| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

لبنان أكبر وأبقى..

وقفت حائراً صَعِقاً ممروراً:

1 ـ بين أحداث بيروت المؤلمة المؤسفة التي علّقت القلوب بالحناجر يوم الخميس 25/1/2007 حيث أخذت المواجهات بين أنصار المعارضة وأنصار السلطة طابعاً مذهبياً كريهاً يكتب سطوره بالدم والرصاص، واستُلَّ من الذاكرة سيفاً مشتعلاً ظل يقطر دماً لسنوات وسنوات، يذكر بحرب كلفت لبنان واللبنانيين الكثير، وتسلق قنَّاصون ظهور الساسة والسياسة يمطرون الناس رصاصاً يذكر بسيرة أبراج بيروت، ليشعلوا نار الفتنة في بلد عانى طويلاً من الفتنة، وجال بعض سعاة الفضائيات جولتهم " المهنية" يصفون ما يجري بأسلوب نقل وقائع مباراة كرة قدم، يستجلبون في أثناء تغطيتها حماسة الناس للحدث المشتعل، من حساب مدروس لما تفعله الكلمة في شارع محتقن تلهبه حماسة الشباب.

2 ـ وسعي الولايات المتحدة الأميركية لجعل الأمم المتحدة تصدر قانوناً معيباً يمنع البحث العلمي في مجال تاريخي محدد " الهلوكوست" النازي، ويصادر حرية التفكير والتعبير عن الرأي في قضية من حق الباحثين أن يتناولوها ومن واجب البحث ألا يسكت عن تفاصيلها ومعطياتها ليثبت حقائق ويمحو أباطيل. تفعل الولايات المتحدة ذلك لترسيخ حقائق المحرقة أو "الهولوكوست" التي تعرض لها اليهود، ومعاقبة من يتعرض لذلك الموضوع ببحث أو كلام أو سؤال، مع فرض تعتيم ونسيان تامين على الإبادة "الهولوكوست" التي ما زال يتعرض لها الشعب منذ عقود من الزمن على يد المحتلين الصهاينة ومن يناصرهم. وتغييب لما ارتكبته الولايات المتحدة الأميركية من فظائع وإبادة جماعية أكبر من الهولوكوست النازي، ضد أمم وشعوب، ابتداء من مذابح الهنود الحمر وانتهاء بالفلوجة والعراق الدامي، مروراً بناغازاكي وهيروشيما وحروب كوريا وفيتنام..إلخ، تفعل الدولة المستبدة ذلك لمنع التاريخ من أن يقول كلمته في الأحداث والوقائع والأساليب والشخصيات جميعاً، ولإدخاله وإدخال العلم في ازدواجية معايير قبيحة تسود السياسة والإعلام منذ أن سيطر على مقادير السياسة في العالم  قطب وحيد مشوّه الرؤى والقيم والأحكام والمعارف. ويُراد لتلك الازدواجية أن تقتحم دوائر البحث العلمي والعلم والفكر على يدي " المرسَل" بالشر جورج بوش.

3 ـ وبين دم العراقيين المتدفق في شارع حيفا وفي أنحاء أخرى من بغداد خاصة والعراق عامة، من دون انقطاع منذ دخول المحتل الأميركي إلى العراق وحتى اليوم، وشيوع نذر الطائفية والمذهبية المستشرية في ذلك البلد العزيز الذي خسر الكثير ولا يبدو أنه مقبل على توحيد قواه وطرد المحتل، وتضميد الجراح والتفرغ للاستقرار والبناء.

 وقفت حائراً ممروراً بين هذه الأحداث الضاغطة وسواها. كانت أبواب روحي تصطفق كما في عاصفة هوجاء، ويعبث بها تيار الحوادث واحتمالات التأجيج وما يهب عليها من لفح نار الذكريات المرة. وأخذتني الحيرة في أمر سياسة وساسة يكتبون تاريخاً خاصاً أو عاماً بدم العباد، ويرتقون "صعوداً" على الجثث والمصائر ومصالح البلاد، من دون أن تأخذهم رعشة ضمير يرفض بقوة الحياة والقيم والأخلاق أن يظهر شخص على حساب أمة ووطن وأشخاص أو شخص، وأن تتحقق مصالح فئة أو دولة على حساب الحياة والأمن والاستقرار والمستقبل لمجاميع من البشر أو لشعوب ودول في العالم.. أخذتني تلك الحيرة بعيداً.

أين أتوقف ومن أين أبدأ، وإلى أيها أتلفت؟ إن أمشاج الأحداث متداخلة، ووراء كل هذه الأدواء عدو يعرف كيف يموه ويقتنص ويستفيد من استعدادنا للعراك الداخلي، ومن قابليتنا للتبعية، ومن عاصفة الثأر التي تجتاح دم البعض منا فيرخص كل شيء على أعتابها حتى الوطن الأمة، ويستعين بالشيطان على أخيه، ويهدم أركان البيت المشترك لينتقم من "عدوه القريب" ويترك عدوه الأكبر الذي يعبث به وبالقريب معاً. في البادية تراءى لي امرؤ القيس على مضمَّراته التي تنهب الأرض، ينشُد ملك الروم ليستعين به على أخذ ثأر بأبيه من بعض قومه، فازددت شعوراً بالمرارة ووقفت على أبوبا التيه.. وقفت في خضم متاهات مستقبل ينشده الناس ويتغنى به " ساسة" وهم يخوضون مخاضات دم وثأر وحقد دفين ما زال يحرك عقولاً وإرادات وسواعد، ويحرف الكثيرين عن جادة الصواب وطرق الحكمة وسبل العيش الآمن المستقر، ليسهل كل ذلك في النتيجة مهمة من يريد أن يستثمر في الفتنة بيننا، ويضع أبناء الأمتين العربية والإسلامية في مواجهات دامية، ويخرج رابحاُ من استثماره البغيض وقادراً على فعل ما يريد مما يحقق مخططاته ومصالحه ويشفي رسيساً قديماً يتحكم به.

أغرقني حدث بيروت في حدث العراق واستولى الحدثان علي وقاداني في متاهتين: متاهة التاريخ الممتدة في فصول أحداث مؤلمة يردّها البعض إلى سقيفة بني ساعدة. ومتاهة الأحداث القريبة والذكريات الحادة التي تسكن الذاكرة وتحرك الوجدان وتنبه إلى خطورة ما يمكن أن يبنى عليها ويستمد منها وتسفر عنه من جهة، وما تنتجه وتؤسس له من متاهات وصراعات مستقبلية يستثمرها ويغذيها صاحبا الدولار والشيكل اللذان يربتان على أكتاف مشعلي النار ويدفعانهما لارتكاب المزيد، من جهة أخرى.

في لبنان ما زال الدم حاراً، والجرح نازفاً، والاستعداد موجوداً لاستنبات الفتنة واستثمارها في زرع كرؤوس الشياطين يبزغ من هذه الزاوية أو تلك، في هذا الشارع أو ذاك، في هذا المكان أو ذاك، في هذا الحدث أو ذاك، هذا التصريح أو ذاك. وفي العراق يتجدد مسيل الدم والحقد، ويغذَّى بصور شتى، ويستحر القتل هناك، وبغداد المدماة ملقاة على قارعة التاريخ تنتظر أن يتلفت إليها أبناؤها أولاً وأبناء أمتيها ثانياً، ويتنبهوا إلى حقيقة من يفتك بهم وبها وبالتاريخ، ومن يريد أن ينال من العروبة والإسلام ابتداء من رقاب العراقيين وحاضرة التاريخ بغداد.

ورأيت أن شدة الخطر تنبع في هذه الأيام من حقن طائفي ومذهبي لا يتوقف عند حدود لبنان، وإنما يمتد من العراق ولبنان إلى شرائح شعبية واسعة في بلدان عربية وإسلامية كثيرة، حقن طائفي ومذهبي ممول ومحرَّض عليه، يغذيه الصهيوني والأميركي والمريض بضيق الأفق والتطرف المقيت وبالاستهانة بالناس والهوية والعقيدة والكرامة، يغذيه كل أولئك بالكلام والتحريض والمال والسلاح والتخطيط والتدبير والتمويل والمساهمة في التنفيذ.؟ والفتنة في بلاد العرب والمسلمين هي اليوم سلاح المحتل ومن يرتبط به ويتعلق مصيره بوجوده، وهي طوق نجاة قيادات سياسية أميركية وصهيونية وغربية قصيرة النظر وقاصرة عن الرؤية السليمة،، قيادات تغرق في الجريمة والفساد والفضائح من كل نوع، وتغرَق في مستنقعات أرادت أن تغرِق فيها دولاً وشعوباً فغرقت فيها وأغرقت شعوبها ودولها معها. وهي تحاول أن تجعل النار تلتهم أهل المنطقة وبلدانها جميعاً لتخرج بسلامة، وتحقق نصراً، وتسوغ نظرياتها البائسة وقراراتها الخاطئة وتسوّق سياساتها الغبية وإجرامها الصريح.

هل سأل الساسة أنفسهم: أي مستقبل وأي إعمار وأي ازدهار واستقرار يبنى على الدم والقتل والبؤس وأشكال الإحباط واليأس التي يحاول المحتلون الإمبرياليون وعملاؤهم إشاعتها في بعض عواصمنا وبلداننا وبين شرائح من أبناء شعبنا؟ وأية أحداث وصراعات تاريخية ماضية وحاضرة، بعيدة وقريبة، يستلّونها من مكامنها، ويستخدمونها ضدنا تحت ذرائع وأكاذيب: " الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والإعمار والازدهار"؟ وهي في الحقيقة سلع الاستعمار الجديد، وسيوف ترتوي من دماء رقابنا وقلوبنا أولاً وأخيراً، تهدم ولا تبني وتقتل الإنسان بذريعة إنقاذ الإنسان؟ وتستثمر حاجتنا لهذه القيم لتقضي على قوانا وتنهب خيراتنا وتقضي على كل القيم.

أي غباء، وأية جرائم، وأية عقول تسوس الناس بإراقة دماء الناس؟

تعز علي بيروت العزيزة، يكبر عندي همها، وأتلفّع بحزنها، وأخاف عليها، وأريد لها الخير كله.. ولا تقل عنها في شيء من ذلك بغداد.. وما يذهلني ويهولني افتضاح أمر المؤامرة للعرب والمسلمين وإقبالهم في الوقت ذاته على أن يكونوا وقوداً لنارها بعد الاستغراق في إنكارها، وقد أصبح من المؤامرة إنكار وجود المؤامرة؟

العربي في بغداد أجنبي غريب، والأميركي والصهيوني والبريطاني..و.. إلخ، الأجنبي الغريب المحتل الذي يدمر كل شيء في ماضيها وحاضرها ومستقبلها ليس غريباً ولا أجنبياً، وهو يطلب باسم "أناسها وأمنها" ألا يتدخل العربي الأخ والشقيق في شؤونها لأنه، أي العربي، أجنبي؟ ويلغو بعض من يُحسَبون عليها بلغوه ويتحدثون بما يأفك.؟ ويحمِّل المعتدي المحتلُّ مسؤولية جرائمه وما يسببه لها ولأهلها ولأمتها من كوارث للآخرين الملتصقين بها، المتأثرين بما يجري فيها، إن سلباًُ وإن إيجاباً، ويوافقه على ذلك من يُحسَبون عليها ومنها وفيها؟ ويتشابه الأمر في بيروت، من هذا الجانب، مع الأمر في بغداد، والأمة العربية تسكت وتخاف وتطلب السلامة، وتتخلى عن الذات والصلات لتدخل في دائرة الاندحار والانتحار شيئاً فشيئاً. أليس هذا زمن العجائب والغرائب والكبائر، والزنا بالفكر والقول والعمل.؟

للأشقاء في بيروت، ممن يحرصون على بيروت ولبنان والأمة ـ ولا أغفل بغداد ـ  أقول: تذكروا السنين الدامية العجاف وما كلفتكم من دم ودمار وتضحيات وقلق ورهق، تذكروا دمكم الذي هو دم لبنان، كل لبنان، وانبذوا من صفوفكم، كل صفوفكم، من فطروا على الفتنة والقتل والتبعية والاستزلام.. لقد تحملتم الكثير وآن لأطفالكم وأحفادكم أن يأمنوا ويرتاحوا ويستظلوا بلبنان القوي، لبنان المقاوِم، لبنان الذي شرف الأمة بتحرير الأرض وهزيمة العدو الصهيوني وحليفه الأميركي، لبنان القوي بصمود شعبه وقوة مقاومته وتضحيات أبنائه، وليس بضعفه وتهاويه وتبعيته للآخرين. لن يحمي لبنان أجنبي يدعي الحرص عليه بينما يشعل النار في أركانه، لن ينقذ لبنان من يتخذه ساحة للنفوذ ولتصفية الحسابات ومن يدخله مداخل الفتنة. إن اقتتالاً مذهبياً في لبنان شرارة تشعل ما حولها ولا منجاة لقريب أو بعيد من أبناء الأمتين العربية والإسلامية من تلك النار. كما أن الاقتتال المذهبي في العراق يشعل ما حوله ويحقن عروق شباب الأمة بسموم الفرقة، وليست بيروت بعيدة عن نار بغداد، ولا بغداد بعيدة عن نار بيروت، وكل العواصم العربية والإسلامية ليست بعيدة عن النار ولا هي معصومة من داء الفتنة التي يوقظها أعداء الأمتين العربية والإسلامية، الصهيونية وإدارة بوش.

الفتنة نائمة ملعون من يوقظها.

وإذا كنت أطرح هنا تساؤلات تعني لبنان فلا يعني ذلك أنني أستثني منها بغداد أو أي مكان ينشب فيه صراع على سلطة فيستقوي طرف بالأجنبي على طرف ليصل إلى لعق عظْمَة السلطة؟ أو يحول الأمور إلى صراع طائفي أو مذهبي فتاك.

ما ذا يعني شموخ رأس دولة أو طائفة أو مذهب أمام طأطأة رأس الأمة؟ ما ذا يعني ذهاب حكومة أمام بقاء الدولة؟ وما ذا يعني تنازل فريق لبناني لفريق لبناني آخر أمام عدم تنازل لبنان لأي كان، مهما كان؟ المعارضة والسلطة في الغربال فليكن الوطن " لبنان" هو المغربِل وليس هذا السفير أو ذاك، هذا المتطفل أو ذاك، هذا الممول أو ذاك، هذا العميل أو ذاك، هذا الطامع أو ذاك..

إن لبنان أكبر من المحن كما تعلّمت، لقد قرأت 1840 و1860 و1958 و1975 و1982 وسلسلة التسعينات من القرن العشرين، وانتصاري 2000 و 2006 ووجدت أن لبنان بقي وإن تضعضع جسمه وتألم أبناؤه وضاقت بهم السبل.. البلد لبنان بقي وهو باق وسيبقى؟؟ ولكن لماذا يبقى مضعضعاً يترجح بين قلق وقلق، وألم وألم.؟ إن شعب لبنان أكبر وأبقى من زعاماته وسياساته وطوائفه ومذاهبه، وليس له إلا العيش المشترك صيغة حياة وقوة إبداع وتألق وجود، فليكن لبنان معافى لتتعافى دوائر اجتماعية عربية وإسلامية بتعافيه. وسوف يكبر من يتنازل من اللبنانيين لمصلحة لبنان والأمة، وسوف يصغر بنظر الناس والتاريخ من يكابر ويرى أنه يكبر بعدم التنازل لمصلحة وطنه لبنان وأمته عن شيء من مصالحه، وعن أورام زعامته وبعض ارتباطاته، في حال وجودها. فليرتبط اللبنانيون، كل اللبنانيين، بلبنان، فذاك مصدر العز والقوة والكرامة والاستقرار، وليس مصدرها خارج إرادة الشعب ومصلحة البلد وحقائق الانتماء وعظمة التضحية من أجل الوطن الشعب والمستقبل.

لا نريد دماً ومحناً وفتناً، لا نريد فقد نضجت أكبادنا على نار المحن والفتن ونزف دمنا حتى ضاقت به الأرض، لقد بشمنا وأُثقِلت ضمائرنا وعَشَت أبصارنا، ونخشى أن نصاب في رؤية القلب وسلامة البصيرة.

لم نعد نطيق شيئاً مما يجري، فلنحاصر الفتنة في بغداد وبيروت وفي أي مكان من بلداننا تذر قرنها فيه، فلنحاصرها في الطرقات والساحات والسياسات والخطابات والفتاوى ووسائل الإعلام، فلنحاصرها بالوعي المعرفي السليم، والتسامح الديني الخلاق، والوئام الاجتماعي الإنساني، والانتماء الصريح للأمة والهوية، وبممارسة الحرية المسؤولية والمسؤولية التاريخية. فلنحاسب ذواتنا ولنمح الفتنة من النفوس أولاً وقبل كل شيء، فهناك.. هناك الجهاد الأعظم جهاد النفس بالحق والصدق والمنطق وفي سبيل العدل والبقاء.. ولنغير ما بأنفسنا أولاً ليتغير ما حولنا ومَن حولنا بعد ذلك.. فـ " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".      

  دمشق في 26/1/2007

 علي عقلة عرسان

 

 

 

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |