|
إبادة جماعية من منظورين
الوزير باول يتهم حكومة السودان بالإبادة الجماعية في دارفور، ويحمِّلها مسؤولية ما يجري هناك لأنها كما يقول" تتعاون مع الجنجاويد" وتتحمل مثلهم مسؤولية ما يجري، ودعا في جلسة استماع أمام الكونغرس في التاسع من أيلول / سبتمبر 2004 إلى مزيد من التدخل الخارجي في الشأن السوداني. والحكومة السودانية تنفي ذلك، وتؤكد أنها تعمل وتتعاون وتحقق تقدماً، ولم يرد في تقارير أي من الجهات الدولية مثل الاتحاد الأوربي والاتحاد الإفريقي ودول عدم الانحياز والمؤسسات الدولية المعنية مثل هذا التوصيف للأوضاع الذي تقول به الولايات المتحدة الأميركية.. والسودان يحاول أن يقف في وجه التدخل الأجنبي في شؤونه الداخلية، وفي وجه الذين يدعون إلى ذلك التدخل لمآرب خاصة بهم، ولارتباطات عامة غدت مكشوفة للعالم كله، وتزيد في انكشافها قرائنُها ونظائرها من الاتهامات والادعاءات التي أسست للتدخل في شؤون أفغانستان والعراق، وما يُرَتَّب لهذا البلد العربي أو ذاك من "معارضات" موظَّفة تحركها وتشرف عليها دوائر صهيونية وأميركية وغربية أخرى.
قد يقنع الوزير باول الكونغرس الأميركي بما يقول ويمضي في التمهيد لقرار أميركي يسبق القرار الدولي أو يواكبه للتدخل الأشمل في شؤون السودان، وهو يحمل الآن مشروع قرار جديد إلى مجلس الأمن الدولي، ضد السودان يفرض عقوبات ويعزز التدخل، ويحرك قوى خارجية وسودانية داخلية، منها جون غارانغ الذي وافقه على توصيفه لما يجري في دارفور!! وسوف يحشد تسعة أصوات أو أكثر في مجلس الأمن الدولي كما فعلت بلاده حين " شَلْوَطَت" القرار 1559 في 48 ساعة، وقد يذهب باول باسم حزبه وحكومة بلاده ومستقبل رئيسه إلى ما هو أبعد من ذلك، من أجل الفوز في الانتخابات القريبة ثانياً وانسجاماً مع الطبيعة الأميركية أولاً التي كشفت عن عنصرية متأصلة تسري مع المورثات، ويمتد تناسلها من "الآباء المؤسسين" الذين أبادوا الهنود الحمر إلى كل من يُستنسَخون اليوم في أحفادهم، ويقومون بإبادة جماعية مسكوت عنها ضد بعض الشعوب بوحي من عنصرية بغيضة يكشف عنها بجلاء تعاطيها السياسي والعسكري والأمني والاقتصادي والثقافي، مع الكثير من دول العالم وعلى رأسها الدول العربية والإسلامية.
وسؤالي ليس حول قدرة الولايات المتحدة الأميركية، على ذرف دموع التماسيح والتباكي على البشر والقيم والحقوق والتجارة بذلك كله، ولا على فعل ما تريد، وتقديمه للناس بالشكل الذي تريد، وإقبال الناس على وجبات الكذب تلك "بالشهية" المطلوبة وفق المواصفات الأميركية المدفوعة التكاليف كما يريدون وتريد أيضاً.. ولكن سؤالي ينصبّ على موضوع مختلف مؤتلف في الوقت ذاته.. مختلف عن الحالة الأميركية وحِكََِمها وأحكامها، من حيث المعايير والتقويم والتوصيف، ومؤتلف معها من حيث الممارسة السائدة المتجلية في "إبادة جماعية" يتم تحريفها وإعادة توصيفها وتسويقها عالمياً: إعلامياً وسياسياً على الخصوص، وفق المصلحة والاستراتيجة السياسية.
الإبادة الجماعية والإرهاب فعلان مدانان بكل المعايير والشرائع والتشريعات.. وخلاصتهما أو نتيجتهما التي تؤدي إليها سيرورتهما: قتل وتدمير لمقومات الحياة والأمن والأمان والعيش الكريم، وجعل البشر يضيقون بكل شيء في الحياة وتُغلَق أمامهم نوافذ الأمل، ولا يطمئنون لشيء من حولهم، ويعيشون حالة مؤلمة من القلق والرَّهَق والتشرد، إذا لم يدركهم الموت السريع فيرحمهم ويريحهم من البؤس وملاحقة سدنته لهم.
وهي حالة أكثر من "غابوية" تضع القوانين والأنظمة والقيم والبشر في العراء التام.. وكل ذلك يُقرأ ويُستقرَأ في خواتيمه ومآلاته ونتائجه النهائية وانعكاساته على الاجتماع والدولة والحضارة والحياة.. ولكنه في حالة السائد من الأحكام والمعايير في عصر هيمنة القوة الواحدة المستبدة هناك إبادة جماعية في منظورين على الأقل.
في حالة مثل السودان يقوم " الجنجاويد والحكومة.. أو يقوم الجنجاويد بدعم من الحكومة" كما يقول الأميركيون والموالون لهم والسائرون في ركابهم، بأعمال "الإبادة الجماعية".. فيقتلون ويدمرون ويحرقون.. إلخ، ومثلهم من وجهة النظر الأميركية ـ الصهيونية أيضاً، يقوم " الإرهابيون" في فلسطين وجنوب لبنان وفي العراق ـ أي المقاومة للاحتلال الصهيوني والأميركي ـ بالتخريب والقتل.. إلخ.
وعلى الوجه الآخر من سبيكة الموت والدمار والفوضى تلك نقوش يُراد لها أن تكون منسية أو ممسوحة أو "محمية"، تكتبها مجتمعات "ديموقراطية متقدمة.. "حرة وحضارية" إلى أبعد الحدود، تنشر الحرية والديموقراطية، وتدافع عنهما، وعن حقوق الإنسان، وتعمل بالوكالة عن الفرد والمجتمع و"الرب"!. وتتم تلك الأفعال المنقوشة على الوجه الآخر من السبيكة بوسائل وتقنيات وأساليب متقدمة جداً.. وليس بالحصان والجمل والسيف والعصا والبندقية والحجر واللغم البشري وصاروخ " القسام أو صلاح الدين 8 كم المصنَّع في ورشة حدادة في غزة!.. كما يفعل جن السودان والمقاومون الفلسطينيون!! مما يسمح لها بأن تكون مختلفة جداً في التقويم والحكم عليها.!!
على وجه السبيكة الآخر نقرأ قتلاً وموتاً وفوضى وفقدان أمن وأمان، وتدميراً لمقومات العيش والبقاء.. هناك نقرأ كل أنواع الإبادة الجماعية والإرهاب والتعذيب والإذلال، ونراها ونتابعها يومياً في غزة ورفح وخان يونس وبيت حانون وجنين ونابلس، وفي سلسلة السجون والمعتقلات الفريدة مثل نفحة وعسقلان ـ السجون الشقيقة لـ " أبو غريب وغوانتنامو الأميركيين وأوشفيتز وبوخنفالد النازيين ـ ونجدها في مواقع النزف والموت والدمار على أرض فلسطين في كل ساعة من الوقت، حيث يستنزَف الجسد الفلسطيني وتستهدَف روح الشعب وصموده وإرادته ووجوده ذاته، في مسلسل إبادة بطيء مدروس متنوع الأساليب والأدوات، ومستمر منذ عقود من الزمن تحت سمع" الأخلاقيين والعادلين والأحرار والمحرِّرين..إلخ" وبصرهم بهدف تحقيق مشروع هو الإدانة الأخلاقية بذاتها، لأنه الإرهاب والعنصرية والإبادة والعدوان والقمع والاقتلاع..!! ولكنه ـ والفارق هنا كبير وخطير ـ يتم بقوى "دولة" وبقرارها المعلن وبأدواتها وأسلحتها المتقدمة جداً.. دولة فوق القانون هي الكيان الصهيوني وتجعل من خرافاتها ونفسها "القانون والمعيار والمرجعية الأخلاقية"!. ويتم ذلك الفعل بأحدث الأسلحة الفتاكة، وبعلم من " مراجع" القوة والقرار في العالم التي تقر، أو تسكت على، قاعدة تقول: نحن نقتل الأطفال حتى لا يقتلوننا عندما يكبرون، فنحن نقرأ في عيونهم نوايا الشر، وهم في المهد.. وبهذا نقوم بحرب استباقية دفاعاً عن النفس، ونحن نطبق قاعدتين شهيرتين يضعهما الأقوياء ويعمل بهما الضعفاء: " من ليس معنا فهو ضدنا" و " اعتماد توجيه الضربات الاستباقية للخصم المحتمل عندما نقرر نحن ذلك ولأسباب تخصنا وحدنا". وحقوق التأليف محفوظة كلياً لصاحب القاعدتين.؟!
على وجه السبيكة الآخر، وفي مكان آخر من العالم العربي والإسلامي: موت وقتل ودمار وحرق بالنار، وتوظيف لطاقة شعب ضد نفسه بفعل الفساد والإفساد والإغراء والإغواء.. ففي أرض العراق قتل للمدنيين الأبرياء: أطفالاً ونساء وشيوخاً بعشرات الآلاف في النجف والفلوجة والكوفة وبغداد ومدينة الصدر في بغداد وفي بعقوبة وتل الأعفر والموصل.. إلخ، وفي تربة العراق الاجتماعية زرع للفوضى، وتوظيف لها واستشراء لطغيانها، أتى على حساب الأمل بالأمن والأمان وعودة الأمل بحياة مستقرة حرة كريمة لشعب بأكمله، ولبلد عريق في الحضارة، بعد أن تم تدمير شامل لبناه التحتية والفوقية بأحدث الأسلحة الفتاكة، وبإعلان عدوان خارج على القانون والخلُق والوجدان عليه واحتلاله، وباستمرارية استراتيجية تشكل إبادة جماعية منهجية في المحصلة النهائية، لأنها تسفر عن الكثير من الموت والدمار وقتل الأمن الأمل معاً.
فهل يكمن سر السكوت على هذا النوع من الإبادة الجماعية المنظمة والمستمرة لسنوات ولعقود من الزمن، مثلما هي حالة الشعب الفلسطيني، في كون هذا النوع من الإبادة تقوم به دول بجيوشها وأحدث أسلحة الدمار التي تستعملها بتفوق شرير، ومن خلال خروج علني على القانون والأخلاق مغطى بغطرسة علنية وعدوانية سافرة!. وهل إذا قامت دولة محتلة بقتل عشرات الآلاف، وجرح مئات الآلاف من البشر، وتدمير بيوتهم، ومقومات عيشهم وأمنهم وبقائهم كلها، بهدف إبادتهم بعد إذلالهم، وإجبارهم على الرحيل عن وطنهم، أو الركوع للمحتل هم ووطنهم، في إطار سياسة توسعية إمبريالية قائمة على مصالح وتطلعات استعمارية، وتستخدم فيما تستخدم أكاذيب معززة بالإعلام والقوة والمال.. هل يصبح عملها مسوَّغاً وأخلاقياً، ويجب السكوت عنه ومباركته والترحيب به.. لأنها الأكثر فتكاً والأبرع في الكذب وشراء الضمائر أو تخويف الدول والشعوب والأفراد ضمناً؟! ولا يستطيع الفعل النظير الناتج عن رد فعل على العدوان، وعن حالة دفاع حقيقي ومشروع عن النفس والوطن، ورغبة في الحرية والتحرير والحياة الكريمة بعيداً عن صيغ الاحتلال والعدوان والهيمنة.. لا يستطيع أن ينفي عن نفسه تهمة الإبادة الجماعية التي توجه إلى ما يقوم به لأنه ضعيف أو..؟! ولا يُسمَح لأي من أفراد ذلك النوع من البشر بأن يوضح حقيقته ومواقفه وأوضاعه، ويدخل إلى صروح " المجتمع الدولي" الممرَّدة بالدم والظلم والدموع.. شاهداً على عصره، لأنه محكوم عليه قبل أن ينطق، وربما قبل أن يولد لأسباب تتعلق بالعرق والعقيدة والثقافة!.
كلام الوزير باول عن الإبادة الجماعية التي يقوم بها الجنجاويد، وأنا لا أقر ما يجري هناك بأي شكل من الأشكال ولا أراه إبادة جماعية، لا تبيح لـه أن يخفي الجرائم المماثلة وجرائم الإبادة الجماعية الحقيقية التي ترتكبها قوات بلده، والجرائم النكراء التي يرتكبها حليفه الصهيوني في فلسطين.. فيسمي القتل والدمار في مكان إبادة جماعية، ويسمي القتل والدمار والتعذيب والإرهاب والإذلال في مكان آخر دفاعاً عن النفس وتحريراً وحرية، ومنَّة من الدول " المتحضِّرة" على الشعوب والبلدان والدول المتخلفة لأنها "تخلصها" بذلك من واقعها المر بالموت الأمرّ، وبالدمار التام والإبادة الجماعية السريعة التي لا تتوقف عند حدود إبادة الجسد وأفراد الشعب ومقومات عيشه وأمنه وبقائه، وإنما تجهَد لإبادة الرؤية والفكر والتاريخ والثقافة والهوية والحضارة والعقيدة الدينية على الخصوص.. مثلما تُستَهدَف به العروبة والإسلام اليوم !!
هذا نوع فريد من المعايير والأحكام والأخلاق والسياسات والاعتقادات.. التي يمارسها ويروجها في عالمنا، المنكوب بغطرسة القوة العنصرية والشهية الإمبريالية ـ الصهيونية، مهووسون بـ "هرمجدون" يصنعونها ليبارك " الرب" جهدهم وبلادهم!! ويقولون بتكليف إلهي لهم يخرجون بموجبه العالم من العمران إلى الدمار، ومن الحياة إلى الموت، ليباركهم " الرب" ويبارك أفعالهم بوصفهم " منقذين" للبشرية!! ويكتفي بهم وحدهم: شعبه المختار، وعباده المخلصين.. بعد أن أبادوا " الغوييم"!. وقد أباح أولئك لهم، ولمن يتحالف معهم ويشاركهم رؤيتهم، أباحوا مبدأ توجيه الضربات الاستباقية ضد من يقررون هم أنهم ضدهم، ويشكلون خطراً عليهم، وقد يدافعون عن أنفسهم إذا ما هوجموا!.
إن قانون الغاب أرحم وألطف وأعدل وأقرب إلى الفهم من هذا القانون الذي يضعه أقوياء اليوم فوق رقاب البشر في أرض البشر.. الوحش في الغاب يفترس ليأكل، ولا يقتل لإرواء شهوة لديه في القتل.. والقوي في الغاب يعتدي، والضعيف يحاول بوسائله أن يدافع عن نفسه.. ولكن لا يجتمع صنف الأقوياء من فصيلة ما ليشكل حلفاً يبيد الفصائل الحية الأخرى كلها أو بعضها لأنها أضعف، ولأنه يريد أن يضعها تحت قدمه، ويرضي غروره ونظرته الاستعلائية!! في الغاب يسود قانون القوة والحاجة.. وقد رفضه الإنسان وعدَّله وخرج من تحت ظله، وغادر الغابة ليعيش في مجتمع الحضر والاستقرار والقانون والعدل الاجتماعي والرحمة، واحتمى بالشرائع ليضع قوة الخالق سنداً للعدل، وفوق من يستقوي على أخيه من المخلوقات البشرية بأدوات القوة ونزعة الشر.. وليصل إلى أمن واطمئنان.. ولكن.. خَلَفَ على الأرض خَلْفٌ يضع الشرائع والخالق في جيبه وينطقهما بما يشاء ويترجم عنهما ما يشاء.. ويجعل من رؤيته المريضة وقوته العمياء قوانين ومرجعية إلهية!.
إنني أعجب العجب كله عندما يتحدث الصهاينة والأميركيون المتسنِّمون مقاعد عالية في سدة الحكم والإعلام والسياسة والثقافة..إلخ، عن الأخلاق والقيم والحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان والعدالة والحضارة.. وهم ينتهكون هذه القيم بمعاييرهم المعتلة، وممارساتهم الفظيعة في كل دقيقة من دقائق الوقت، ويفسدون القيم والأحكام والتشريعات، وأسس الاحتكام للضمير والعقل وسلم الأخلاق وشرائع السماء!.
في المناسبات الانتخابية، وفي أزمنة الإعداد للانقضاض على الآخرين، وعلى فرصهم في الحياة ومصالحهم وأمنهم.. تراهم يتحدثون عن القيم ويذرفون دموع التماسيح على الإنسان الطيب، ويعلنون أنهم إنما يفعلون ذلك من أجل حريته وحقوقه.. ولكن حين تنقض طائرات الشبح والفانتوم ومروحيات الأباتشي والصواريخ من كل نوع ومن كل مكان، وأسلحة الدمار الشامل الملطَّفة، على بلد أو شعب.. وحين تنقض وسائل التشويه والتزييف والتحريف، وأدواتها السياسية والإعلامية والمالية والاقتصادية والثقافية على شعب أو بلد أو أمة أو ثقافة وعقيدة، تراهم هنا وهناك يفوقون الوحوش في لحظة الافتراس الدموية الفظيعة، مع فارق جوهري هو: أن وحش الغابة يفترس ليعيش، والوحش الإمبريالي الصهيوني العنصري يفترس بطبيعته ويتلذذ بموت الآخرين وألامهم، وبشعور التفوق الذي يغمره في تلك اللحظات، وهو يفعل ذلك ليشبع ساديَّة فاقت كل تصور للسادية، وليرضي "الرب" بقتل عباده الأبرياء لأنهم من " الغوييم" .. الآخرين؟!
ألا فتأملوا واعلموا وتعلموا واتعظوا يا أولي الألباب.!! وإن لله في خلقه شؤون تثير ما هو أكثر وأكبر من كل الشجى والشجون.
دمشق 10/9/2004
|