تحت مسميات وذرائع شتى، ومن مواقع يفترَض بها أن تكون معصومة بفعل عوامل عدة معرفية وروحية وثقافية وحتى مصلحية مباشرة..‏

يريدون إبعاد حزب الله الذي حرر جنوب لبنان عن مواقعه القتالية في الجنوب،وكأنه مستورد من خارج المنطقة، ويريدون إبعاده عن خطوط التماس مع العدو الصهيوني، الذي ما زال يحتل أرضاً لبنانية: مزارع شبعا، ويهدد الأرض اللبنانية، ويريدون إجبار دول المنطقة،ولا سيما سورية ولبنان على أن تقف حارساً على حدود الاحتلال، سواء أكان ذلك في جنوب لبنان حيث الاحتلال الصهيوني أم على حدود العراق، حيث المحتل الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا!!. والمتهم الأول، أو المعني الأول بذلك هو سورية التي عليها أن تنسحب من لبنان في " شهر" بينما لم ينسحب شارون من غزة والضفة وفق أوسلو الصهيونية، وخريطة الطريق الأميركية خلال عشر سنوات ونيف!! وأن تقدم سورية للاحتلال كل شيء.. كل شيء.. وأن تبقى أرضها، " الجولان"، محتلة، وأن تعطي ظهرها قضية فلسطين وشعبها، وأن تطرد الفلسطينيين من أراضيها، أو توطنهم في سورية ولبنان لينتهي حق العودة، وتنتهي قضية شعب يريد العودة إلى وطنه التاريخي فلسطين. ويريدون من سورية أن تتصدى لمقاومة الشعب الفلسطيني ولدفاعه المشروع عن نفسه، تلك المقاومة، وذلك الدفاع عن النفس اللذين تسميهما الصهيونية والولايات المتحدة الأميريكية " إرهاباً"، فتقوم سورية بإضعاف الشعب الفلسطيني كلياً، وتدين المقاومة وتسميها " إرهاباً، وتضعف مواقفها وتلاحق بعض رموزها الموجودين في أراضيها بعد أن طردوا من كل المواقع، وأن تطاردهم في بقاع الأرض".‏

أي ضمير، وأي عقل، وأي موقف وأيّ حرية وأيّ ديموقراطية وأيّ قيم يتاجر بها الأميركيون والصهاينة، ويرقص على أنغامها "عرب" في حفلات زفافهم على أنظمة عربية في هذا الوطن الحزين؟!‏

ولنا أن ندقق ونسأل ونتساءل: متى جاءت حمى ذلك التحرك باتجاه حماية " الحرية والديموقراطية" وإصدار قرار مجلس الأمن 1559 المشار إليه؟!‏

جاءت في مؤتمر الحزب الجمهوري، وبعد عملية بئر السبع المزدوجة التي نفذها الشهيدان أحمد عبد العفوّ القواسمة (26 عاماً) ونسيم محمد علي الجعبري (22 عاماً) وألحقت بالعدو 17 قتيلاً وأكثر من مئة جريح، ووقعت حوالي الساعة 2.45 من بعد ظهر الثلاثاء 31 آب 2004، وكانت بداية رد حماس على اغتيال قياداتها الشهيد أحمد ياسين والشهيد عبد العزيز الرنتيسي، وحار العدو الصهيوني في أمره إلى من يوجه حقده وسمومه بعد أن استنفد من ذلك الكثير الكثير، ولم يقض على مقاومة الشعب الفلسطيني البطل في الداخل. فقرر توجيه ذلك إلى سورية، قال شارون: " أشارت صحيفة "يديعوت أحرنوت" إلى رسالة بعث بها شارون يوم الثلاثاء إلى واشنطن في أعقاب عملية بئر السبع، جاء فيها أن على سورية أن تتحمل نتائج الوضع الذي تسمح فيه لرئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل بمواصلة العمل من قيادته في العاصمة السورية، وإرسال تعليمات وتمويل لخلايا حماس في المناطق"!!. وقال وزير خارجيته سيلفان شالوم بـ"العقوبات المتداخلة" أي تلك التي تأتي من أطراف متحالفة ومن منظمات دولية، وتكون متنوعة عسكرية وسياسية واقتصادية.‏

وهدد وزير دفاعه ورئيس أركانه بالقيام بعمل عسكري ضد سورية، أو ضد قواتها في لبنان، وأعطى الناطق باسم البيت الأبيض ريتشارد باوتشر كالعادة الضوء الأخضر تحت العبارة المعروفة: "لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها."!!‏

لقد أتى خلق هذا الجو بقرار ضد التدخل ويمهد لتدخل، وليمهد لعدوان يُعَدّ لـه ضد سورية أو للتمويه على الإعداد له، ولتسويغ ذلك العدوان بذرائع شتى، حيث يعطي صفة الدفاع عن النفس، ويكون ضد دولة يطالبها مجلس الأمن بالقضاء على " الإرهاب" أي المقاومة، وبالالتزام بقراره العتيد خلال شهر.‏

إن المناحات القائمة على "التمديد وعدم التمديد" والمادة 49 من الدستور اللبناني، يراد لها أن تشغلنا عن الأهداف الأولى والرئيسة لما يخطط لنا من الإمبرياليين والصهاينة، وإلا فالديموقراطية ديموقراطيات وصيغ وأساليب أداء سياسي، وإصلاح عيوبها يتم بالإكثار من الحوار للوصول على نتائج جيدة وحلول مرضية، وتعديل دستور وفق أحكام الدستور لا يشكل خيانة للديموقراطية ولن يلغي الدستور، ومادامت العودة إلى الشعب وممثليه فهم أحرار باتخاذ القرار وفق أحكام ما يقررون مهما كان شأن من يلمح أو يلوح..! أما اتهام شعب من خلال اتهام ممثليه ونوابه، ووضعهم في موضع المتهم أو الخائن لأمانة إذا لم يتخذوا قراراً وفق هوى القوة العظمى والتدخل الأجنبي والقوى الموالية لـه، فذاك لعمري هو التصرف "الديكتاتوري الظالم" الذي ينعى الأكثرية والديموقراطية العددية والتوافقية، ويصبح أدهى وأمر حين يتم تحت شعار الديموقراطية والدفاع عنها.‏

دمشق في 3/9/2004‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |