|
| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث | |
|
العلمانية والعلم العلمانية أي " اللادينية"، نبتٌ غربي انتشر في بلداننا مع سيطرة الاستعمار وانتشار التبشير الديني والاستشراق المرتبط بالاستعمار في عقوده الأولى، وبتأثير الغرب ثقافياً وسياسياً على الكثيرين المفكرين والأدباء والمثقفين في عالمنا، وقد أدى المنهج العلماني الذي أسفر عنه الصراع بين الكنيسة من جهة ورجال السياسة والإقطاع من جهة أخرى، إلى فصل الدين عن الدولة، استناداً إلى القول " دعوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله "، وتحييد النزعة أو النظرة الدينية نسبياً في المعاملات المدنية. والابتعاد عن تطبيق الدين وأحكامه وتحكيم ما يتصل به في الشأن المدني لتجمع البشر في دولة، سواء أكانوا من أتباع دين واحد أو من أتباع ديانات عدة. فترك أمر الدين في الشأن المدني وإتباع ما يمكن إيجازه بترك الدين لله وجعل الوطن للجميع في حاكمية دستورية وقانونية ذات مرجعيات صارمة أو نهائية، وعدم الذهاب إلى الأخذ بأحكام المرجعيات الدينية في الشأن السياسي والمدني، هو من وجهة نظر العمانيين مدخل إلى الحياة السياسية والاجتماعية السليمة. وشكلت العلمانية حضوراً واسعاً ومؤثراً في وطننا العربي وعالمنا الإسلامي، لا سيما في القرن العشرين، ولم يقتصر تأثيرها على أحزاب وشرائح من المثقفين تبنتها واعتمدت منهجها أو اعتمدتها منهجاً، بل انتشرت في السياسة وأساليب الحكم وفي التشريع والتعليم والتربية والثقافة والعلاقات الاجتماعية بكثافة ملحوظة، والتدقيق الموضوعي يوضح ذلك بما لا يدع مجالاً للشك. ولم تستطع الصحوة الإسلامية المناهضة للعلمانية التصدي لها بنجاح والحد من حضورها المباشر وغير المباشر في مجالات كثيرة، بفاعلية واسعة. وبصرف النظر عن التعاريف المعجمية والأكاديمية وشمول بعضها أو قصوره بشأن المصطلح والمنهج والأبعاد، فإن للعلمانية مستندين رئيسين في التوجه النظري والتطبيق العملي: فصل الدين عن الدولة، وجعل الإيمان والإتباع الديني شأناً شخصياً هامشي التأثير في أحوال وتوجهات اجتماعية وسياسية على الخصوص. ولا يشكل الدين أساساً يبنى عليه إصدار حكم قيمة أو سواه على أفكار وأشخاص وتنظيمات وتوجهات سياسية واجتماعية. والعلمانية لم تنشأ أصلاً من مواقف ومواقع انتصر فيها العلم على الدين بل من مواقف ومواقع انتصرت فيها السياسية على الكهانة أو البلاط على الكنيسة، فهي ليست موقف الدين من العلم أو موقف العلم من الدين بدرجة حاسمة، وإن كانت تتمسح بالعلم كثيراً، وعند ذوي الحجا والبرهان والعلم والإيمان أنه كلما ازداد الإنسان معرفة وعلماً ازداد إيماناً، وهذا راسخ في الإسلام وهو مصداق قوله تعالى: " إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ." فاطر28/ وعلى هذا فإنه لا بد من التفريق بين النظرة العلمية للظواهر والمعطيات والإنجازات والتقدم في كثير من ميادين الحياة والتعامل مع الوقائع والمعطيات المؤثرة في المسارات البشرية والحياتية التي استفادت من العلم ودعت إلى تطويره والعمل به، ونمت النزعة العقلانية التي فيها للتدبر والتفكّر والتأمل وتعميق المعرفة والإدراك والتفسير، وممارسة الجرح والتعديل واحترام القواعد التي رسخها العلم وقاد ويقود إليها العقل السليم، وبين العلمانية من حيث هي منهج حكم واحتكام ومعايير ومرجعيات وأساليب أداء دنيوي لا ديني، لها معليها الكثير. فالأمر ينصرف في العلمانية إلى الفكر والتقدير والممارسة والسلوك العلماني ـ وليس العلمي ـ في القضايا السياسية والاجتماعية بالدرجة الأولى، وبدرجة كبيرة، ينصرف إلى السياسيات المتصلة بأصول الحكم والاحتكام والأحكام:" "دنيوية، قانونية، اجتماعية،سياسية" وبالمعايير والقيم والمقومات التي يؤسس عليها الأداء المدني في ظل حكم أو تسييس أو تنظير يقوم على النظرة العلمانية ومعطياتها ومرجعياتها ووسائلها ومنظورها العام. وأصحاب هذا المذهب أو الاتجاه في وطننا العربي وعالمنا الإسلامي شرائح واسعة كما أسلفت تمتد من اليسار المادي المتطرف في إلحاده إلى الليبرالية اليمينية التي تعمل، وفق رسيس ومنظور ديني مبطن ومعلن أحياناً، في حقول الفكر والسياسة والاجتماع، وهي تضم أيضاً الأحزاب والتيارات القومية بأطيافها المتعددة في أغلب الحالات. ولكن فيما يخص الإسلام، العقيدة المهيمنة في بلداننا، فإنه دين ودولة لا يمكن الفصل بينهما مع بقاء السلامة والتوازن بين الديني والدنيوي، السلوكي والقيمي، المادي والروحي.إن حاكمية التشريع وسياسة الناس في القرآن واضحة وكذلك قاعدة التوازن بين الدنيوي والأخروي، المادي والروحي، ويتجلى ذلك في آيات كثيرة منها قوله تعالى: " وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ" القصص 77/ ولا يمكن التصرف بشؤون الناس وفق العقيدة الإسلامية بعيداً عن الشرع وأحكام العقيدة وما يعتنقه الناس ويرغبون في اتباعه إذا كانوا يصدقون في عقيدتهم، فالإمام كان حاكماً ولم يعد الحاكم إماماً، ولكن شأن الناس يرتبط بالدين في الحياة اليومية من حيث الممارسات والمعاملات ونتائج الأداء السياسي والإداري والاجتماعي على نحو واسع، ولا نتكلم هنا عن العبادات، ولا عن البحث العلمي والتجارب العلمية وتطبيقاتها. وقد جرى تعزيز الرؤية العلمانية في كثير من البلدان العربية وأحزابها وتنظيماتها المدنية على أسس غربية ليبرالية أو ماركسية شيوعية، الأولى في إطار العلمانية المؤمنة والثانية في إطار العلمانية الملحدة، أو الإلحاد بقناع علماني. إن مفهوم العلمانية عندنا، وفي هذا المجال على وجه التخصيص، يحتاج إلى توضيح وتمحيص وتدقيق ومراجعة، فمن يريد أن يقدم إلحاده في ثوب العلمانية وينفي حق المؤمنين المعتقدين بإله واحد، حقهم في أن يمارسوا حرية الاعتقاد والعبادة والتفكير والتعبير، يستطيع أن يحوّر ما يشاء وأن يقدم مفهومه كما يشاء، ولكنه لا يستطيع محو الآخر واتهامه وتشويه صورته وحرمانه من حقوقه، ولا يستطيع محو الإيمان من قلوب المؤمنين، ولا الدين من حياتهم، ولا يمكنه أن يقيم صرحاً تقدمياً أو وطنياً أو قومياً وحدوياً من أي نوع مع كثرة بشرية يرفض توجهها العام وحقائق معتقداتها ومقومات هويتها، ويريد أن يصبها في قارورة يسجن نفسه فيها ويراها بيت الدنيا والآخرة، وهي ليست أكثر من قارورة يسجن فيها نفسه وعقله. وهو عند ذلك المحك العلماني أحوج ما يكون إلى علمانية مؤمنة ونظرة علمية صحيحة على أقل تقدير، إن صح التعبير والتدبير وكان لا بد من ذلك.. علمانية تقر بوجود الله ولا تحارب معقدات الأفراد الدينية وتزدريها تحت قناع التقدمية "الشامخ الأنف" في فراغ لا متناه، أو المعرفة "المتناهية الحدود" في فضاء الخلق والخالق اللانهائيين، ولا يستطيع الادعاء بأن تاريخ المصطلح والمفهوم ومنطقهما يتعارضان مع الدين والإيمان والاعتقاد والبعد الروحي في الحياة، لا سيما في بلداننا التي يريد أن يقود الناس فيها ويوردهم موارده، إنما عليه أن يقدم رأيا يقول بجعل حاكمية ذلك لله وليس لسلطة بني البشر من خلال إمساكها بالسلطة الزمنية واستخدامها استخداماً تعسفياً ضد الناس، وأرهابهم وإجبارهم على الدخول في قفص مادي ضيق ملفق مصنَّع بعجالة وحماسة وانفعالية آنية ذات شطط، قياساً على مواقع ومعارك ومواقف مغايره لواقعه وإيمان شعبه وتاريخ أرضه وتطلعات مجتمعه، من حيث المعطيات وجوهر العقيدة والتاريخ والاجتماع العمران بمفهومه الواسع والشامل. ومن المفيد الوضوح التام في هذا المجال، فهناك علمانيتان مؤمنة وملحدة اعتورتا حياتنا، وقد أدخلت أحزاب وسياسات وأقطار في وطننا العربي وعالمنا الإسلامي في نطاق العلمانية الملحدة بصورة مباشرة، معلنة أو غير مباشرة مستترة، تحت شعار الانفتاح على الاشتراكية أو فتح أبواب للشيوعية المتراجعة تحت مسمى "الاشتراكية العلمية". والأكثر قرباً من حقائق التوجه الشعبي العام في بعض البلدان العربية أو في قلة منها وفق هذا المعيار المعلول أو العلة، الأخذ بالعلمانية المؤمنة ورفض العلمانية غطاء للإلحاد ومدخلاً له من أبوب اقتصادية وثقافية أيديولوجية، وجعلها مشرطاً حاداً ومظلة لجرح مشاعر المؤمنين خاصة والمسلمين عامة، والتعالي الأجوف الفارغ من كل مضمون على الله والدين والاعتقاد والقيم السامية والناس الذين ندعي أننا " نقودهم أو نمثلهم"، استناداً إلى أرضية مادية ضحلة ونظرية متهافتة تدعي العلمية وتذهب إلى حدود احتكارها، وتمارس في سبيل ذلك إرهاباً فكرياً هو نقيض العلم والعقل العلمي والموضوعية والحرية الفكرية، ولا تكف عن ادعائها الفارغ ذاك، وهي من بعد ممارسة طويلة ومؤذية انكشفت وانكشف أصحابها، فهي ضعاف الإيمان وتهميش الإسلام، وجعل طائفيات قليلة العدد تلغي الجماهير وتهمشها وتشوش رؤاها، إنها لنشر الإلحاد والدعاوة له بصور مبطنة، وإضعاف للإيمان لدى فئات محددة، وأسلوب لإلغاء دين الأكثرية أو تهميشه وتهميشها لمصلحة سياسات وتيارات معروفة تعيش حالة من التبعية حتى لا نقول ارتباط لدى بعضها، تعيش ذلك بأشكال من التخفي والأداء غدت نتائجهما السلبية، بل المدمرة، واضحة ومدرَكة جيداً، وأدت إلى ولادة تدخل خارجي في شؤون الأمة وتدمير بنى سليمة ودول قائمة وعلاقات مستقرة منذ قرون بين أبناء الأمة الواحدة، وأشعلت فتنة مقيتة، واستولدت تعصباً مقيتاً ذرائعه الدفاع عن المعتقد أوالأيديولوجيا ضد من يقفون ضدهما باسم علمانية لا يطبقونها أو لا يطيقونها، أو إيمان لم يحسنوا اختيار ما يصلح للتعبير عنه وما و في صالح مجتمعاتهم.. إيمان أخطأ سماحة الدين وغايات التدين ووسائل التوصيل والوصول إلى ما يرضى الله ويحفظ المخلوق. إننا نرفض العلمانية بنوعيها إذا كانت ذريعة لتدمير العقيدة والقيم والمجتمع من طرف أكثرية حزبوية أو أقليات عرقية ضالة، أو طوائف تلغي الكثرة لحساب القلة وتتسلق على جذع شجرة متآكلة، أو ملحدين يعرفون وزنهم جيداً وموقف المجتمع منهم.. وكل ذلك يشكل واجهة غزو ثقافي خارجي ومداخل أجهزة أجنبية ودول وقوى أجنبية عبر أدوات وأساليب آن لها أن تكشف وتحجَّم، وهي في جوهرها مما يهيمن على معظمها التعصب الديني والهاجس الإمبريالي " جورج بوش ويمينه الصهيوني والصهاينة في فلسطين المحتلة أنموذجاً "، وتصدِّر ما يضعف إيمان الآخرين واعتقادهم وثقتهم بأنفسهم، ويتسلل إلى معقل الوحدة الوطنية وصميم الوطن والمواطن في بلداننا العربية والإسلامية من خلال فتك منهجي عبر أقليات وتنظيمات وشخصيات لا تؤمن بالمواطَنة المنتمية بحقوقها وواجباتها، وبوطن محدد بجغرافية وتاريخ وقيم روحية وثقافة ساهمت في إنجاز حضاري ضخم، وعقيدة هي من أهم مقومات الهوية، وأطر دستورية وقانونية لا تعارض الشريعة إلا من خلال ضعف الرؤية والإيمان والمؤمنين ومن مواقع تبعية سياسية وثقافية وقانونية وصلت إلى المدى المدمر للذات والقيم والمقومات التي تشكل قوام الأمة العربية، وبديمقراطية " شوروية وبرلمانية" سليمة وفق أطرها وصيغها كافة وخصوصيتها لدى مجتمعات وبلدان ذات شرائع وتشريعات وتقاليد تختلف عن سواها، ولا تريد أن تكون تابعة لسواها، لأن الحرية والتحير يتصلان أيضاً بحرية الفكر وتحرير الثقافة العربية والإسلامية من التبعية للغرب بصورة عامة. ولا بد من رؤية وعمل ومنهج استقلالي بناء ينفي عملياً وتحت أية ذرائع عبث العابثين بالأمة أياً كانوا، ويلغي دور من يفتحون دكاكين سياسية للبيع والشراء وتكون سلعهم قيم الأمة والعقيدة وحقوق الناس ومصالح الشعوب والمجتمعات، وسيادات دول واستقلال بلدان وحريات عامة وهويات أمم. ونرفض أيضاً أن تُجتاح الأكثرية، تحت أية ذريعة أو سبب، حقوق الأقليات التي تقرها الشرائع وتصونها الدساتير وتكفلها القوانين، فتهمشها أو تقضي عليها.. إن ذاك يدخل في باب طغيان الأكثرية المرفوض الذي يدخل في باب التعصب الكريه، وينبغي ألا يلغي مشروعية الديمقراطية وشروطها وخلق صيغ دستورية وقانونية تتكامل مع الأسس شرعية ولا تناقضها، من أجل الوصول إلى أفضل صيغ الحكم والممارسة المشروعة للحق والواجب داخل المجتمع والدولة وما يقتضيه الانتماء الوطني. إن الديمقراطية التي تصنعها أكثرية تحافظ على المواطَنة وقيمها ومقوماتها وعلى حق المواطن في الوطن وتحترم حرياته وخصوصيته في إطار الدستور والقانون والشرائع الإلهية، وليس على حساب ذلك كله أو على حساب المواطنة ذاتها، هي المطلوبة والمقبولة والمشروعة، وهي ما ينبغي التمسك به والدفاع عنه وترسيخه وفق أسس وأصول سليمة وثابتة. هناك مظلتان واقيتان جامعتان عند العرب تحفظان التوازن والتماسك وتحافظان على مقومات الوحدة وقيمها، وهما مما ينبغي أن نتمسك به وننمي دوره وقدرته على الأداء الإيجابي في أوجه حياتنا كافة، وهما العربة والإسلام، ذلك لأن الانتماء القومي يجمع العرب مسلمين ومسيحيين في شجرة باسقة عمرها آلاف السنين، ويجب دعوى الطائفيين وحججهم، والإسلام يجمع القوميات المتعددة ويعترف بالأديان الإلهية كافة، ويتعايش معها تحت مظلة واسعة من تسامحه وسمو تعاليمه وشمولها. فمن يدخل من مواطني الوطن العربي ـ ضمن معطى دوله.. أي أقطاره ـ من مدخل القومية للتفريق يجمعه بالآخرين جميعاً الإسلام الجمع الموحد، ومن يدخل من مدخل الدين للتفريق على أسس قومية أو حتى يجمعه بالآخرين الانتماء القومي والوطني، لا سيما من الأخوة المسيحيين العرب الذين يعلنون باعتزاز أنهم أبناء الحضارة العربية الإسلامية، وأنهم شاركوا فيها مشاركة لا ينكرها عليهم أحد، ولا تستطيع مشاركتهم أن تتفرد أو تنفرد على حساب أحد، فلها وجودها وحجمها ولونها ضمن قوس قزح كبير. دمشق في 9/2/2007 علي عقلة عرسان
|
|
| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث | |