صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الخامس) - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2004

تنافس الفيل والحمار ولاية الرئيس بوش الثانية

في الحلبة الانتخابية الأميركية رَفَسَ الفيلُ الحمارَ ورماه بعيداً. لم تكن تلك ضربة قاضية ولكنها ضربة شديدة التأثير وقد يدوم تأثيرها أكثر من أربع سنوات، هي مدة ولاية الرئيس بوش الثانية. حدث ذلك بفوز الرئيس جورج W بوش الجمهوري ـ ويرفع حزبُه صورة الفيل ـ يوم 3/11/2004 بـ 274 صوتاً من أصل 538 صوتاً هي مجموع التجمع الانتخابي وهي أصوات كافية لفوزه، وبعدد من الأصوات الشعبية بلغ 58،884،526 صوتاً،51 % من أصوات الناخبين الذين ما رسوا حقهم الانتخابي، وبزيادة حوالي 3،5 ملايين صوتا على ما حصل عليه منافسه جون كيري الديموقراطي الذي يرفع حزبُه صورة الحمار. ويقول الأميركيون إن هذه النتائج غير مسبوقة في تاريخ الانتخابات الأميركية.‏

وليس لنا أن نقرر لماذا أتت النتائج على هذا النحو وهل العوامل الداخلية هي التي فرضت ذلك أم العوامل الخارجية، فذاك شأن يعرفه أهله أكثر منا، ويحتاج تقصيه إلى وقت وبحث ليتم تشخيص أسبابه أو تحديد تلك الأسباب. ولكن النتيجة الملموسة الآن تؤكد مدة أربع سنوات قادمة للفيل يسرح ويمرح خلالها على هواه، وقد يعيث في الأرض فساداً، ويلحق دماراً بكثيرين، ولكنه يفعل ذلك الآن بتفويض شعبي أميركي يقر سياسة العدوان والاحتلال والغزو والضربات الاستباقية ونهج الإمبريالية الجديدة والتعالي المقيت باسم "التفوق الحضاري"، وخوض الحروب ذات الطابع الديني الشمولي بأغطية وأقنعة وشعارات على رأسها: نشر الديموقراطية والحرية والدفاع عن حقوق الإنسان، وتحقيق التغيير والإصلاح وفق المناحي والمفاهيم والرؤى التي تريدها الولايات المتحدة الأميركية، وتقتضيها مصالحها ومصالح حليفها الاستراتيجي: الكيان الصهيوني، لا سيما في المنطقة العربية، وضد بعض الدول العربية والإسلامية التي تقر مبدأ المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني والأميركي بالتحديد.‏

إن أكثرية الشعب الأميركي أعطت بهذه النتائج الانتخابية: "شرعية شعبية للحروب الاستباقية، وللتدخل السريع لدرء الخطر قبل وقوعه وحماية النفوذ الأميركي، وربما زيادة توسيعه"، كما يرى ويقدر ويقرر الرئيس بوش واليمين المتطرف الذي يسيطر عملياً على قراره أو يصنع ذلك القرار، واليمين المتطرف هو الذي انتصر عملياً في هذه الانتخابات. ولا أظن أن الرئيس بوش سيغير هذا التوجه تحت ذرائع تقول: " إن الرئيس سيمارس سياسات أكثر تشدداً، وسيكون محرراً من عبء محاولة استقطاب تأييد التيار الوسطي المعتدل داخل الحزب, فضلاً عن تحرره من الحسابات الانتخابية في ضوء عدم جواز الترشح لدورة رئاسية ثالثة"، لأن أفكار بوش الدينية وقناعاته الداخلية التي أثرت في رسم سياسته الداخلية والخارجية تتطابق مع رؤية اليمين المتطرف تلك التي أصبحت رؤيته على نحو ما، وسوف يعززها باستمرار ما يمكن أن نسميه الحصار الإعلامي والسياسي والفكري المضروب حوله، والعناد المتسلط عليه شخصياً. وهو يريد أن يكرس ذلك التوجه الذي يتبناه، كما يريد أن يخلد نفسه من خلال تكريسه، بتنفيذ هذه السياسة والنجاح في تقديم وجه روحي للمادية الرأسمالية المتوحشة وثقافي للإمبريالية الاستعمارية العنصرية التي يخوض الرئيس حرباً ضروساً لفرضها على العالم بوسائل وأساليب شتى، من خلال رغبة عارمة في تغيير العالم يغذيها هوس ديني وهلوسات رسولية تراوده.‏

وهذا يتنافى مع التوقعات القائلة بأنه قد يغير نظرته للعالم ولعلاقات بلده بالدول والمؤسسات الدولية وعلى رأسها مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة، من خلال مراجعة مطمئنة ومستقرة يقوم بها للأحداث والوقائع والممارسات التي تمت خلال الدور الرئاسي الأول، على أرضية من الثقة بعد الفوز الأخير والتجربة والخبرة المكتسبتين خلال الدورة الرئاسية الماضية.‏

إن هذا سيتم إن تم في حدود ضيقة وبما يحسِّن الأداء على طريق تحقيق أهداف استراتيجية ثابتة. وفي تقديري سيكمل الرئيس بوش ما بدأه في الدور الرئاسي الأول، لأنه اعتمده واستند إليه وجاهر بالتمسك به في حملته الانتخابية للفوز بالرئاسة الثانية، وأكده بعد الفوز: وقال إنه "يواصل مسيرته حتى يهزم العدو". ورفض التراجع حتى عن كثير من الأخطاء والمواقف التي بدا خطرها جلياً، وعن الأكاذيب والأضاليل التي غذي بها الرأي العام ليشن " الحرب على العراق" مما انكشف تماماً أمام القاصي والداني في العالم أجمع، وأقرته لجنة التحقيق التي شكلها مجلس الكونغرس الأميركي ذاته. وهو سوف يتابع نهجه بصرف النظر عن النتائج والتقويم الخارجي والداخلي لذلك النهج. وقد أكد ذلك صراحة ب‏

كما أكد رؤيته وتوصيفه للمقاومة المشروعة التي يسميها إرهاباً، وللدول التي تدعم المقاومة المشروعة للاحتلال وتعاني هي مباشرة من احتلال مستمر لأراضيها منذ عقود من الزمن، حيث يراها دولاً "إرهابية" لأنها تؤوي من يسميهم "إرهابيين"، حسب وجهة نظره ومفهومه للإرهاب، ويعلن أنه سوف يستمر في حربه عليها بوصف ذلك حرباً على الإرهاب.؟! تلك الحرب التي دعا الأميركيين لتوطين النفس على خوضها لعقود مقبلة من الزمن؟! وفق تقديره وتقدير مسؤولين ومستشارين وأصحاب نفوذ في إدارته يصنعون القرار عملياً، للمدى والمدة الذي تحتاج إليه استراتيجيته العدوانية ضد أمم ودول وثقافات وعقائد مستَهدَفة؟!.‏

وعلينا أن نتأمل ونتدبر وندقق بعمق في معنى حرب تدوم عدة عقود من الزمن؟! إنها حرب الهيمنة وإعادة الاستعمار لمناطق من العالم، وإعادة رسم للجغرافية السياسية والثقافة والاعتقاد في حملة تبشيرية استعمارية شاملة سوف تتابعها الولايات المتحدة الأميركية مع حلفائها.. إنها حرب الهيمنة المادية والروحية والسياسية، وإعادة تكوين الذاكرة والتفكير والوجدان والساسة والسياسية والثقافة السياسية، إنها حرب اليمين المتطرف على آخرين محددين، حرب الشركات والاحتكارات الكبرى: شركات النفط والسلاح والطاقة على الخصوص للسيطرة على الأسواق والمواد الأولية والثروات والإرادات والعقول والمستقبل من جهة، وتحقق خطط اليمين المتطرف ذي النزوع الديني التبشيري الاستعماري الذي يتبناه أو يمثله رئيس ينام ويستيقظ على أحلام ورؤى تلمودية متورمة ومتعسفة، من جهة أخرى.‏

إننا سوف نتعرض لحرب ذات جبهات واتجاهات وأدوات وأسلحة متنوعة: عسكرية واقتصادية وإعلامية وثقافية..إلخ يلعب فيها الطابور الخامس: " الثقافي والسياسي على الخصوص"، دوراً غير مسبوق في تاريخ الخارجين على أممهم وثقافاتهم وعقائدهم ولحمهم ودمهم. وهي حرب إمبريالية تبشيرية عنصرية ذات أهداف بعيدة الأثر على الحاضر والمستقبل.. على الهوية والثقافة والعقيدة الدينية والقيم.. على التوجهات والسياسات والسيادة والخيارات السياسية الحرة المرتبطة بالسيادة والمعبرة عنها، والمحققة للمصالح والمبادئ، إنها حرب مرفوضة منا مفروضة علينا. من هنا كان لا بد من مواجهة السؤال المتعلق بكيفية مواجهة هذه الحرب وأدواتها وأسلحتها وشرورها ونتائجها، وكيفية الرد عليها بما يحفظ الوجود والمصالح والحريات والخصوصيات الوطنية والقومية.. مع معرفة بالواقع والمعطيات والإمكانيات؟! والمعادلة كما نرى في غاية الصعوبة والتعقيد كما نلاحظ.‏

إن استراتيجية الرئيس بوش وأهدافه المعلنة خلال الرئاسة الأولى مستمرة وبقوة في الرئاسة الثانية كما قال في خطابيه اللذين أعلن فيهما فوزه وشكر حزبه وشعبه يومي 3 و 4/11/2004 وسوف تحظى بالمزيد مما وصفه جون كيري في أثناء الحملة الانتخابية "استراتيجية الخداع الشامل " لدى الرئيس بوش، حتى يتم الوصول إلى الأهداف المعلنة .. والأهداف عملياً مفتوحة حيث يؤسس بلوغ أي هدف منها لهدف جديد فاتحاً الشهية العدوانية على مصراعيها.؟! "التكتيك" سوف يختلف والمرحليات ستعاد برمجتها ولكن الاستراتيجية النهائية باقية وثابتة، ومرجعيتها الأهم وأفقها الأوسع يحددهما قول الرئيس في 11 سبتمبر بأنها حرب صليبية مقدسة. ولا قيمة عندي لاعتذاره عن الكلمة في أثناء الحملة الانتخابية الأخيرة، لأن ذلك يدخل في " استراتيجية الخداع الشامل" التي يتقنها جيداً كما قال جون كيري.‏

ماذا ننتظر من يمين ديني متطرف يقود الولايات المتحدة الأميركية التي أخذت تماهي نفسها مع الصهيونية والعنصرية والإمبريالية الجديدة بتأثيره؟ وماذا ننتظر من المواطن الأميركي الغائب أو المغيب تحت وطأة الإعلام والاحتكارات ورؤوس الأموال ذات النفوذ الطاغي على العقول والضمائر، والجهل بالأمور السياسية وبما تقوم به حكومته من ممارسات غير إنسانية لخدمة مصالح بعض الأفراد والشركات والحلفاء؟!..‏

بل ماذا ننتظر من إدارة بوش الجديدة حتى بعد أن تغير بعض الرموز والوجوه والمسؤوليات؟ إذ لن تتغير النظرة إلى أمور جوهرية في السياسة الأميركية والتحالف العضوي مع الكيان الصهيوني الذي يؤثر تأثيراً مباشراً على أوضاعنا وعلاقاتنا مع الولايات المتحدة وإداراتها المتتالية؟ ستبقى الولايات المتحدة الأميركية:‏

1 ـ دولة عظمى ملتزمة بتفوق الكيان الصهيوني عسكرياً على الدول العربية وبعض الدول الإسلامية مجتمعة، وضامنة لأمنه ورفاهية مجتمعه واستمرار مشروعه الاستيطاني التوسعي المناقض لأي مشروع نهضوي عربي. ومزودة له بالأسلحة والتقنيات والأموال لتضمن امتلاكه كل أنواع السلاح بما فيه ذي القوة التدميرية الشاملة، وحرمان العرب حتى من التفكير الذي قد يؤدي إلى ابتكار وسائل بدائية للدفاع عن النفس، ولا نتكلم عن سلاح وتقنيات متقدمة في هذا المجال.‏

2 ـ وسيبقى العداء للعروبة والإسلام، للعرب والمسلمين، ويستمر التحريض عليهم وتشويه صورتهم، وسوف تتصاعد وتيرة ملاحقتهم باسم ملاحقة الإرهاب، وفق التصور والتعريف والمنطق الأميركي الصهيوني، الذي يرى دفاع المرء عن نفسه في وجه العدوان والاحتلال ووحشية الممارسات العنصرية والتعذيب "إرهاباً"؟!.‏

3 ـ ولن تصبح الدولة العظمى حريصة على الانصياع لآراء الدول الأخرى في الأمم المتحدة، وستبقى خارجة على القانون الدولي عندما يخدم ذلك مصالحها، وحامية لذلك القانون وضاربة باسمه عندما يكون ذلك في خدمة مصالحها وسياساتها.‏

4 ـ وستبقى الأمم المتحدة أداة يهتم بها المسؤول الأميركي عندما تخدمه ويضعها جانبا عندما لا تخدمه.‏

الرئيس بوش لن يتعامل بحرارة واحترام مع الأمم المتحدة، لأن القضية الأساس هي البحث عما يخدم مصالحه وعمن يخدمها. كل كلام المرشحين حول التغيير يدخل في خدمة التكتيك الذي يكون أساساً في خدمة الاستراتيجة الأميركية الثابتة. وسيبقى الرئيس يردد مقولته الجوفاء: "العالم أكثر أمناً بعد غزوه العراق"، على عكس ما يقوله العالم كله الذي يقول باسمه كوفي عنان: "إنه أصبح أقل أمناً".‏

هل سيتم اهتمام فعلي منصف بآلام الفلسطينيين وآمالهم وحقوقهم التاريخية ومعاناتهم اليومية، ويتحقق سلام عادل بدرجة ما؟ قال توني بلير الذي هنأ بوش بالفوز: "إن الحاجة إلى تنشيط عملية السلام في الشرق الأوسط، هي التحدي السياسي الأكثر إلحاحا في عالمنا اليوم”، وأضاف: "إن حل قضية فلسطين هو الأساس لبناء علاقات مع العالم العربي والإسلامي على أرضية أفضل.". وأشار بوش في لقائه مع الصحفيين بعد خطابه يوم 4/11/2004 وتوجيه سؤال له حول اتصال بلير به وتصريحه ذاك بعد الاتصال، أشار إلى أنه سيهتم بهذا الموضوع وسيتابع الاهتمام بتنفيذ رؤيته لدولتين متجاورتين: إسرائيل آمنة وفلسطين مسالمة. ولكن هل نفذ رئيس أميركي في يوم من الأيام أو هذا الرئيس بالذات قراراً وتابع رغبة يعارضها الكيان الصهيوني؟! نحن لم نعهد ذلك ولن يتحقق في عهد أكثر الرؤساء موالاة للكيان الصهيوني ومشروعه الكبير.‏

العراق سيبقى مسرحا مفتوحا لصراع الإرادات الدامي بين الاحتلال والمقاومة التي يبديها الشعب العراقي من جهة وبين الدول والقوى التي تسعى لفرض النفوذ وتوسيع دوائره وتلك التي تريد أن تشارك فيه أو تحد منه إذا لم تستطع التخلص منه واستبعاده.‏

وربما نشهد " كرنفالات" مثيرة في الأيام القادمة حينما يتجدد عدوان أو يتصاعد تهديد مثلما شهدنا " كرنفالات " شارك فيها كثيرون من العرب الذين خاضوا انتخابات الرئاسة الأميركية بحماسة وجدية أكثر مما خاضوا الانتخابات المحلية، وتابعوها بحماسة أشد من حماسة فضائيات عربية العتيدة للانتخابات الأميركية.‏

سباق الوحوش البشرية سوف يستمر باسم الديموقراطية والحرية.. إلخ وخوف الفرائس وصراخها سوف يستمر أيضاً. إنه سباق على افتراس الآخرين وتدميرهم مع فارق هو أن الوحوش غير البشرية تفترس لتأكل ولكن الوحوش البشرية تفترس لتشبع شهوة متجددة ومستمرة للافتراس.. للقتل والدم والدمار، للغرور والهيمنة والاستعلاء العنصري البغيض؟!.‏

وقانا الله وإياكم الشرور القادمة في زمن هيجان الفيل بعد فوزه على الحمار، يا أهل هذه البلاد والحضارة والثقافة واللغة.. لغة القرآن، والعقيدة التي يستهدفها " الدشمان" .. فاستيقظوا وتنبهوا واستعدوا يا أيها العربان.‏

دمشق 5/11/2004‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |