|
ديموقراطية الاحتلال والشرط الإنساني
سؤال ذو شُعب يلح علي ويلقي ظلاله على تفكيري من آن لآخر، إنه غاية في الاختصار، وربما في غاية التعقيد في الوقت ذاته من حيث نتائجه وانعكاساته على المحيط، والسؤال: هل تلغي صفة " دولة ديموقراطية" تمنحها دولة عظمى لحيلف لها وشريك في الاحتلال والعنصرية وممارسة التعذيب والإذلال وإرهاب الدولة، والمشروع الإمبريالي؟!.
وعلى أسس فاقعة من تغيير المصطلحات والمفاهيم والمعايير لدرجة يبدو فيها المجرم عادلاً والمعتدي الدموي " رجل سلام"، هل يلغي هذا التوصيف الشرطَ الإنساني لمواطنين واقعين تحت احتلاله؟. وحقوقَ مواطني دولة أو دول أخرى عندما يقعون في قبضته أسرى أو معتقلين أو محتلة أرضُهم. بحجة أنهم مواطني دولة غير ديموقراطية بالمعايير المزدوجة للدولة العظمى في كل المجالات!. وهل يحق للدولة "الديموقراطية" ما لا يحق لسواها من أفعال وممارسات مجافية للعدل والحق والمنطق والشرائع والتشريعات، ويجوز لها أن تخرج على القوانين الدولية وترفض حكم محكمة العدل الدولية، وتستمر في قتل الأبرياء في ظل سكوت " الديموقراطيين " على جرائم يرتكبها "الديموقراطيون." بحق الشعوب؟! وهل يُفترَض بالطاغية " الديكتاتور" أن يكون، أو يُتَوَقَّع منه أن يكون، أكثر استعداداً لمراعاة الشرط الإنساني من الديموقراطيين، سواء أكانت المراعاة المطلوبة هي لمواطنيه أو لمواطني الدول الأخرى الذين قد يقعون في قبضته، لا سيما تلك التي يناصبها العداء، أو التي يقوم بينها وبين وطنه وشعبه عداء. وهل الديموقراطية ضمانة مطلقة من الخطأ والطغيان الجماعيين ومن الظلم والعدوان، وبطاقة تفويض بيضاء يستطيع من يحصل عليها أن يفعل ما يشاء من دون حساب.. أم أن التاريخ المعاصر يقدم لنا مشاهد فاضحة وفظيعة لممارسة ديموقراطيات " عريقة وفق ادعائها"، ولأنواع من العدوان والافتراء والتهديد والإرهاب ما أنزل الله بها من سلطان تقوم بها تحت ذرائع شتى، وتمضي في الكذب إلى درجة تزييف كل شيء بما في ذلك الضمائر والوقائع والحقائق، بحجة أنها " ديموقراطية"، وتلقى مع ذلك مهللين ومصفقين منافقين. وهل الوصول إلى الحكم بالوسائل الديموقراطية الصورية أو حتى الديموقراطية النظيفة السليمة يؤدي بالضرورة إلى نفي حصول الاستبداد والحرب، وعدم تزييف الديموقراطية ذاتها مستقبلاً، ومنع وقوع العدوان لتحقيق مصالح وتصفية حسابات كريهة مع عقائد وثقافات وشعوب؟!
آمل ألا تُحمل هذه الأسئلة على التشكيك بالديموقراطية، أو توحي بانحيازي ضدها، فأنا من الكارهين للطغيان والطغاة من أي جنس ولون، ومن القائلين إن الديموقراطية نظام حكم وأداة من أدوات العدل والحرية والتحرير، وأنها "تتمتع" بمساوئ لا تحصى بين أنظمة الحكم الأخرى، ولكنها تبقى أقل تلك الأنظمة من حيث المساوئ وإمكانية معالجتها تلك المعالجة التي لا تتم إلا بمزيد من الديموقراطية السليمة وممارستها باحترام للعقل والإنسان.
غير أن الدافع لطرح السؤال هو الادعاء العريض الذي يدعيه " ديموقراطيون " من مواقع شتى، بحقهم في قهر الآخرين وإصدار حكم عليهم، وجرهم إلى المواقع التي يريدها عدوهم، وإجبارهم على الخضوع إليه لأنه قوي وليس لأنه على حق.. وكل ذلك بذريعة أنه ديموقراطي ومن يعتدي عليهم " غير ديموقراطيين"!. والقول بمناصرة العنصرية العدوانية الاستعمارية بذريعة أنها ديموقراطية، والسكوت على ممارساتها غير الإنسانية في مجالات شتى تحت ذلك الشعار أو الغطاء.. يحمل عنصرية بغيضة هي ذريعة للعدوان، وعار على كل نظام حكم بما في ذلك نظام الحكم الديموقراطي.
الأنموذج معروف وصارخ جداً: الولايات المتحدة الأميركية التي يصنع ديمقراطيتها أصحابُ رؤوس الأموال، واليهود ومجموعات الضغط الصهيونية، وعلى رأسها اللوبي الصهيوني " إيباك " بالدرجة الأولى، وتنصِّب نفسها " حارساً للديموقراطية " وناشراً لها!. وتدعي لنفسها احتكار تفسيرها، ومنح صفتها لمن تشاء، وحجب تلك الصفة عمن تشاء، و الكيان الصهيوني الذي يمارس الاحتلال والتوسع والعدوان والإبادة الجماعية في فلسطين، ويقوم على التمييز العنصري ـ بين: العرب واليهود، وبين اليهود أنفسهم: أشكينازيم وسفارديم، بيض وسود ـ ذلك التمييز البغيض، ويقتل ويدمر ليل نهار ويزيف الوقائع والحقائق والقيم الإنسانية في كل موقع.. ومع ذلك يُقدَّم على أنه أنموذج "الدولة الديموقراطية" التي يجب أن يُحمى في محيط لا يعرف الديموقراطية ويجافيها، وتبيح لها " ديموقراطيتها " إبادة الآخرين في ظل رضا " رباني " يمنحه آلهة الدم والموت والدمار!.
أنا لا أدافع هنا عن الديموقراطية العربية فهي في حالة بؤس شديد، ولكنني ألقي أسئلة تتعلق بـ " ديموقراطية " القهر والاحتلال التي يمارسها آخرون، وأكاد أطرح موضوع العلاقة بين الديموقراطي والإنساني والخُلُقي فعلاً، انطلاقاً من تراكم تجارب بشرية تشير إلى فقدانٍ للإنساني والخلُقي والقيمي في كثير من ممارسات الدول التي تدعي أنها تطبق الديموقراطية وتدافع عن حقوق الإنسان!.
ـ الحزب " القومي الاشتراكي " في ألمانيا الثلاثينيات ـ أي الحزب النازي ـ فاز بالحكم ديموقراطياً بزعامة هتلر، وقاد ألمانيا إلى النازية كما قاد العالم إلى الحرب العالمية الثانية: وهي حرب أوربية كلفت العالم أكثر من خمسين مليوناً من الضحايا، فضلاً عن الدمار والمعاناة وخلق توتر وصراع مرٍ دام عقوداً لاحقة من الزمن، وكان ذلك الصراع بين "ديموقراطيات أوربية أولاً" دفع ثمن أخطائها وامتلاكها للقوة المدمرة العالمُ كله.. ومضى كل ذلك الفصل الكارثي من حياة البشر من دون اعتذار تقدمه الديموقراطياتُ وشبه الديموقراطيات المتقاتلة، منتصرة ومنهزمة، للشعوب التي دفعت الثمن الفادح من دون ذنب ومنها الشعب العربي!.
ـ والشيوعيون: السوفييت وسواهم، سواء من وصل منهم إلى الحكم أو من لم يصل، من مات منهم ومن ينتظر الموت النظري مكابراً، زعموا أنهم وكلاء الديموقراطية في الأرض، وسموا أنفسهم في "الشيفرة" المتداولة: الديموقراطيين والوطنيين والعلميين بتجريد حاسم ومعلن لسواهم من الديموقراطية والوطنية والعلم!. وقدموا بالنتيجة أنظمة حكم هي من أعتى الديكتاتوريات في التاريخ، وقالوا صراحة: " الديموقراطية لنا وليست لأعداء الشعب"، وهم يجيزون لأنفسهم أن يحددوا من هم أعداء الشعب!! وديمقراطيتهم هي " ديكتاتورية البروليتاريا"، وكل من ليس شيوعياً منظَّماً هو عندهم عدو للشعب أو عدو محتمل له، إلى أن يثبت العكس في الدار الآخرة التي لا يؤمنون بوجودها أصلاً !!
ـ والديموقراطية الأميركية التي يصنعها ويحركها وينتجها أصحابُ شركات الطاقة العملاقة، وصناع السلاح، وتجار النفط والحروب وسفك الدماء، ورأس المال الجشع، وأصحاب الاحتكارات التجارية والصناعية الكبيرة، والصهاينة والمتصهينون الذين يؤمنون بالحلم الصهيوني من المسيحيين الإنجيليين المتعصبين، وذوي الأحقاد الدينية والثقافية على الأمم والشعوب الأخرى.. تلك الديموقراطية مسؤولة مسؤولية مباشرة عن: إبادة الهنود الحمر، وعبودية الأفارقة السود وقتلهم والتسبب في معاناتهم من التمييز العنصري خلال قرون من الزمن في أرض " الحضارة" الجديدة، وعن الاستخدام الأول للقنبلة الذرية في هيروشيما وناغازاكي، وعن الاستخدام الأول للأسلحة الكيمياوية في فييتنام ـ سلاح الأورانج ـ والأسلحة المحرمة دولياً، وعن مآسي حرب الكوريتين وحرب فيتنام وحروب عدة فظيعة في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، وعن تدمير دولتين تدميراً تاماً هما العراق وأفغانستان، وعن معاناة الواقعين تحت الاحتلال وأشكال الحصار والقهر والخوف، وعن عمليات النهب المستمرة لمعظم ثروات العالم وأمواله في القرن العشرين على الأقل، وعن سباق التسلح، وتلوث البيئة بالنفايات النووية.. إلخ، وعن تنامي العنف والإرهاب في عالمنا اليوم، وعما يجري من مآس ومخاز وجرائم تحت عنوان محاربة الإرهاب.
ـ أما أنموذج الديموقراطية الصهيوني في فلسطين المحتلة، الذي تدعمه الإدارات الأميركية المتوالية: مالياً وعسكرياً وسياسياً وإعلامياً، وتقدم لـه المال والسلاح ليستمر في الاستيطان بناء السور المحكوم بعدم شرعيته دولياً.. فهو مسؤول عن ولادة الإرهاب وانتشاره واستمراره ـ وعلى رأس الممارسات الإرهابية الاستيطان واقتلاع المواطنين الفلسطينيين من أرضهم وتاريخهم ووطنهم ـ ومسؤول عن الحروب والمذابح والمآسي التي لحقت بهذه المنطقة منذ ست وخمسين سنة على الأقل، ومسؤول عن استنزاف ثروات المنطقة وطاقاتها بالكامل، وجعل أهلها يعيشون حالة من استمرار الأزمات تمنعهم من الاهتمام لشؤونهم الاجتماعية والإنسانية، وتحقيق التقدم الفعال في ميادين العلم والعمل، والقضاء على أشكال الديكتاتورية والفساد في معظم مجالات الحياة والعمل والإنتاج؛ وهذا الكيان البغيض هو بنظر مؤيديه وشركائه والمعجبين به من الغربيين عامة والأمير كيين خاصة، هو الأنموذج الذي يحق لـه أن يفعل ما يشاء، عندما يشاء، وكيفما يشاء، والذريعة التي تسوِّغ لـه ذلك أنه في وسط " غير ديموقراطي ".. وسط عربي متخلف.. وسبب تخلفه الأول أنه " يعتنق الإسلام"، ويتكلم العربية، ويدافع عن نفسه، ويريد الحرية والاستقلال فوق أرضه المحتلة، التي ينادي بتحريرها من المحتلين الغاصبين، وأصحاب مشاريع الهيمنة العالمية!!
ويحق لنا أن نتساءل: ترى إذا تحولنا إلى نوع من الديموقراطيين من نمط شارون ونتنياهو وموفاز، أو من ذلك النوع الذي يصنعه اللوبي الصهيوني، ويحركه في الولايات المتحدة الأميركية.. هل نصبح مقبولين ونستطيع عندها أن نغير النظرة إلى حقنا في فلسطين والجولان والعراق، وإلى قوميتنا وثقافتنا وديننا، ونوقف تهويد القدس ونحافظ على حقوقنا وثرواتنا ومصالحنا وينشأ تعاطف معنا، أو نظرة منصفة لحقنا التاريخي وماضينا الحضاري وعقيدتنا السمحة، أم أن ذلك مرتبط بتخلينا عن كل شيء يمثلنا، وعن حقوقنا والكرامة في الوقت ذاته؟! ببساطة شديدة أقول: إن المطلوب هو محو إرادتنا وجعلنا تبعاً في كل شيء والخضوع للعدو التاريخي لأمتينا العربية والإسلامية.. إن كل ما يقول به الأميركي هو ذرائع للتدخل والعدوان وفرض الهيمنة، وما يروجه هو سلعٌ سياسية لدولة تنتهك كل شيء في سبيل تحقيق مصالحها وفرض هيمنتها ومشروعها الإمبريالي الكبير في المنطقة، والانتصار في حرب " مقدسة" يسميها مسؤولوها تسميات شتى.
وأقول بكل الاقتناع: إن الديموقراطية: هي حرية ومساواة، ومن دونهما لا يكون شرط إنساني ولا تقدم ولا استقلال ولا انعتاق من القيود والمعوِّقات، وأن الحرية، هي جزء من الفطرة البشرية العامة التي جُبلنا عليها ودعينا لاحترامها والتمسك بدينها، الإسلام دين الفطرة، نحن المسلمين: فالإسلام دين الفطرة، وأنه لا عدل ولا حكم ولا تطبيق سليم للعقيدة من دون احترام للحرية وتحقيق للمساواة، ركني الكرامة البشرية والشرط الإنساني المتكافئ؛ وأن الشورى إحدى طرقنا إلى ممارسة تتضمن الديموقراطية أو تبدأ منها، وقد تتوقَّى الكثير من عيوبها. هذا حق لنا ومحقق لأبسط شرط إنساني نتطلع إليه، ولأول خطوة نخطوها على طريق التقدم الحضاري والعدل الاجتماعي. ولكن حتى لو أصبحنا ليس " ديموقراطيين على الطريقة الأميركية " فقط، بل ومن جنس الملائكة التي تحرك الرئيس بوش وتحرسه "بتكليف إلهي" ويحركها هو لتحقيق " نداء التاريخ" له!. وذلك التكليف الإلهي" الذي كُلِّف به" ولا يهم أن نعرف من "أي إله" تم وكيف.. إذ يكفي أن يقول هو أي شيء ويؤيده نوع من "العلاويين" الكثُر الذين تصنعهم بلاده حتى تصبح الأمور صحيحة ووردية تماماً ولا غبار عليها!. أقول حتى لو تم ما يريد وكنا كما يريد، فلن يعيد ذلك لنا حقاً وأرضاً واحتراماً لأننا مغايرين.. لأننا الآخر.. لأننا " الغوييم"..!! وأن وضعنا لن يتغير ما لم نملك قوة نؤكد بها حقنا وندفع بها عن ديننا ومقدساتنا، ولن يرضى عنا الغربييون والصهاينة، إلا إذا تخلينا عن كل ما يتصل بمقومات هويتنا وثقافتنا وعقيدتنا، وسلَّمنا بأن نكون لهم تبعاً من درجة دنيا.. وهذا لن يكون بعون الله.
وسبحان الذي نبهنا لذلك ووضح لنا طريقنا وخلاصنا بقوله الكريم: ((ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم، قل إن هدى الله هو الهدى، ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير.)) البقرة 120 / صدق الله العظيم.
دمشق الجمعة 24/9/2004
|