| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

أحلام المشروع القومي وأوهامه

كنا في ما مضى من الزمن نتحدث عن مشروع نهضوي عربي، والآن يتحدث بعض النافذين الرسميين منا وبعض شرائح محدودة عن صراع مذهبي يُستقطب فيه الكيان الصهيوني حليفاً بعد إنجاز تاريخي " في موضوع الدولة الفلسطينية" يعطي جزرة ذاوية لمن يريد أن يباهي بحلول، ويغير توجهات وثوابت في مسارات مصيرية ليتفرغ لمواجهات هي عبء على الأمة بكل المقاييس؟

بداية أسأل ما هو المشروع القومي العربي الذي كان حديث الزمن العربي الغابر؟! هل هو مشروع تحريري للأرض والإرادة والاقتصاد والقرار السياسي من أشكال الهيمنة الاستعمارية ومن صور احتلال الإرادة والاستلاب.؟ هل من جزئياته أو تفاصيله التخلص من التبعية الثقافية للمركزيات الأوربية ورسيسها، سواء أكانت غربية رأسمالية أم شرقية شيوعية سابقاً، ومن أية تبعيات أخرى تأتي على جذور الأصالة وظواهر الانتماء العربي بمفهومه العميق، وتحريرٍ للإعلام والمعلومات من حصْرية التدفق عبر قنوات غربية صهيونية، "وكالات أنباء على الخصوص" باتجاه واحد في أكثر الأحيان، ومن ثم تحرير أوسع للعلاقات والمصالح والتبادلات والاعتماد المتبادل بين الدول والأمم، وتحرير للشخصية العربية وللعقلية بصورة عامة مما يعوقها ويقمعها ويرهبها؟ أم أنه مشروع تحرري تحريري بالمعنى الروحي والمعرفي العميق، تحرير للفكر والسلوك العربيين مما يعيق انطلاقتهما وإبداعهما من قيود وحدود وعادات وتقاليد وأنماط تفكير وتدبير وعمل وسلوك وتعامل قديم، ومن معايير وقيم قديمة بالية أو دخيلة فاسدة؛ وتجديد للمفاهيم وتحديد للمصطلحات وفتح أبواب الاجتهاد وأبواب الحوار والمجادلة الحسنة باحترام والعصف الفكري الخلاق، ونبذ للغوغائية ونهجها وسدنتها، وتحرير للشخصية العربية مما يثقلها ويعوق انطلاقها وقدرتها على الأداء بإبداع، تحريرها من جهل وإحباط وأمية بنوعيها: عدم القدرة على القراءة والكتابة، وأمية ثقافية أو معرفية عامة ناتجة عن عدم المتابعة والإحجام عن القراءة والمناقشة والاجتهاد والتعبير عن الرأي، خوفاً أو تحسباً أو تردداً، بسبب ما توطن في بعض النفوس أو نتج عن سطحية المعطيات والمعلومات والتلقي، وعن سطحية المقدَّم ليكوّن وعياً معرفياً تحليلياً وتركيبياً عميقاً.؟

هل المشروع القومي هو ذلك الذي يتركز أساساً حول موضوع الوحدة والعمل العربي المشترك والاستنهاض العربي العام في نهضة متكاملة توظف لها الطاقات والإمكانيات؟ وهل الوحدة العربية مما يطرح الآن؟ بعد أن أصبح التضامن العربي هو الأفق المرتجى ومن دونه خرط القتاد.؟ وبعد أعطت دول عربية ظهرها لتاريخها وللأمة وقضاياها المصيرية، وأخذ " مثقفون" ينعون على أمتهم هويتها وحتى عقيدتها بأساليب مواربة، ويتباهون بأنهم يخدمون القوى الغربية ويتحالفون معها ويستمدون منها الدعم، ويستقوون بها على جسدهم وأوطانهم وأمتهم؟.

وهل من يفكر بالوحدة العربية أو في الاتحاد العربي في هذه الأيام، هو، من منظور بعض العرب، واقعي أم حالم أم واهم أم أنه يحتاج إلى علاج، وربما إلى مصح من نوع خاص.؟ وهل ارتكاز المشروع العربي في يومٍ ما على الوحدة كان خطأً أدى إلى التخلي عنه أو إبقائه حلماً أو وهماً؟! أم أن ذاك الطرح هو أساس التوجه السليم ولكننا انحرفنا أو ابتعدنا أو تهنا أو أُبعدنا عنه ومُنعنا منه بأشكال مختلفة من قوى معروفة ومتحالفين معها يحرصون على ضعفهم ويواجهون به أحلام أمتهم؟ هل المشروع القومي هو مشروع الوحدة أو الاتحاد: اقتصادياً وعسكرياً وأمنياً.. إلخ؟! أم أنه مشروع ينصب على تحقيق تقدم علمي نظري وتطبيقي بإمكانيات الأمة كلها، في مجالات مدنية وعسكرية، واكتساب الرؤية والقدرة على التكامل، والتعامل مع معطيات عصر الفضاء والمعلوماتية والهندسة الوراثية والأسلحة البيولوجية والنووية والتكتلات الاقتصادية، لتحقيق حد أدنى من حدود دفع الشر، ولا نقول التوازن الاستراتيجي بمعناه الواسع، مع القوى المعادية. والاستجابة الحيوية الضرورية لتحديات العصر والعلم والمستقبل ولاحتياجات المجتمع العربي ذاته، وتكوين كتلة قوية تتعامل مع القوى المحيطة بالأمة العربية أو تلك التي تتوجه نحو التعامل معها، سلباً و إيجاباً.. أي أنه مشروع حضاري شامل في النهاية؟ هل المشروع القومي يهتم بأفق العمل العربي في مواجهة العولمة التي تهدد المصالح العربية والهوية والثقافات القومية وتعمل على إعادة عصر القنانة بشكل جماعي، وإعادة سيطرة رأسمالٍ معين وسياسات وحشية، على بلدان وليس على شرائح اجتماعية فيها فقط.. أم أنه مشروع منخفض السقوف وأقل همة وأهمية من كل ذلك، يرمي إلى تحقيق وجود من نوعٍ ما يتطلع إلى أدنى مستوى من البقاء المستكين في عالم يحكمه الأقوياء ويبتلع فيه السريع البطيء في قاعدة مغايرة لما كان في السابق حيث كان يبتلع القوي الضعيف، فاجتمعت الآن، في عصر السرعة، القوة مع السرعة لتصبح قاصمة للظهر.

المشروع القومي من منظورنا نحن الذين تعلقنا به مذ كان عاطفة مشبوبة وحلماً متوهجاً في الوجدان وتطلعاً تبنى عليه الآمال والتطلعات وكان: وحدةً تؤسس للقوة، وحرية تؤسس للتحرير والديمقراطية والإبداع والعيش بكرامة، وعدالة اجتماعية تؤسّس على نظام اقتصادي أو تؤسِّس له، نظام يؤدي الغرض ويحقق صلابة البنية الاجتماعية والوطنية واقتدارها على أن تشكل حوامل التحرير والنهضة.. وقد آل المد القومي الآن إلى انحسار، والحلم القومي إلى انكسار، في ظل قوقعة قطرية تشكل صيغة اعتراضية على النزعة القومية والدعوة القومية معاً، وعلى الفكر القومي وحتى الحلم القومي ذاته.. قوقعة تحرسها أنظمةٌ مدججة بقوةِ السلاح، وبالمؤسسات العربية والدولية، وبالتحالفات والاتفاقات حتى مع الأعداء ـ الاستعداد للتعاون مع الشيطان، وهو اليوم الأميركي ـ الصهيوني ـ  ومدججة بمبدأ السيادة المتلون الذي يُفعل في وجه كل أداء قومي أو قرار قومي فيصبح جباراً، ويستكين أمام التدخل الأجنبي وأشكال الاحتلال المموه بشكليات سيادية كرتونية مزخرفة ويصبح أرنباً يخرج من قبعة الساحر في الاحتفالات الوطنية والقومية، ومجهز بحمايات من قوى دولية تتجاوز الكيان الهش لجامعة الدول العربية ومواثيق تلك الجامعة التي أنشئت أصلاً لتكريس التجزئة والدفاع عنها في وقت كان فيه الأمل بالوحدة كبيراً والتطلع إليها إنقاذاً واستنقاذاً، وكان يرجى من العمل القومي بعض الثمار.

 المشروع القومي شأنه في ذلك شأن الفكر القومي، يحتاج إلى تجديد لا إلى لطم وتعديد، تجديد يشمل الرؤية والتنظيم والوسائل والأدوات، ويعيد بناء الذاكرة والعزم والإرادة، ويحسِن الاستفادة من التجربة الماضية التي استمرت عقوداً من الزمن، ومن مواجهة المعطيات والتحديات العصرية ومن واجهها، ومن المتغيرات العربية والدولية في اتجاهيها السلبي والإيجابي. ولا أظن أن التغيير المنشود الذي سيطرأ في أثناء حركة التجديد الفكري على الخصوص أو التوجه نحوها عربياً، سوف يمس الأهداف النهائية والثوابت المبدئية في الجوهر والعمق، ولكنه سيكون جذرياً في كل ما يتعلق بالخطاب ومعطياته وأسلوبه ومفرداته وأحكامه وعصموياته، فيما أقدِّر، وجذرياً أيضاً بمواقفه من سياسة الوقوف في مرتكز أو خندق ودعوة الآخرين إلى لالتحاق بأصحابه الرواد القادة العتاة، أي الالتحاق "بنا"، لأننا " أعلى" أو أنضج أو.. إلخ؟ وكذلك جذرياً في تغيير النظرة إلى كل ما يتعلق بالشريك الذي نصمم معه المشروع القومي ونتوجه وإياه إلى الوصول إليه، عبر خطوات وأساليب وخطط وبرامج عمل لا غنى لأي طرف فيها عن الآخر، إذا ما صدق عزمهما على السعي لتحقيق المشروع، بعيداً عن نبش مستودع الغسيل القديم، والأحكام المسبقة والمواقف والاتهامات والصفات وردات الفعل الانفعالية التي ثبت أنها تعطل المسيرة وتدمر الثقة، وتجعل كثيرين يجانبون الصواب في القول والتصرف.. وبعيداً أيضاً عن الوصاية وأشكالها، تلك التي تفسد الكثير وتؤسس لانعدام الثقة أيضاً وتحول الشريك في المصير والبناء والهدف والوسيلة إلى كتلة سالبة، أو إلى حليف للعدو أو إلى عدوٍ يؤدي الصراع معه في النتيجة إلى هدم البناء وتشويه الأهداف والانحراف بالوسائل عن أغراضها، تساعده على التملص من المشروع والانتماء ذرائع أو وقائع فيموه استعداه الأصلي للالتحاق بعدوِ الأمة ومشروعه، حماية منه لذاته في وضع المختلف والمستضعَف من بعض أطراف الأمة وقواها، كما يظن ويدعي.

وإذا كانت التحديات التي يطرحها الوضع العربي الراهن، لا سيما في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والأمنية على الخصوص، مما يثقل على المرء ويعسُر تقبله واحتماله عند التأمل والتدبر، لما فيه من مهالك أنتجها فساد رأي ورؤية وعلاقات، ولما فيه من انحياز إلى الفتنة والانقسام، ومن قصور وضعف وتنافر بلغ حدود الاقتتال المدمر الكريه، ومن تبعية واختراقاتٍ تعمل لمصلحة العدو الصهيوني والغرب الاستعماري وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية، وتقاتل إلى جانبه، وتفتك بالثوابت والقضايا والقيم ـ هذا إذا بقيت ثوابت وقضايا قومية وقيم وأصلاًـ  فإن التحديات التي يطرحها على أمتنا ما وصلنا إليه من أوضاع، وما وصل إليه العصر من تقدم علمي وتقني ومعلوماتي، وما يملكه أعداؤنا من قوةٍ في كل المجالات ومن قدرات على تطوير أدواتهم وعدتهم وأدائهم لامتلاك المزيد من القدرات والقوة، وما نعيشه من أوضاع مأساوية تنذر بمزيد من الكوارث والمواجهات الدامية وتضع البعض منا أمام اليأس والاستسلام أحياناً، وتثقل كاهل الكثيرين بالهم والإحباط والدم، وتترك شريحة لا يستهان بعددها، تعطي ظهرها للواقع وللحلم والأمل والهدف وحتى للمبادئ والوطن، وتغير جلدها وسياستها تقول: نقبل بما يُعطى لنا من فتات.

فإن التصدي لذلك كله بمشروع طموح خلاق ذي أركان ثابتة في العمق الروحي والثقافي والتاريخي والنضالي للأمة، وبواقعية تفاؤلية وتصميم، ورؤية تتكامل بجهد الجميع وجهادهم وإبداعهم.. إن ذلك لم يعد منه محيص وليس له بديل ولا يمللك ترف الانتظار. لأن الآتي على حسابه وحسابنا سيكون أكثر من كارثي بكل المقاييس.

إن من المؤلم أكثر في هذا المجال أننا لا نشعر بالقلق حيال ما يجري، ونخوض في دمنا وكأننا نخوض في الماء، ونتفرج على الحرائق في بيوت إخوتنا وجيراننا ونقول: إنها لم تبلغ بيتنا بعد، على الرغم من رؤية شررها يقدح ويتطاير في كل ركن من أركان دورنا ووجودنا. إننا ننساق مع التيار المدمر من دون أن نشعر بالمخاطر التي ينطوي عليها الانسياق فيه، ولا بقيمة الزمن الذي يمضي ويؤسس للكثير مما يمكن أن يكون نافعاً أو ضاراً حسب استفادتنا من الحوادث والعقل والزمن، ولا نكترث لضرورات التحرك بأقصى السرعة للجم الفتنة ومنع الكارثة، واللحاق، إذا لحقنا، بآخر عربات قطار السلامة والتقدم البطيء الذي يغادر محطاته متوجهاً بالبشر إلى مرحلة جديدة من عصر التقدم المذهل الذي نمر فيه ويتركنا وراءه.

نحن خارج حدود القلق الخلاق، أي خارج حدود المعرفة الواعية بالخطر والخير والشر وقيمة الوقت، و بما قد يسبب الدمار والاندثار، وخارج دوائر التبصر بالخطر الناتج عن تجييش العباد في صفوف الفتنة، وتحالف بلاد مع بؤر العدوان والشر والفتنة.. وتلك من أكبر الوقائع والحقائق والسلبيات التي علينا أن نواجهها، فيما إذا أردنا أن نبقى لكي نتطلع بفاعلية وأملٍ وإيجابية إلى حلمنا بما كان من مشروعنا أو حلمنا أو وهمنا القومي، والتحديات التي تواجهه.

 دمشق في 16/2/2007

  علي عقلة عرسان

 

 

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |