| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

على بوابة دمشق

تضغط علي دمشق التي لا يمكن مجاوزة دَورها وحضورها وتاريخها القريب والبعيد، ولا تجنّب أوضاعها وأوجاعها وما فيها من خناجر تدمي وتكسر الظهر هذا إذا لم يسر سمها في العروق، كما لا يمكن اختصارها بزكريا وبولس وابن عبد العزيز وابن عساكر وابن عربي وصلاح الدين وآلاف القامات في كل مجال وميدان من مجالات الحياة وميادين العمل والإنتاج، ولا بالسور والأبواب والأموي والقلعة والخانات والحمامات، فدمشق تدميني وتسبيني، وبين الدم المطلول غدراً والمهَراق سبياً أعيش دمشق ولا تعيشني. ولكن من قال إن العاشق المتيّم الذي يخيم على باب المعشوقة يطلب الرضا يسأل عما يصيبه في أثناء انتظار طال أو يطول من معاناة ودم مطلول؟ والعشق الحق عذري الروح والقوام والغاية يكاد صاحبه يذبل خجلاً ويتمنى لو تبتلعه الأرض إذا استشفّ في نظرة أو كلام غَلَث المادة يخالط نورَ الروح وصفاء القلب ويكاد يطمس الغاية أو يشوه القصد.

بيني وبين دمشق خمسون عاماً من المكابدة وستة آلاف أخرى ونيف من محاولات المعرفة والفهم والهضم والتمثّل، وكلها أوقات انتماء. ولا أكاد أشعر بأنني ارتويت أو اشتفيت أو فُطمت أو شارفت على فطام. ليس ذلك لنهم أو كسل في أداء أو انكسار في إرادة، فما بذلْته في رحابها من عمل يربو على عمر نسر بجهد نملة دؤوب، وما حملته وحمّلته تنوء به العصبة أولو العزم، ولم أفعل ما فعلت ولا أفعل ما أفعل لكي أفوز برضاها.. فالعشق لا ثمن له ولا يؤجر صاحبه بالمعنى المادي. وهي تشتعل في قلبي بين حديد وتراب وضياء نشيد، تمتد من سجون العدم إلى قبور القيم وأناشيد القمم، حيث أردد فيها: " الله أكبر" مع ابن الوليد على بابها الشرقي.. ومن "قاسيون أطل يا وطني".. و "يا شام".. أردد ولا أمّل ولا أقنط.. وألتصق بها لأن الشام معتَصَم قلب، ومستنبَت حلم وأمل، وبيت وإرادة، ولأن حب الوطن من الإيمان. 

من يسأل دمشق يجد فيها كل شيء تقريباً، من الخشب إلى السوس، من القومي إلى ضده، من المنتمي إلى المُنْبَتِّ، ومن الارتباط إلى الانقطاع.. ممّا يلهبك عشقاً معنوياً إلى ما يحبطك عقماً مادياً ومعنوياً معاً. وفي دمشق ما لا أستطيع حصره ولا أريد.. وحينما أذهب منها غرباً إلى حدود جبل الشيخ وأنظر جفون الأرض المقرّحة بمواقع المحتل هناك أود لو أدفن نفسي في التراب، وأعود إليها حاملاً سيفاً من خشب ودماً من قَطِران وبي لهب ونَصَب.. أعود إليها لأنها الخلاص والمعتَصَم وليس عندي سواها. ويلاقيني عند مداخلها من عاش حياته استنفاراً وفي دمه يفور الملح، ومن يعربد على مدار الساعة ويتاجر بكل شيء ويمُنّ عليك بأنه يتاجر بك ويستبد به حبك إلى حدود انطباق القول: " ومن الحب ما قتل"، كما يلاقيني من يغرّد منتشياً لا أعرف لماذا وبماذا. وأحار مما فيها من عزم وصمود وإرادة حرّة محرّرة، ومما يشيع في بعض الناس أخلاق العبيد.

لكنني أتوقف فيها عند جسر لا يتوقف فيه البناء، جسر يمتد ويمتد، يأخذ فيه الحاضر بناصية الماضي ويشد المستقبلُ رأس الخيط ويستمر النسيج.. إنه دمشق التراث، بالمعنى الأشمل لتاريخ دمشق ولأبعاد التراث ورموزه. وعندي دمشق والتراث حالتان من تفجّر العشق وعناقه، تخطران معاً وتتماهيان وتتسربان في متون الوقت والقلب من شفق الفجر إلى تناومات الغسق، ولا تنفكان عن الحضور وتفعيله في الوجود.. تجمعان المدى والزمن عند عتبة القلب ليزداد بصيرة وإبصاراً وعبرة واستذكاراً.. ولكن ماذا يتذكر العاشق وكيف؟.

إذا ذكرت دمشق ذكرت التراث، وإذا ذُكر التراث برزت لك دمشق بألف حلّة قشيبة وحلّة وبألف ذؤابة مليسة وذؤابة، بينهما وجه جميل أصيل يعمق فيك معنى الحياة وحبّها، ويقيمك معافى في أرض “الريف والحمامات والشهوات”؟ أرض الغوطتين والنيربين وبردى، بين ماء وثمر وقمر.. فتسأل هل ترى بقي في الشام من الغوطتين والماء والثمر والقمر؟ في ظني بردى ممتقع الوجه نحيل القامة يمتد كخيط وهم بين المنبع وبحيرة الجبول شرق دمشق.

لا أعرف بداية موفقة تكون مدخلاً طيباً إلى هذه الدارة البهيّة، دارة دمشق-التراث التي تجمع بين الحلم البهي والوجع الممضّ، بين ما كان وما يشكل مرآة الزمان الآن. وربما لهذا السبب أسلمت قياد نفسي للعشق، يقودني في مغانيها على هواه ويريني ما يحب أن أراه، فأنا المأخوذ من ناصية القلب بعشق مدينة، والعشق قتّال، وفي مثل حالتي هذه يسقط كل عتب ولوم.. فعين الرضا عن كل عيب كليلة.

إن قلت متى بدأ تاريخ المدينة: هل مع الآراميين أم من قبلهم بعقود وقرون، فلا أصل إلا إلى ضمائم من تراث تشمخ به جبهة الحجر وتسجله طرائق تسجيل البشر، يقول: منذ ما قبل التاريخ المكتوب كان لدمشق تاريخ. وإذا قلت إنها تعاصر الآموريين وتعتصرهم في خوابيها وتمتد إلى ما يقرب من زمن السومريين والأكديين والبابليين، نهضت التلال الآثارية المحيطة بها – تل الغسول وسواه- محتجة على الإجحاف والتجاهل، معلنة حرب الوثائق على الظلم والجهل، رافعة أشرعتها المتماوجة في بحر الزمن لتؤكد تواصل التاريخ الحضاري للمنطقة وامتداده من الخطوات الأولى في سهل نَطُوف -قرب أريحا- في الألف العاشر قبل الميلاد وامتداداً إلى تل حلف في الشمال الشرقي من سورية أو بين الشام والعراق.

وحين يعجز المرء عن تحديد البدايات، ويتجاوز تلك العقبة الكأداء، أو يقفز فوقها، سالكاً مع الزمن طريقه الطبيعية الهينة، ملتمساً في التاريخ ما يحدده حرفٌ مكتوب وظلٌ بشري مسكوب في نقش وعمارة وشكل من أشكال الحضارة، يجد نفسه بين لمسات وبصمات وإشارات ومعطيات، تمتد من الكتابة المقطعية المسمارية إلى أبجدية أوغاريت، ومن هذه الأخيرة إلى دوامة هذا العصر وفضاءاته، ويجد في كل ذلك تسجيلاً وتوثيقاً وتحقيقاً لتلاقح حضاري مع الحضارات والأمم والأقوام: العصر اليوناني القديم والهلنستي والروماني والبيزنطي على أرضية الكنعانية والآرامية والسريانية والنبطية والتدمرية، مغشَّى بأصالة أهل المنطقة الذين لم يخرجوا في تكوينهم وانتمائهم ونسيجهم الثقافي والاجتماعي، عن دائرة الأمم والأقوام التي نبتت من الأرومة العربية أو على جذعها، سواء أكانت  من العرب الذين شرَّشوا في المنطقة منذ القدم وتفاعلت فيها لهجاتهم و”شفتهم”، وقيل لغاتهم، أو من تفاعلهم وتواصلهم مع الآخرين في جولاتهم وهجراتهم الداخلية في الجغرافية والبيئة العربيتين الممتدتين في مستنبت الحضارة القديم هذا الذي يضاهي الفرعونية القديمة ويجاورها ويحاورها ويأخذ منها ويعطيها ويكوّن معها أرض العالم القديم وسقفَه والفضاء الذي بين الأرض والسقف.

وهم يتفاعلون مع الحضارات والأمم والثقافات فيأخذون ويعطون بثقة وتفتح، وتبقى لهم شخصيتهم ودمشقيتهم يلونون بها الحضور، ويبقى لهم حضورهم الذي يمتد ما امتد بالإنسانية تاريخ وحضور، سواء باتجاه الشرق حيث كان زهو الفرس ومجدهم وحضور الهند والصين، أو باتجاه الغرب حيث أعطت الفتاة “أوربة” أخت أجينور ابنة الكادميين "القدموسيين" وسليلتهم، أعطت للقارة الجديدة " العجوز الآن" اسمها، وحيث هاجر إليها من نسل “الكادميين ـ الصوريين ” الكنعانيين أو الآموريين " العرب الغربيين" عامة أقوام أقاموا دعائم حضارة وثقافة لم تكونا بعيدتين بحال من الأحوال عن تأثير هذا الجزء من أرض البشر الذي كان مهد الحضارة ولم يكن مجرد ملتقى للحضارات كما يحب بعض الغربيين أن يقرر أو يوحي أو يقول.

وهذا هيرودوتس يعيد لهذه المنطقة من العالم فضل نشر الميثولوجيا القديمة في اليونان ومن ثمة في الغرب كله، فيقول: “وأنا أقرر الآن أن ميلامبوس MELAMPUS -بمعنى الأسود القدمين- ذلك الرجل الحكيم الذي ,[] hguvhtmK r] jug~Ql lk hglwvddk Hadhx u]d]m lojgtmK krg lkih Ygn fb] hgd,khkddk -fu] ju]dg

أوجد العرافة، قد تعلَّم من المصريين أشياء عديدة مختلفة، نقل منها إلى بلاد اليونانيين -بعد تعديل طفيف- ما يختص بديونيزوس، وأنا لا أومن مطلقاً بأن الاتفاق بين شعائر ديونيزوس في مصر وفي بلاد اليونان وليد المصادفة، وإلا لانسجمت هذه الشعائر مع طباع اليونانيين، وما كان دخولها عندهم حديث العهد. ولن أقول أبداً أن المصريين نقلوا هذه الشعائر عن اليونانيين، لا هي ولا غيرها من العادات، ولكن من المحتمل جداً -كما يخيل إليَّ- أن ميلامبوس تعلم هذه الشعائر من كادموس الصوري، ومن أولئك الذين هاجروا معه إلى البلاد التي تسمى حالياً: بيؤوسيا””[1]”.

ويضيف هيرودوتس: “لم يعرف اليونانيون أصل واحد من الآلهة، ولا تاريخ وجودها القديم جميعاً، ولا ما هي أشكالها، لم يعرفوا ذلك إلا بالأمس وبالأمس القريب كما يقولون. وأنا أعتقد أن هسيودوس وهوميروس عاشا قبل عصري بأربعمئة سنة لا أكثر -نهاية القرن التاسع ق.م- وهما اللذان دوَّنا لليونانيين أنساب الآلهة وسمياها بألقابها... إلخ””[2]”.

وهذا لا يترك مجالاً للشك في أبوة وأمومة ثقافة هذه المنطقة التي شغلها العرب الشرقيون والغربيون" في العراق والشام ومصر" لثقافة الغرب وأساطيره وعقائده " ميثيولوجياه " القديمة، كما أنه يدعونا إلى مزيد من التقصي والبحث والتدقيق للوقوف على الدور الحضاري الذي لهذه الأمة، التي ينال منها اليوم الضعف، وينخر فيها السوس، ويرين على ذاكرتها ووعيها الجهل، ويتأكَّلها الإهمال والتدابر وفساد القلب والنية والرأي والرؤية.

لقد تداخل في دمشق المعبد الوثني القديم -معبد حدد وسواه ممن سبقه وتلاه من آلهة هذه البلاد- والكنيس، والكنيسة والمسجد، وهي بهذا الغنى والتنوع والتداخل، لم تكن مجرد حاضرة من حواضر العالم القديم التي شاركت في احتضان العقائد والثقافات وساهمت في نمو الوعي والإيمان فقط، وإنما كانت سُرّة الأرض التي شهدت صراع الوثنيات فيما بينها وصراعها مع الديانات الإلهية "السماوية"، وصراع الديانات أللإلهية فيما بينها ثم تآخيها وسبوغ التسامح عليها. فدمشق جارة يبوس، أورسالم، إيلياء " إيليا كابيتولينا"، القدس" وخدنها، وهي جنَّة الأرض التي نبَّه إليها رسلٌ وأنبياء، وهي الدار التي تعززت فيها الدولة العربية ورسالة الإسلام وانتشرت انتشاراً واسعاً بنوع من التآخي والتسامح مع الديانات والقوميات لم تشهده إلا مدن عريقة قليلة في التاريخ، وهي التي تداخل فيها النسيج المعماري والحضاري وحتى الاجتماعي الأقدم والقديم في تكوين حضاري عضوي ثبّت شخصية ثقافية نوعية من خلال تراكمية ثقافية وحضارية بناءة، كما تداخل فيها القديم مع الجديد والمستجد والحديث. ولكن ذلك المعطى الثقافي والحضاري العام والمتنوع كان يدخل دائماً بوتقة واحدة تصهره وتسبغ عليه في النهاية ثوبه، الثوب الدمشقي-العربي، ليعطي هوية وخصوصية وشخصية للمدينة يجلوه موقفها ومبدؤها وتراثها، وليعطي للتراث شمرخة زاهية تجلوها شخوصه وتحدد هويته وانتماءه.

لقد كان الفتح الإسلامي لدمشق في السنة الرابعة عشرة للهجرة -القرن السابع للميلاد- فهل تراه دخل دياراً لم تكن العروبة مستقرة فيها؟! أم تراه وجد من أهل الديار عوناً له وترحيباً به وتعرفاً عليه واعترافاً بأصالة زيتونته في الأرض وعبق ريحانته في الدور والقصور وعلى ضفاف بردى وفي بساتين الشام الريانة المزدانة بالذكريات وبـشمائل انتماء العربي الصراح إلى أرضه وأهله؟!

ربما كانت دمشق لذلك "مناصفة" بين صلح وحرب عاشت في ظلهما قروناً من قبل ومن بعد، وتكاد تكون تلك علامة عليها منذ ذلك اليوم الذي  سبح فيه خالد بن الوليد ومذعورُ بن عدي والقعقاعُ بن عمر في ماء خندق دمشق وكبروا فوق سورها القديم وفتحوا بابها الشرقي للجند وفتحوها عنوة من هذا الجانب وساروا ما شاء الله لهم أن يسيروا قبل أن يلتقوا أشقاءهم في درب الريحان "ما يقرب من منتصف المدينة داخل السور"، ذلك لأن الذين فتحوا لجند يزيد بن أبي سفيان وأبي عبيدة بن الجراح أبواب دمشق الأخرى من جهة الغرب والجنوب الغربي كانوا يصالحون ويميلون وربما ينتمون، وكان اللقاء بين العنوة والصلح، بين الحرب والسلم، بين الموت والحياة، في درب الريحان.. فيا له من مكان ويا له من اسم على مسمّى.

ويبدو أن لدمشق حظها الوافر في كل العصور من ثنائية ملحوظة الوجود والتأثير، أو من تلك "النصفيَّة" التي تجعل الضدين يلتقيان ويتوقفان وينكسران في آن، ذروة ومكانا. ولا أدري أهي خصوصية دمشقية أم هو قانون خفي تفرضه الطبيعة العامة للحياة في مرتكزات التجمّع البشري والحضاري؟! فلدمشق سباسب ريحانها التي تواكب سيوفها الدمشقية الشهيرة أو تقطع عنها حدود السيوف، ولها حريرها وفولاذها الأشهران، ولها قلعتها القوية العصية، وبساتينها الرضية الرخية، لها ماؤها وحمادها وصحراؤها، جبلها وغوطتها، عُمَرُها ويزيدها، فضلاؤها وفجارها.. لها أطباؤها وعلماؤها وأدباؤها وشعراؤها، ولها أيضاً جهَّالها وجهلتها. وقد كان فيها "الزعران والعوانية والبلاصيّة والغوغاء ومشايخ الحارات وعرفاؤها"[3]" وفتوّاتها، لها من تيمورلنك نصيب ومن صلاح الدين ونور الدين الشهيد نصيب، وفيها الأموي والظاهرية والمدارس والزوايا والتكايا قديماً، والجامعات والمكتبات العامة حديثاً، وكان فيها أيضاً سوق الخيل وما هو على شاكلته مؤدياً لوظيفته قديماً وحديثاً. ولها نصيب من الفقهاء والصلحاء والمتصوفة حتى الزناة، وأهل الرأي والسياسة على امتداد الزمن وتلوّن العهود.

ومنذ توطدت فيها أول دولة عربية في ظل الإسلام، أعني الدولة الأموية، وهي منطلق الحس القومي ومرتكزه، تخبو جذوته آناً وتشرئب آناً ولكنها لا تموت. وقد تعزز ذلك فيها يوم قاومت ظلم العثمانيين وحملات التتريك واتفاقية سايكس-بيكو، والاستعمار الفرنسي الذي أشعل فيها الحرائق، والوجود الصهيوني في جناح بلاد الشام الجنوبي الغربي الذي ما زال بدعم غربي يشكل حضوراً صليبياً متجدداً. وظلت دمشق وستبقى منطلق الدعوة إلى العمل الوحدوي والتحرري والتحريري على المستوى العربي الشامل وبيتاً للعرب وموقعاً يرفض العدو حتى لوطبقت الجامعة العربية قرار قمتها، قمة بيروت، واعترفت بالصهاينة فسنرفض صهيون كلها من دمشق لأن فلسطين عربية وستبقى عربية. وقد أثبتت الشام في معاركها ومواقفها القديمة والحديثة، وعياً وصلابة وثباتاً في وجه الظلم والظلام ومخططات الاستعمار والأعداء والطامعين والحاقدين والصغار.

أفلا تتداخل، من خلال هذا القليل الذي ألمحت إليه، ألا تتداخل دمشق مع التراث العربي الإسلامي الإنساني لتكوِّن قوس قزح بهي يعشقه المرء ويجد نفسه فيه؟! أفلا يشكلان، دمشق والتراث، لحمة وسدى يصعب الحديث عن نسيج مديني ومدني وعربي وحضاري من دونهما؟!

إن من ينظر إلى أبواب دمشق وسورها وتجليات عمرانها داخل السور القديم، وإلى صخب الحياة وغناها اليوم وتنوعها داخل ذلك السور وخارجه، يشعر بأن قلب دمشق هو قلب الحياة، وهو الذي يضخ في قلوب عشاقها دم الحب والاعتزاز بها وبالانتماء إليها.

وإن من يسرّح النظر ويتأمل فيما استجدّ داخل سورها وخارجه على مدى قرون يستغرقه عمر المدينة وعمرانها، بالمعنى الخلدوني الشامل للعمران، يعجز عن كبح جماح العشق والاعتزاز والزهو، ويسلم قياد القلب على أبواب دمشق لقلب يرجو ألاَّ يعمى أبداً وألاَّ يشيخ أبداً وأن يسكنه الهدى أبداً، لكي يرى ويدرك ويستمتع ويحب وتتداخل فيه، كما تتداخل فيمن يعشق، أمشاجُ البدايات مع ما انتهت إليه الشام اليوم من عمران ومواقف واستخلاصات ومعاناة وحكايات بعضها لا يسر الصديق ولا يغيض العدى. ولكي يتحقق ويتثبّت من أن الجذر الثقافي العربي القديم-القديم الذي نبتت عليه جذوع دمشق وفروعها هو ذاته الجذر الحي الذي ما زال يمد عروبتها وإسلامها اليوم بنسغ الرؤية والموقف والحياة، وأنه سيبقى قادراً على استيعاب كل معطيات التربة والتخصيب وعلى تمثّل ذلك وصوغه وجعله في صلب بقائه المرتجى على الزمان، حاملاً هوية المكان والأمة التي كانت دمشق حاضرتها الأرحب والأقوى والأعز والأحب، الأمة الأوضح والأصرح، وستبقى بعون الله.

فلدمشق، من ريحانها وياسمينها وجوريّها باقة فيها من حب القلب وخلاصات العقل والوجدان ما لا يخفى على البصيرة وأهل النظر ممن تهمهم دمشق بشمول معانيها وتاريخها وتراثها ورموزها وما يؤمّل منها ويترتب عليها، إذا ما عجز البيان عن ترجمة ذلك.

وعلى أولئك نطرح الأمنية بأن تخرج خارج بعض أسوارها ودوائر نعاسها وانتكاسها، لترى كيف يزوبع العصر المدن والناس ويقتحم الحضارات وثوابت الثقافات، وكيف توجه جهاتٌ وبلدانٌ سمومها إلى أرواح أبنائنا وأسس بنياننا ومقومات وجودنا، لتتمكن من المواجهة الفعالة بعصرنة الرؤية والأسلوب ونوع الخطاب، ليمتد جسر التواصل الأروع والأعمق والأعرض والأطول الذي تقيمه بين أجيالنا العربية وتراثها العريق، وليكون الوعي والإيمان والانتماء الأصيل: حباً عميقاً ووعياً معرفياً دقيقاً وانتماء مسؤولاً، للأمة وتراثها ولغتها وأبنائها ومرتكزات الحضارة ومراكزها العريقة التي تنير الطريق إليها، ولكي تطلق الإرادة والعزم لتشق طرقاً منها إلى التقدم العلمي والبناء الحضاري والعناية بروح الحضارة الإنسانية الحر المطمئن المتفتح على الحياة بثقة وأمل، وعلى التماسك القومي الأرحب، والغنى الروحي، والحضور الفعال في بيت أمة وحضارة وعقيدة وثقافة كانت مع الأمم والثقافات دائماً في سجال، تعطي ولا تعرف الغياب المميت، أو الموت.. الغياب. وستبقى كذلك إن شاء الله وتتخلص من شوائب لا تليق بها.

الله من وراء القصد.

 دمشق23/3/2007

علي عقلة عرسان


 

[1] هيرودوتس يتحدث عن مصر- ص149-150، ترجمة: د. محمد صقر خفاجة- دار القلم بالقاهرة- 1966.

[2] هيرودوتس يتحدث عن مصر- ص155-156.

[3] دمشق بين عصر المماليك والعثمانيين- ص95- تأليف: د. أكرم العلبي- منشورات: الشركة المتحدة للتوزيع- دمشق 1982.

 

 

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |