صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الخامس) - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2004

بيان مجلس الأمن أنشوطة أميركية

يراد للبيان البيان الرئاسي الذي أصدره مجلس الأمن الدولي يوم 19 تشرين أول / أكتوبر 2004 ، استناداً إلى تقرير الأمين العام والقرار رقم 1559 أن يكون أنشوطة في عنق سورية، تشدها الولايات المتحدة الأميركية حتى مدى الخنق، كلما أمر الكيان الصهيوني، واقتضت مصالحها ذلك، كي تنفذ سورية، ولبنان بضغط من سورية، كل ما يريده الاحتلال الأميركي في العراق والاحتلال الصهيوني في فلسطين والجولان ومزارع شبعا. وإذا كان من الأمور المستهجَنة أن يتحول مجلس الأمن الدولي إلى أداة بيد الولايات المتحدة الأميركية، تحركها كيف تشاء خدمة لمصالحها ومصالح حلفائها، فإن من المستهجَن بصورة أغرب وأعجب، أن يصيح كثيرون في الوطن العربي من المرتبطين بمخطط الاحتلال والاستعمار، كلما طلبت منهم الإدارة الأميركية الصهيونية الصياح، فيصبح صياحهم صوت الرأي العام العربي والدولي وإرادة الشعب والأمم!! وكأن الحق معهم والعدل منهم ولهم، ومطالبهم الاستعمارية والعنصرية آيات منزلات!.‏

قوة الاحتلال الأميركية ـ الصهيونية حددت مطالبها من سورية بما سمي " قانون محاسبة سورية وتحرير لبنان" وأخذت تفرض عقوبات متدرجة وتبرمج أزمات منظمة لتكسر الإرادة السورية، وتجعلها تقوم بكل ما تريد، ومن ذلك ملاحقة المقاومة الفلسطينية واللبنانية والعراقية لأنها تزعج استقرار الاحتلال والمرتبطين به، وتعيق تنفيذ برامجهم!. فالمقاومة للقهر الأميركي ـ الصهيوني مرفوضة، وهي إرهاب، أما إرهاب المحتلين العنصريين ودمويتهم الشنيعة وجرائمهم الفظيعة فـ "رحمة من الله وبركة" يجب أن نحمدهم عليها ونستزيدهم منها ونساعدهم على ترسيخها!.‏

لقد أصبحت العلاقة السورية ـ اللبنانية، ومقاومة حزب الله، والمقاومة الفلسطينية، وبقية مطالب الولايات المتحدة الأميركية، والكيان الصهيوني من سورية، مطالب أممية بموجب القرار 1559 الذي يرسخ التدخل الفظ في الشؤون السورية ـ اللبنانية، وأصبح على السوريين أن يلهثوا، ليقدموا للصهاينة والأميركيين خدمات أمنية وسواها مما يجلب الرضا، سواء أكان ذلك في العراق أم في لبنان وفلسطين، وإلا فالأنشوطة باليد، ومجلس الأمن مطواع ورياح الاستعمار مواتية، والقوة الغاشمة تتلهف لضحايا!. وقد عبر إياد علاوي عما يريده الأميركيون في العراق من دول الجوار بقوله: "إن مؤتمر شرم الشيخ سيقوم بمطالبة دول الجوار بتأمين الحدود العراقية" إلى أن يصبح العراق قادراً على تأمينها. والمطلوب عملياً تأمين استقرار الاحتلال الأميركي وممثليه في العراق، وضمان انصياع المقاومة العراقية لـه ولهم.. وإلا فما معنى هذه المطالبة، وسورية تتعاون قدر ما تستطيع لضبط الحدود، وتبدي مرونة تتعارض مع ثوابتها ومبادئها وواجباتها!. هل المطلوب منها أن ترسل قوات لمساعدة الغزاة الأميركيين المعتدين الغارقين في المستنقع العراقي، إن عدم الاستقرار وعدم استطاعة جيش الاحتلال الأميركي ومن يوظفهم على ضبط الأمن هناك، هو المشكلة، التي يراد تصديرها أزمات وتهديدات ومطالب، وهو ما يراد لـه أن يكون مسؤولية دول الجوار، وتسأل عنه سورية خاصة من بين دول الجوار!. إذ من هي دول الجوار العراقي المعنية بذلك الحديث أصلاً!؟ ـ الكويت لا تسال أبداً عن ضبط حدودها مع العراق لأنها مضبوطة بالقوة الأميركية المتمركزة هناك منذ سنوات.‏

ـ وتركيا تقدم تسهيلات للقوات الأميركية الغازية، ولا تذْكرها الولايات المتحدة، ولا الحكومة العراقية المؤقتة في هذا المجال، ولا تطلب منها شيئاً، ولا يجوز لأحد أن يسال، عن الموساد الذي قد يتسلل من أراضيها إلى شمال العراق، وينتشر من بعد كيف شاء ليؤذي سورية وإيران ويتجسس عليهما!.‏

ـ والأردن لا يلاحَق بأي شيء من هذا القبيل لأنه موضع رضا الأطراف المعنية.‏

بقي من دول جوار العراق سورية وإيران، وكل منهما تعاني من الاتهامات والملاحقة والضغوط الأميركية ـ الصهيونية بأشكال مختلفة، والذرائع والتُّهَم كثيرة: من أسلحة الدمار الشامل إلى رعاية الإرهاب، وما بينهما يمتد نهر من الافتراء كبير غزير!.‏

والمطلب ذاته، أي تأمين الحدود وملاحقة المقاومة"، هو ما يريده الكيان الصهيوني من " دول الجوار!."، وما ترسخه الولايات المتحدة الأميركية في قوانينها وسياستها وعلاقاتها ليصبح مطالب دولية!. ودول الجوار المعنية بالمطالب الصهيونية هي سورية ولبنان حصراً، لأن مصر والأردن تربطهما بالكيان الصهيوني اتفاقيتا كامب ديفيد، ووادي عربة، وكل من الاتفاقيتين مرعية التنفيذ بصورة ملحوظة.‏

وقد أصدرت الولايات المتحدة الأميركية ما سمته قانون " محاسبة سورية وتحرير لبنان" للضغط من أجل تأمين حدود الاحتلال الصهيوني واستقراره، واستمرار مذابحه، وبرنامج الإبادة الذي ينفذه ضد الشعب الفلسطيني في فلسطين من دون ضجيج أو أي اعتراض، فعلى كل بلد عربي أن يبقى متلهياً بجراحه وخائفاً مكبلاً بالرعب، ملاحقاً بالاتهام، وساعياً لحماية رأسه من الأذى، ولا يجد فرصة من أي نوع ليقول: هناك جريمة تقع، والحركة الصهيونية يجب أن تدفع ثمن جرائمها.!.‏

في لبنان، يجب على سورية أن تجرد حزب الله من سلاحه، وتبعده عن أرضه ومواطنيه وأماكن وجوده وصموده، وأن تسرح عناصره، وتضع الجيش اللبناني على حدود الاحتلال، بعد أن تكون هناك في لبنان قيادة سياسية لبنانية تختارها الولايات المتحدة الأميركية و" إسرائيل" وتسخرانها لهذه الغاية، على نمط ما شهدنا من قيادات لبنانية نسقت مع الإرهابيين الصهاينة وعلى رأسهم مناحيم بيغن وشارون ووضعت معهم اتفاق 17 أيار/ مايو 1982، وفئات قاتلت في صفوف العدو الصهيوني المحتل ضد وطنها / جيش لحد/.. وحين انتصرت المقاومة على العدو والمتعاونين معه، تحولت تلك القوى إلى " قوة محررة" من نوع آخر يعمل ضد قوة الوطن وأحراره ومقاومته التي حررت الجنوب، وضد من وقف إلى جانب لبنان والمقاومة في أيام العدوان والاجتياح.. والمقاومة والتحرير واحتلال العاصمة بيروت، لتغيِّر ما تغيَّر في لبنان بشكل جذري: ميزان القوى وقواعد اللعبة السياسية، بفعل المقاومة التي أثبتت، أن قوة لبنان في مقاومته وليس في ضعفه، وبفضل وجود حزب الله وجهاده ومن ناصره، ولتعيد الصلات مع العدو الصهيوني، وتفتح لـه صدر بيروت، وترتكب مذابح جديدة من نوع صبرا وشاتيلا، التي ما زالت تسكن الذاكرة وتثقِل الوجدان!. وإذا لم يتم ذلك فسورية هي المسؤولة، لأنها لا تسمح بالقضاء على القوة اللبنانية، التي حررت وغيرت قواعد اللعبة الاستعمارية في لبنان، ولأن عليها أن تقوم بهذا الدور، خدمة للكيان الصهيوني الذي يتكرَّم باحتلال أراضيها منذ سبعة وثلاثين عاماً، ويهددها في أي وقت من لبنان، وعليها أن تطرد المقاومة الفلسطينية وتلاحقها بوصفها إرهاباً، وأن تلبي للكيان الصهيوني كل ما يريد، وتنفذ للإدارة الأميركية الغارقة في الوحل العراقي ما يساعدها، على ذبح الشعب العراقي الذي يقاوم الاحتلال الأميركي!.‏

هل يستغرَب هذا النوع من السلوك الدولي للأقوياء، ولمن يرتبط بهم من العملاء؟! هل يستغرَب في هذا الظرف الذي تفرض فيه الولايات المتحدة نفسها ومصالحها ومنطقها على العالم العربي والإسلامي خاصة، وتضع نفسها في خدمة المشروع الخطير.. مشروع الشرق الأوسط الكبير: الصهيوني ـ الإمبريالي بامتياز؟‏

لقد صدر بيان رئاسي من مجلس الأمن الدولي في 19/10/2004 بضغط من الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا، أعرب عن "قلق المجلس من أن المتطلبات المنصوص عليها في القرار رقم 1559 لم يتم الالتزام بها حسب تقرير الأمين العام، وطالب المجلس الأمين العام للأمم المتحدة، كوفي عنان، بمواصلة تقاريره حول أي تقدم في الوضع كل ستة أشهر.‏

والمجلس العتيد ذاته "فشل في 004/10/52 "باعتماد قرار يقضي بوقف الحكومة الإسرائيلية لعملياتها العسكرية في شمال غزة والانسحاب من المنطقة" فيما عرف بعملية "أيام الندم"، التي خلَّفت دماراً هائلاً، وأسفرت عن عشرات الشهداء ومئات الجرحى في صفوف الفلسطينيين، وأدانتها منظمات إنسانية ودولية بعد معاينة نتائجها المزلزلة على أرض الواقع، فشل المجلس العتيد في ذلك بسبب استخدام الولايات المتحدة لحق النقض "الفيتو". وقال ممثل الولايات المتحدة جون دانفورث العبارة الأميركية المشهورة لكثرة تكرارها: "إن نص مشروع القرار غير متوازن." ولذلك يصوت ضده، وادعى أن " مثل هذا القرار يشجع الإرهابيين، يعني الفلسطينيين الذين تبيدهم قوة الاحتلال العنصري الصهيوني كل يوم، وأنه لن يثني الإسرائيليين عن الرد، كما سيساهم في خروج عملية السلام عن مسارها"!. وكأن بلاده تثني الإرهابيين الصهاينة عن مسلسل الإبادة المستمر بتصاعد كبير، وكان آخر ضحاياه اليوم 22/10/2004 الشهيدان: عدنان الغول وعماد عباس في غزة، وكأن هناك عملية سلام ذات مسار أصلاً، وهناك من يحرص عليها ويعمل من أجلها بشرف، وكأن الإدارة الأميركية معنية بغير الصهاينة والاستعمار والمصالح وتشويه صورة العرب والمسلمين ونضالهم وحقوقهم وحضارتهم وعقيدتهم!. اللهم، إلا إذا كانت الإدارة الأميركية ترى في خطة شارون الرامية لإبادة الشعب الفلسطيني، خطة تفضي إلى السلام مباشرة بإنهاء وجود شعب وقضية عن طريق الإبادة الجماعية!!. في موضوع المذابح الصهيونية ضد الفلسطينيين تستعمل الولايات المتحدة الأميركية حق النقض في مجلس الأمن، وتلاحق الضحايا لحماية السفاحين أمثال شارون، أما في موضوع تعاون سورية ولبنان الذي يتم بإرادتهما ولا يلحق ضرراً بأحد فتلاحق البلدين لأنهما يتفاهمان ويتعاونان، ويعلنان تمسكهما بأرضهما المحتلة، ويرضيان المقاومة أسلوباً لإبقاء القضية حية، وتريد منهما أن يحميا من يحتل أرضهما، ويهددهما يومياً بالعدوان، ويقتل أبناء شعبهما في قطاع غزة والضفة الغربية، ويلاحق الهاربين من المجازر الصهيونية في منافيهم وأماكن تشردهم، لأنهم يفكرون بوطنهم الذي اغتصِب منهم.! أي منطق وأيّ قيم وأخلاق وقوانين، وأيّ أمم ينطق باسمها من يسوِّغ العدوان ويقصف المدنيين بالطائرات ويقتل الأطفال- والفلوجة خير مثال اليوم- ويحمي المعتدي ويشجع إرهاب الدولة اليهودية العنصرية، ويلاحق الآخرين باسم مكافحة الإرهاب والديموقراطية والحرية.‏

عالم مدمَّر القيم والمعايير والمنطق والضمير والحكمة والقانون بفعل القوة الغاشمة والخوف منها، ورفع المصالح فوق المبادئ، والتزام النفاق أسلوباً لمرضاة القوي، وبيع المواقف لمن يشتري بثمن على حساب العدالة ودم الشعوب ومصالح البلدان وأمنها واستقرارها!!.‏

لم تكن العلاقات السورية اللبنانية مصدر خطر أو تهديد في أي يوم من الأيام، ولكنها كانت منطلق تعاون لحقن الدم، وبناء المؤسسات، والوقوف بوجه العدوان والاحتلال دفاعاً عن النفس والأرض والحق، ولم يكن تعديل دستور دولة والتمديد، أو التجديد لرئيسها مثلما حدث في لبنان مع الرئيس لحود هو السابقة التي لا مثيل لها في العالم، فقد سبقها في لبنان سوابق، وفي الكثير من الدول العربية ودول العالم سوابق، وفي الشهر ذاته والسنة ذاتها كان هناك تعديل لدستور، وتمديد لرئيس، ولم يتحرك البيت الأبيض، أو يحرك مجلس الأمن الدولي للتدخل في شؤون دول تعدل دساتيرها تفعيلاً لسيادتها وتنظيماً لشؤونها الداخلية بديموقراطية لها وعليها، كما هي حال ديموقراطية شركة "إينرون" الأميركية التي أتت بالرئيس بوش إلى الحكم!.‏

والعلاقة السورية اللبنانية، ليست مما يؤثر سلبياً على الأمن والاستقرار الدوليين، ولكنها من الأمور التي لا يريدها الكيان الصهيوني، لأنه لا يريد أي تفاهم أو تقارب أو تنسيق من أي نوع بين أي بلدين عربيين، ولذلك يتحرك ويحرك أدواته والمرتبطين به للقيام بممارسة الضغط والتهديد.. والتدخل في الشؤون الداخلية للبلدان، خارج حدود المنطق والقانون.‏

إن العالم يسكت وقد يكون هذا النوع من الانصراف عن نصرة الحق والعدل مفهوماً من شعوب لا تتابع، وأنظمة تبحث عن بقائها ومصالحها ومنافعها، ولكن نهش الإعلام العربي بشراسة كل قطر تريد الإدارة الأميركية والحركة الصهيونية أن تلحقا به أذى، أو تضعفا قواه ومقاومته وصموده، أو تشوها صورته، الذي يهيئ الفريسة بطرادها حتى الإنهاك ليأتي الصياد ويلتقطها من عنقها، وهي تلهث من الإعياء، ثم يلتفت إلى فريسة أخرى قد تكون من بين من كان يطارد الفريسة الأولى، مستغرَب بدرجة صارخة وغير مفهومة على الإطلاق.‏

وإذا كان المنطق العربي يفضي اليوم إلى مثل ما نحن فيه من حال فعليه، أن يقبل بما لا يمكن توقعه من إضعاف وإذلال.. إلخ! في قادم الأيام.‏

وما دمنا في هذا الوضع، ويبدو أننا سنبقى فيه، نقترح أن تقوم أي دولة عربية، أو إسلامية تريد أن تجري اتصالاً، أو أن تعقد اتفاقاً، أو أن تقيم علاقات مميزة مع أيّ دولة عربية أخرى " شقيقة!!"، أن تأخذ موافقة الولايات المتحدة الأميركية، والكيان الصهيوني على ذلك، حتى لا تتعرض لعقوبات وملاحقات وتهديدات من مجلس الأمن الدولي لصاحبيه: " الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل"، ومن بعض أبناء الأمة العربية الذين ينهشون لحمها.‏

من المؤكد أن في هذا النوع من الحديث " عداء للسامية" تحاسب عليه القوانين الغربية عامة والقوانين الأميركية خاصة، ولكن ما ذا نفعل؟! فالله أكبر وهو الأولى بأن يُخشى ويطاع، وكلمة الحق أولى بأن تقال، وإنا لله وإنا إليه راجعون.‏

دمشق 22/10/2004‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |