صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الخامس) - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2004

الدم الفلسطيني وقانون لانتوس

شهركم مبارك، وصيامكم مقبول، وكل عام وأنتم بخير..‏

عند عتبة شهر رمضان الفضيل هذا العام 1425 هـ نقف على أبواب من الألم والدم والدمار في وطننا، ونتخطى عتبة من عتبات الإحباط ولكن لا يمكن أن نفقد الأمل أو نركع للغازي والمستبد، نُكبِرُ الشهداء ونحيي ذويهم ونرفع تضحياتهم عالياً، لأنها من أجل العدل والحرية والوطن، ونقف مع المقاومين الشرفاء مؤكدين مشروعية ما يقومون به وقيمة أدائهم الكبير ولو كره الكارهون، ونشهد قصفاً وحشياً للمدنيين بالطائرات في الفلوجة وغزة، ونسمع تأييداً لمن يقومون به من هذا الركن أو ذاك في عالم ينتهك حرماته الأقوياء، ولا تقوم فيه للحقيقة قائمة في أي محفل من محافله المهيبة.‏

جيش العدو الصهيوني يفترس المخيمات في قطاع غزة، يقتل ويدمر على هواه، ولا يقيم حرمة لمدنيين أو لمدارس أو لأطفال أو لمؤسسات دولية تتباكى على أطفال غزة الذين يستهدفهم الرصاص " الإسرائيلي " وهم في صفوفهم على مقاعد الدرس، تذرف عليهم دموع التماسيح، ولا تفعل أكثر من إظهار الحزن على طريقة الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان الذي عبر عن حزنه، ولم يستطع أن يسمي أطفال فلسطين الذين ربما حزن من أجلهم بالاسم!..‏

ويعد ذلك الجيش المجرد من الأخلاق وفقاً لتعاليم قياداته وحاخاماته، يُعِدُّ لما هو أسوأ من ذلك في الضفة الغربية وسواها، وقد أجرى تدريباً في قاعدة "شيزافون" على تكتيكات عسكرية جديدة في حرب المدن، وعلى مشروع عملياتي هو هجوم على الجبهة السورية!.‏

والحديث في الكيان الصهيوني عن انسحاب من غزة هو حديث عن تدميرها والقضاء على كل من يرفع راية المقاومة، واسم الله، وإرادة الشعب الفلسطيني، وتحرير الأرض.. تدميره أولاً، وإنهاء مراحل التسوية كلها التي ينتظرها الفلسطينيون والعرب والعالم على طريق " خريطة الطريق" ثانياً، ولكن بمرحلة واحدة وحيدة لا تتكرر: فغزة أولاً وأخيراً هي ما يجول بخاطر الصهاينة الإرهابيين المجرمين الذين يتزايد نفوذهم مع تصاعد حجم إجرامهم، كما يتزايد استقبال أجهزة الإعلام العربية لهم وإقبالها عليهم واحتفاؤها بهم، لا سيما بجنرالاتهم الذين يقتلون الأبرياء والأطفال في مدن فلسطين وقراها.. وقد كان آخر "المشرفين" علينا من فضائياتنا العتيدة الجنرال أهرون زئيفي.‏

وقد خرج ذلك الموقف الصهيوني حول موضوع الانسحاب وأهدافه وأبعاده من الغمغمة إلى العلن، ولمن لم يسمع فقد قال مدير مكتب شارون، "دوف فيسغلاس" عن الهدف الحقيقي من الانسحاب من غزة، قال: "إن إسرائيل تهدف إلى تجميد عملية السلام ومنع إقامة دولة فلسطينية فعلياً".‏

العرب لم يقولوا شيئاً حول ذلك، فهم لا حول لهم ولا طول، وبعضهم يحرص على علاقاته بالعدو الصهيوني، أكثر من حرصه على فلسطين وشعبها ومقدساتها ومستقبلها، ولذلك يسلمون أمرهم لأولياء الأمر، وقد زمجر أحد أولي الأمر من أولياء الأمر باسم الاتحاد الأوربي غضباً من موقف الكيان الصهيوني وتصريحات مسؤوليه " اللامسؤولة" وأعلن باسم أوروبا التي يمثلها، أنه إذا ما تم ذلك فإن الاتحاد الأوربي سوف يفكر بقطع "المساعدات المالية عن إسرائيل".. يا لها من طامة كبرى قاصمة للظهر!. وكأن الأموال الأوربية بمنجاة من قبضة اليهود وسيطرتهم، وكأن الولايات المتحدة ستقطع مساعداتها الهائلة عن الكيان الصهيوني الذي يستغني عن أوربا ومساعداتها إذا ما صدقت في وعيدها، وكأن اليهود الأوربيين على الخصوص سوف يرتعدون من أوربي يمسكون بعنقه ويجرونه يومياً إلى المواقع التي يريدونها تحت التهديد والوعيد.. وباسم معاداة السامية وأكاذيب المحرقة وتجدد العداء لليهود!. يا لها من آفة أمسكت بقلب العالم وعقله وغشَّت بصائر وأبصاراً كثيرة.!.‏

في الولايات المتحدة الأميركية تمكن النائب الأميركي اليهودي "توم لانتوس". من تمرير قانون في الكونغرس، يلزم وزارة الخارجية في الولايات المتحدة الأميركية بتقصي حال اليهود في العالم كله، ومنه أوربا بطبيعة الحال، وتقديم تقرير سنوي حول معاداة السامية، وما يتعرض لـه اليهود من "اضطهاد" لتقوم الولايات المتحدة الأميركية بمعاقبة الدول وملاحقة الأشخاص والجهات والمؤسسات التي تؤذي مشاعر اليهود.‏

وعلى الرغم مما في هذا القانون من تمييز عنصري فاقع جداً، حتى بين الأميركيين أنفسهم الذين يتعرضون للاضطهاد والاعتداء والتمييز العنصري، داخل الولايات المتحدة الأميركية ذاتها، ومن أجهزتها ووزارة العدل فيها، إلا أن قانون اليهودي لانتوس سيحكم الدولة التي يمارس اليهود نفوذاً طاغياً فيها، ويجبرونها على تبني قضاياهم، وتمويل احتلالهم، وخوض حروبهم، وعلى تفضيل اليهود على غير اليهود من سكانها.. في ظل ديموقراطية عرجاء تشكو من: التمييز العنصري، وأسلحة الخداع الشامل كما قال كيري عن بوش، ونفوذ اليهود وسيطرة أساطيرهم على المناهج والثقافة والإعلام والعقول والضمائر، التي يجوز لنا أن نتساءل في ضوء كل الممارسات الوحشية التي تتم باسمها ضد مجتمعات ودول وأمم وثقافات وعقائد: هل هي حرة وديموقراطية وعلمية وغير متخلفة فعلاً؟!‏

لقد مُرِّر هذا القانون في زحمة التسابق على كسب الأصوات في حملة المرشحين بوش وكيري، للفوز برئاسة الولايات المتحدة الأميركي، وسوف يوقعه الرئيس مبتسماً ومنتشياً بالدفاع عن اليهود الذين يرفع "شارونهم" رجل سلام وقدوة له. وقد تم ذلك في وقت ينزف فيه الفلسطينيون حتى الموت، في غزة والضفة الغربية، من استمرار برنامج الإبادة الجماعية .. إبادة الجنس على أيدي اليهود العنصريين الذين أدانهم العالم بالقرار 3379 ثم ألغاه وعاد اليوم ليقول: " ظهر أن هناك في الأراضي الفلسطينية المحتلة نظام تفرقة عنصرية أسوأ من ذلك الذي كان قائماً في جنوب أفريقيا"!. وتم في وقت تقوم فيه الآلة العسكرية الصهيونية، التي تمولها وتغذيها وتساهم في تطويرها الولايات المتحدة الأميركية، بالعدوان والقتل والتدمير والإعداد لمرحلة جديدة من القتل والتدمير.‏

ربما كان هذا، يثير العجب والغضب، عند الناس الشرفاء في أنحاء العالم، ولكنه لا يثير سوى حماسة شاملة للكراهية والعدوان عند من يعادون العرب والمسلمين، ويخوضون حرباً صليبية بالمعنى الدقيق ضدهم على جبهات عدة.‏

لقد أشار مشروع القانون، قانون لانتوس، إلى أن تعقب العداء للسامية سوف يشمل من يتعرض لليهود في الإعلام والكتابة وفي المناهج التربوية التي بدأ " تجميلها بذكر محاسن اليهود"، إضافة إلى أمور أخرى، قد يكون من بينها الإساءة للمقابر .. وهذا النوع من القوانين الذي يمس حرية الرأي والتفكير والتعبير، ويجرِّم من يقدمون معلومة معرفية أو علمية صحيحة حول اليهود تخالف ما يريد اليهود أن يقدموه عن أنفسهم، كما يلاحق من يبحثون عن الحقائق ويدققون الوقائع التاريخية ويعرضونها على ميزان العلم والعقل تمهيداً لتصحيحها.. يلاحقهم بصورة أوسع وأشمل وأعمق. وقد حدث مثل ذلك لعلماء ومؤرخين وباحثين، ممن قاموا بمراجعة للتاريخ المتعلق بما يسمى المحرقة فحوكموا وعوقبوا ولوحقوا بموجب قوانين أوربية في بلدان ديموقراطية: فرنسا وسويسرا وغيرهما من البلدان التي كان وراء سن قوانين من هذا النوع فيها اليهود، ولا سيما منظمة بناي بريت" أبناء العهد" اليهودية الأميركية.. وهذا القانون الأميركي الجديد .. قانون لانتوس يجعل من مصادرة الفكر والحرية والبحث العلمي في موضوع يتعلق باليهود قضية مشروعة وليست جريمة يعاقب عليها القانون.‏

وقد تلاحَق بسبب ممارسة هذا الحق الإنساني المشروع، الذي تكفله الشرائع والديانات والقوانين دولٌ وعقائد وثقافات فضلاً عن الأشخاص، وقد تُفرَض بسبب من ذلك العقوبات الاقتصادية وتشن الحملات العسكرية.. على نمط ما يجري للعرب والمسلمين اليوم!!.‏

وهذه أفعال " ديموقراطية تعزز المساواة والحرية والعدل والتفكير والبحث..!!." وهي مسوغة عند المتطرفين الأميركيين الذين يرفعون اليهود ومتطرفيهم ومجرميهم فوق المساءلة والقانون والقيم والبحث العلمي عن الحقيقة، ويجعلون أكاذيبهم وأساطيرهم فوق النقد والفضح والجرح والتعديل، ويؤيدون جرائمهم وإرهابهم تأييداً مطلقاً مهما بلغ مداه واشتد أذاه.‏

ما ذا تعني الممارسات الصهيونية العنصرية المستمرة ضد الفلسطينيين، وماذا يعني صدور مثل هذا القانون للعالم، وللأميركيين، وللعرب والمسلمين في هذه الظروف بالذات؟! وهل لهم موقف من ذلك، أو رد عليه، أو تحرك حياله في نطاق دولي، أو ضمن التجمعات الدولية والمؤسسات المعنية بحقوق الإنسان والمجتمع المدني؟! قد يقال إنه قانون أميركي ولا شأن للعالم به!. ولكن الملاحظ في عصر النفوذ الأميركي اليهودي، أن كل ما يتعلق بيهود العالم، يصبح قضية أميركية يساندها مجلس الأمن الدولي رغماً عنه، وكل قضية أميركية تصبح قضية مفروضة على العالم بقانون أميركي يشقى به الناس وتدفع ثمنه الدول والشعوب.‏

ويبدو أنه لا يجوز لنا أن نسأل: ما الذي جرى لعالمنا.. فذاك تساؤل، أو سؤال مدخول بالتجاهل، لأن المعرفة بما جرى لـه كافية وضافية، فقد سيطر عليه المتطرفون، وحكمه اليهود بأموالهم ونفوذهم وأشياعهم وأتباعهم وبالقوة التي يملكها المتهوِّدون، وسيطرت فيه الأنانية المتورمة، على الدول والأنظمة والأشخاص، وتراجع البعد الروحي والخُلُقي لدى جماعات وأفراد فما عاد يعنيهم ما يجري للعالم وأهله، وانتشر في عالمنا، الخوف من قوة ممتلئة بالحقد على الآخرين منخورة القيم الإنسانية، تطل على العالم من علٍ وتوهم أهله بأنهم أدنى وبأنها تنقذهم.. وهي تبيدهم بكل المعاني، وتنمِّط حياتهم وسلوكهم وثقافتهم، وتدمر البيئة الروحية والخلقية والثقافية والتعددية، التي تنتعش فيها النفوس والمجتمعات، ويزدهر فيها التنوع الذي يمهد لازدهار الحضارة الإنسانية بمفهومها الشامل السليم.‏

عالمنا اليوم موبوء، على نحو ما، بتفكير وتدبير يقومان على الاستعلاء الفارغ الكريه، والعنصرية المتغلغلة في تربية وثقافة وعقيدة تلمودية متخلفة تحكم القوة المتغطرسة وتوجه شرورها وتفرضها القوةُ بدورها على الآخرين وتعلي مصالحها وتجعلها فوق المساءلة، وليس لعالمنا نجاة مما هو فيه، إلا بالمعرفة الدقية بالصهيونية وخططها وشرورها وبخطط حلفائها، وبامتلاك العلم والعمل به على أرضية من الإيمان والأمل، بتحقيق نصرٍ للإنسانية على أعدائها الذين يدمرون قيمها ومقوماتها، وينصبون أنفسهم ممثلين لها ووصاة عليها .. ولن يكون ذلك إلا بامتلاك القوة على أرضية الإيمان والأخلاق والعلم، واحترام الإنسان وحقوقه وحرياته على أرضية المساواة التامة بين بني البشر ومراعاة مصالحهم.‏

دمشق 15/10/2004‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |