| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

لا تسيروا وراء حماقات بوش

سوف يثأر الرئيس جورج بوش من الحزب الديمقراطي الأميركي ويعوض عن خسارته وخسارة حزبه في الانتخابات الأميركية الأخيرة بإسالة المزيد من دم العراقيين، وتفتيت الفلسطينيين وإدمائهم، وجرجرة اللبنانيين على الشوك، وقنبلة الصوماليين، وصناعة نمور متهالكة في القرن الإفريقي، والتمهيد لإشعال الفتنة الطائفية في البلدان العربية والإسلامية، وتهديد دول المنطقة وزعزعة أنظمتها وأمنها واستقرارها، إن هي لم تستجب لدعوته في الانخراط في التحالف المذهبي والتطاحن الدموي في إطاره، ذلك الذي يدفع باتجاه زجها فيه وتفعيله وجرها إلى الاقتتال مع المحور الذي يسميه محور المتطرفين. في حلف المعتدلين: دول الخليج والسعودية ومصر والأردن مع فريق من اللبنانيين والفلسطينيين، وفي " محور المتطرفين: وإيران وسورية والمقاومة لا سيما حزب الله وحماس ومن في صفها ومعها وضمن توجهها، وقوة الشر الأميركية تمطر الحلف والمحور بشرورها. 

والحرب التي يديرها بوش في العراق، في المرحلة الجديدة من استراتيجيته، هي حرب إثارة الحرب بالوكالة بين أطراف سنة وشيعة توسع الدائرة الدموية باستمرار باتجاهات ما وراء الحدود. إنه سيجد المسوغات للانسحاب الأميركي من الاقتتال المباشر في الوقت الملائم بعد أن يشعل الجبهتين اللتين تُعدَّان للمواجهة ويزج طرفيهما: التحالف والمحور في أتون المعركة المذهبية، ومن ثم يمد كلاً منهما بما يساعد على استمرار الاقتتال حتى الإفناء المتبادل. إنه شرير مسكون بالحقد والتطرف الديني، لا يريد أن يسلم بغباء سياسته وهزيمته في العراق، ويبحث عن نصر تام بأي ثمن، نصر وعد به " إسرائيل" أولاً وشعبه الأميركي ثانياً، وقد تحقق لإسرائيل ، من وجهة نظري، ما وعدها به فقد دمر العراق وقدراته وتطلعاته وأعاده عشرات السنين إلى الوراء ومزقه شر ممزق، وهذا مطلب صهيوني بالدرجة الأولى تم تنفيذه بنجاح، وواكبه ونتج عنه، سواء بتخطيط مقصود أو بقوة الواقع على الأرض، متغيرات ومعطيات وتحالفات في المنطقة زرعت فيها تناقضات قتالة وأسست لصراع دموي قائم وشره الأكبر قادم. أما الشق الثاني من الوعد المتعلق بتحقيق الانتصار لشعبه، وهو "الانتصار الناجز؟" الذي أعلنه بوش في أيار/ مايو 2003 من فوق سفينة حربية أميركية، فسوف يكلفه الكثير، داخلياً وخارجياً، ولكنه لن يتوقف عن السعي للوصول إليه ولو كان مجرد قناع ساخر، وهزيمة تلبس ثوب النصر وتعوض عن بؤس المسؤول عنها، بنشر الشر وتغذيته وجعل ملايين الأبرياء يدفعون ثمنه وثمن الحماقة الكامنة وراءه.

والرئيس الأميركي في استراتيجيته الجديدة يلوّح لمن جاء بهم وجاءوا به إلى العراق، بأن هذه فرصتهم الأخيرة، وبأنه سوف يتخلى عنهم إن هم لم يحسنوا استغلالها، وأن الوقت ليس مفتوحاً أمامهم، وعليهم أن ينجزوا بأي شكل، وأن يستعدوا لخوض معركة مفتوحة يقدم لهم فيها الدعم التام ويقدمون له فيها تأجيج نار الحقد الطائفي والاقتتال المذهبي إلى الحد الذي يكتفي فيه ويتشفي بسيل لا ينضب من دماء العرب والمسلمين، ويؤسس لبقاء السيطرة الصهيونية والأميركية التامة في المنطقة. وقد بدأ تنفيذ استراتيجيته ووعوده تلك بضرب شارع حيفا في بغداد بقنابل الطائرات الأميركية معيداً إلى الأذهان الأيام العشرين من آذار ونيسان 2003. إنه وجه دموي أصيل " للحضارة الأميركية وديمقراطيتها المسمومة"، وصورة للشر والبؤس اللذين تنشرهما السياسة الأميركية المتصهينة في طول العالم الإسلامي وعرضه من الصومال إلى أفغانستان ومن العراق إلى فلسطين ولبنان، وأنموذج للعقم والإفلاس الأخلاقي والحضاري والإنساني تقدمه السياسة الأميركية للعالم الذي تريده على نمطها. 

إسرائيل لن تكون بعيدة عن التحالفات الجديدة، فهي "للأسف" ستكون جزءاً  من التحالف العربي المعتدل على ما يبدو ويسرب ويمهد بعض الساسة والمنظرين والمروجين، أو هي ظهير قوي له، لأنها تريد أن تلحق ضرراً بالغاً بإيران، مركز المحور، وتعدّ لشن حرب للعدوان على سورية وحزب الله في وقت ملائم من هذا العام 2007 قد يكون بداية الصيف المقبل، وهي من زاوية أخرى سوف تدفع باتجاه استمرار الحرب المحتملة بين الطرفين بكل الوسائل الممكنة ومنها تقديم السلاح، وقد تضطر للدخول في أي وقت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، حرب تحويل الحرب إلى عربية عربية، وعربية إسلامية، شأنها في ذلك شأن الولايات المتحدة التي ستمول طرفي الحرب المطلوبة، وتقف بصورة معلنة مع من تسميهم المعتدلين وبصورة نسبية غير مباشرة وغير معلنة مع من تسميهم المتطرفين. ذلك أن هدف الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على الخصوص أن يفني العرب والمسلمون بعضهم بعضاً في حرب مفتوحة تسفر عن هزال الدين والقومية بنظر العالم، وهزيمة العروبة والإسلام في كل من المعسكرين، وعن سيطرة أميركية على منابع النفط والطاقة والأنظمة والقرار السياسي، ووضع أزلامها وعملائها في سدة الحكم ومفاصل القرار وواجهة التوجيه وصناعة الرأي العام. والوصول بالكيان الصهيوني إلى "سلام" قائم على استسلام الآخرين، واعتراف بالكيان الدخيل وتطبيع العلاقات معه، ومعاملته بوصفه حليفاً للمنتصرين، أياً كان المنتصرون، ومن ثم وضع ذلك الكيان البغيض في صلب المشروع الذي لم يهزم كلياً بعد ولم يسقط بصورة نهائية بعد أيضاً، مشروع الشرق الأوسط الدامي الذي يريده الأميركيون والصهاينة جديداً، وفي البؤرة المهيمنة أمنياً منه، تلك التي يُراد لها أن تشمل المنطقة كلها.

العرب لن يتفقوا على خطة للمواجهة، ولن يتضامنوا ولو شكلياً، وسيبحث كل منهم عن مظلة تقي رأسه وحده ولو خرب الوطن كله، وفي ذلك الذي يفعله خرابه هو أيضاً لو فكر وتدبر، ولن يوقفوا النار التي أخذت تشتعل في أطراف وطنهم وتلامس أثوابهم حتى لو أرادوا ذلك، لأن إرادتهم مستلبة، وقرارهم ليس من رؤوسهم، ومصالحهم بيد أعدائهم، وخوفهم على مصالحهم الخاصة يضيق نظرتهم ويشلهم من الداخل. ومن يهدَّد منهم في موقعه السياسي وفي بقائه ومصالحه، سوف يركض على مَدِّ بطنه في الطريق التي يريد له حماتُه وحلفاؤه الأشرار أن يركض فيها، وسيوجِّه سلاحه الوجهة التي يفرضونها عليه ويرمي الهدف الذي يحددونه له.

إنه وضع يدمي القلب باحتمالاته من وجهة نظر تُبنى على إمكانية تحقق ما ستسفر عنه المخططات والاستراتيجيات الأميركية الموضوعة على الورق، وهي استراتيجيات سبق أن أخفقت ولا يمكن الجزم بأنها سوف تنجح كلياً، ولكن مادام سكين الجزار في كل الأوقات يقع على جسم الشاة الحية المعلقة، فإن الوجع والتآكل والموت كل ذلك يلاحق الجسم العربي والإسلامي المعلق على الخشبة أمام الجزار الذي اعتاد إراقة الدم والتمثيل في جسم الضحية.

ويبقى السؤال قائماً ومتصلاً بما قد يجري على الأرض وما يمكن أن تحققه مقاومة عربية وإسلامية واعية وقادرة، تتصدى باقتدار للمخطط الأميركي ـ الصهيوني والمرتبطين به. فهل ينجح الرئيس بوش في تنفيذ مخططه الجديد المكمِّل لمخططه القديم، أو بالأحرى هل تنجح المرحلة الجديدة من مخططه القديم الجديد المستمر لإبادة العروبة والإسلامية، والقضاء على الصحوة وجذوة المقاومة في الوطن العربي والعالم الإسلامي؟ وهل ينجح من دون معوقات ومن دون سقوط من جديد في المستنقع؟ لقد تكلم بوش عن دور أكبر للسنة في حكم العراق، وهن توزيع أفضل لعائدات النفط، وعن مرونة مع البعثيين، وعن دور أقوى وأشمل وأعمق وأكثر جذرية لحكومة المالكي، فكيف يستقيم كل ذلك بعد التصعيد الطائفي والميداني الأخير، وإثارة مشاعر الكثيرين بصورة مؤسفة ومؤذية إلى أبعد الحدود، وفرض النوح على ما يرب من مليوني عراقي، وتقديم مئة ضحية يومياً على مذابح الموت التي أقامها الاحتلال الأميركي وواجهاته في العراق؟ كيف سينجح ذلك وقد قسمت أحياء بغداد مذهبياً، وبقيت عوائق أعدها من الأوابد التي تجمع بغداد والعراقيين، السنة والشيعة في العراق، وأرجوا أن تبقى جوامع لا تفرقهم، منها الأمام الأعظم في مواقع سيطرة الشيعة والإمام الكاظم في مواقع سيطرة السنة، وهما إمامان أخوان جامعان كبيران مؤثران لا يعي كثير من فقهاء التطرف قيمتهما الحقيقية.

إن بوش سيرسل قوات جديدة وسيضرب ضربات قاسية، وسيدفع دفعاً قوياً باتجاه "هرمجدون" يحلم بها ولكنها عربية ـ إسلامية هذه المرة تمهد لـ " هرمجدون" قادمة يؤمن بحدوثها ويعمل على تقريب موعدها. وعندما يشعلها ينسحب من القتال المباشر فيها متذرعاً بأنه لا يخوض قتالاً في حرب أهلية. ولكنه سيبقى عالقاً بها على نحو ما، فالدول التي ستخوض معركته بالوكالة وتستجيب لسياسته الحمقاء وتضع نفسها في خدمة استراتيجيته الغبية المستمرة بثوبها الجديد، وهي دول سماها بالاسم وندبها للمعركة وحرضها في خطابه يوم 10/11 من الشهر الحالي، تلك الدول لن ترتاح ولن تطمئن إلا ببقائه المباشر في أراضيها. وهذا البقاء سيترجمه تجار النفط والسلاح والدم، مصالح أميركية على الأرض، وسيترجمه بوش بتعزيز المواقع والقواعد الأميركية والنفوذ في تلك البلدان، وباستخدام قوة عسكرية تنطلق من تلك القواعد لتعزيز موقع حلفاءه عند الضرورة القصوى، ولكنها تبقى رصيد السيطرة والنفوذ الأميركيين في المنطقة أولاً وأخيراً.  

إن ما نحن مخيف، ونحن بأمس الحاجة إلى نزع فتيل الفتنة المذهبية، ووقف نزيف الدم في العراق، وانسحاب المحتل الأميركي انسحاباً مبرمجاً وشاملاً من العراق  لا يترك فلولاً ولا واجهات تحكم باسمه، وتمكين دول المنطقة وأبنائها من معالجة قضاياها وقضاياهم بحرية واستقلالية وإرادة وقرار مسؤولين، نحن بحاجة إلى تضامن عربي يقوم على أسس منطقية ومصلحية وبعد نظر واستقراء سليم للتاريخ، وعلى رأس المنطق السليم  حقائق منها أن الأنظمة لا تستمد شرعيتها وبقاءها واستقرارها إلا من إرادة الشعب ورضاه وأمنه وإشاعة العدل بين أفراده، من انتمائها للأرض والأمة والتاريخ، وعملها بقيم وشرائع وتشريعات محترمة يحتكم إليها وتحكم الجميع. لن يبقي الحكام والأنظمة العربية في حالة استقرار رئيس أميركي هو عدو للعروبة والإسلام، ولمصالح القطار والشعوب، ولا كيان صهيوني ذو مشروع يستهدف الأمة والثقافة والهوية والدين ويبدأ نفوذه من السيطرة على القدس واضطهاد الفلسطينيين وتعويق مسارات النهضة العربية، وهو يفعل ذلك ويفعله منذ عقود. ولن يقيمنا على أسس سليمة صراعً بين سنة وشيعة، والمطلوب مبادرات خلاقة ومسؤولة من حكماء الطرفين تضع حداً للفتنة التي تستهدف الجميع وسوف تحرق بنارها الجميع. لن يرفع السيف والقهر والاستعمار عنا إلا حكمة فينا، وقوة نملكها ونحسن توظيفها، واحتكام لقيم الإسلام ومنطق العدالة والوعي، وتوفير الحرية المسؤولة والمعرفة النظيفة لمواطنينا، كل مواطنينا من دون استثناء. هناك منارتا هداية على المذهبيين المتطرفين والمتمذهبين المتطرفين أن يهتدوا بهما: القرآن الكريم وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعلى من يريد أن يتجنب الطائفية والمذهبية والتطرف ويعلي راية الإسلام، ويرفع عن العرب والمسلمين سيف الاحتلال وشروره، أن يفكر بمسؤولية ويتصرف بمسؤولية، فليس هو وحده الذي يدفع ثمن الشرور التي تنتشر من جراء قوله وفعله، لأنه إنما  يتصرف بأرواح الناس ومصائر البلاد والعباد.

إن إعلاء راية الإسلام لا تكون بقتل المسلم وغير المسلم على الهوية من دون ذنب، استجابة لنداء الشر الذي يقف وراءه مخطط يستهدف الأمة كلها، ولا يكون بالتعصب لمذهب دون مذهب أو ضد مذهب، ولا يكون بالتغاضي عن جوهر المخطط الذي يستهدف الإسلام والسلام والأمن في بلدان كثيرة، إن ذلك يحتاج إلى الإيمان الصحيح العميق، وحس المسؤولية العالي، وفهم العصر ومعطياته ومشاريع السياسة فيه، وعدم الاستجابة للشر الذي يمثله المحتل الأميركي والصهيوني، ويغذيه الرئيس جورج بوش بحماقاته وتطرفه الديني والسياسي ومشروعه الدموي المستمر، وثاراته التي تكلف العالم الكثير، وبروح الشر التي تريد فتنة مذهبية وطائفية في المنطقة تستهدف سكانها جميعاً، ولا تعفي العالم كله من تكاليفها.

فيا أيها الأميركيون لا تسيروا وراء حماقات بوش، أوقفوا مسيرته الدموية الشريرة التي بدأها بغباء ويستمر فيها بحمق، فذلك لا يخدم مصالحكم، ولا يصنع السلام لنا ولكم ولمن يهمكم أمرهم من دون الناس، ويجنبنا وإياكم حرباً على الإسلام وحرباً باسم الإسلام. ويا أيها المسلمون المتمذهبون اتقوا الله وعودوا إلى حقائق دينكم. ويا أيها العرب تذكروا قول قائلكم:

     فاستيقظوا وأفيقوا أيها العرب           فقد طما الخطب حتى غاصت الركب

 

دمشق في 11/1/2007

 علي عقلة عرسان

 

 

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |