|
| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث | |
|
في زيارة بيلوسي لا أشجع على بناء بيوت في الرمال المتحركة، ولا على ابتلاع الأوهام وتضخيمها والترويج لها، ويدخل في هذا الباب عندي إعطاء جولة رئيس مجلس النواب الأميركي السيدة نانسي بيلوسي في المنطقة أهمية مبالغاً فيها. وفي الوقت ذاته لا أقلل من أهميتها على الإطلاق في هذه الظروف. لقد أغضبت زيارتها إلى دمشق البيت الأبيض وكل ما يغضب البيت الأبيض مرحَّب به مادام ذاك البيت وساكنه ينتهج سياسية العدوان والكذب والغطرسة ويغرق شعبنا العربي بدمائه ويقتل أبرياءه وأطفاله وينهب ثرواته وخيراته ويعادي هويته وعقيدته، ويشوه مقومته وصور نضاله المشروع ضد العنصرية والاحتلال. نانسي بيلوسي أميركية ديمقراطية من أصل إيطالي، ليست عربية ولا صديقة للعرب ولا تهمها أمور الفلسطينيين والعراقيين والسودانيين والسوريين بل أمور شعبها وبلدها وحلفائها الأقربين وعلى رأسهم الصهاينة، وتهتم بآرائهم وبأمن الكيان الصهيوني ومصالحه، وبإخراج بلدها وجيشها الغارق في وحول العراق من مأزقه " بشرف" ووضع حد لخسائره وجرائمه التي شوهت صورة بلدها بنظر العرب والمسلمين والعالم. وهي تسعى لتقديم نفسها وحزبها إلى شعبها والمؤثرين في توجهاته وانتخاباته بصورة مغايرة لتلك التي صنعها الرئيس بوش لكي تكسب انتخابياً واجتماعياً وسياسياً. لقد هيأت بيلوسي لجولتها ركيزتين داخليتين قويتين تستند إليهما لتدفع هجوم البيت الأبيض وغضبة رئيسه عنها وهما: تقرير بيكر هاملتون بشأن الحوار مع سورية التي لا يمكن القفز فوق دورها في المنطقة، واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأميركية " إيباك" الذي يرغب نافذون فيه باستئناف المفاوضات بين سورية والكيان الصهيوني لقطع علاقات سورية بإيران ووقف دعمها للمقاومة، لا سيما حزب الله، ويتفقون معها أو يكلفونها بذلك تمهيداً لتحرك ضد إيران التي احتلت الموقع الأول من اهتمام الكيان الصهيوني والولايات المتحدة نتيجة برنامجها النووي ومواقفها المبدئية من قضية فلسطين والكيان الصهيوني ومناصرتها لحزب الله والمقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال، وتقدمها الملحوظ في إنتاج سلاح تدافع به عن نفسها وتحقق قوة مؤثرة في منطقة الخليج العربي. كانت بيلوسي من المناوئين لسياسة الرئيس بوش ومن المعارضين لعدوانه وحربه المشؤومة على العراق، وقادت حزبها باتجاه النصر الذي تحقق له في الانتخابات الأميركية الأخيرة، وكان على رأس أولوياتها وما أنجزته بعد تسلمها لمسوؤلياتها رئيساً لمجلس النواب الأميركي: إقالة وزير الدفاع الأميركي "رامسفيلد"، و إبعاد جون بولتون عن موقعه ممثلاً للولايات المتحدة الأميركية في الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، والعمل على انسحاب الجيش الأميركي من العراق. وقد حققت الأمرين الأول والثاني وتسعى لتحقيق الثالث وقد اتخذ مجلسا الكونغرس قراراً بجدولة الانسحاب من العراق وربط ذلك بالموازنة التي تم إقرارها في ضوء ذلك الإلتزام. بوش في القفص ونانسي طليقة، بوش في المأزق ونانسي تقضم أسلاك المصيدة التي وقع فيها الجيش الأميركي وبلدها في العراق على الخصوص، بوش يبشر برؤيته لحل الدولتين وإقامة سلام لمصلحة " إسرائيل" ويعمل على محاصرة من يراهم خطرين على مشروعه وسياسته ورؤيته في المنطقة، ويهددهم بالعزل والعقوبات ويتهمهم تمهيداً " لقهرهم" في حرب جديدة إن استدعى الأمر، ونانسي تعمل بالتنسيق مع "إيباك" على تحرك عملية السلام بفتح الحوار والتفاوض المباشر بين سورية و" إسرائيل" لإنقاذ الأخيرة من ضعفها ومآزقها، والالتفاف على قرار قمة بيروت التي فعّلتها قمة الرياض وإحداث اختراق في الإجماع العربي على عدم التنازل عن ملف اللاجئين ورفض توطينهم في البلدان المضيفة. وفي الوقت الذي يرى فيه بوش أن القوة هي التي تعيد هيبة الولايات المتحدة الأميركية و "إسرائيل" ويعدّ مع أولمرت لحرب جديدة لأن "واقع الأمر أن إسرائيل في حاجة إلى حرب استعادة الجبروت بعدما فضحت ضعفها في حرب الصيف الماضي في لبنان، وهي تريد تحييد دمشق مجدداً عن الناحية العسكرية، وتريد شراكتها العملية في التضحية بلبنان" كما يقول قادة صهاينة؛ ترى بيلوسي وفريقها أن الحوار يمكن أن يحقق نتائج أفضل ويفرّق المتحالفين ضد الكيان الصهيوني في المنطقة، لا سيما سورية وإيران والمقاومة، ويعطي لبلدها وحليفه " إسرائيل" وقتاً كافياً هو ضروري لهما، لأن عامل الزمن في هذه الحالة سوف يجيّر ليعمل إلى جانبهما وضد الآخرين كما يرون. مريح لنا أن يتحول النزاع الأميركي على السلطة والنفوذ إلى اختبار سياسات وتوجهات الحزبين الرئيسين الجمهوري الحاكم والديمقراطي المعارض في مناطق من العالم وإلى استعراض قوة وجذب مواقف ودول من الخارج ومحاولات لإطفاء النار التي أشعلوها في بعض بلداننا أو لإذكائها. بعد أن كانوا يخوضون صراعاتهم " الديمقراطية جداً" هم وحليفهم الصهيوني على الخصوص عبر دمنا وجثثنا، ويتسابقون على من يقتل أكثر ليكسب أكثر. لقد ركزت بيلوسي في أحاديثها وتصريحاتها، لا سيما في دمشق، على ملفات ومطالب ومواقف أميركية تتبناها إدارة بوش، ولكن مداخلها لتحقيق ذلك كانت الحوار وليس الحصار والتهديد. وذلك مفيد ويقدم عقلاً منفتحاً وأسلوباً أفضل في العمل السياسي. لم تتنازل بيلوسي عن شيء من مطالب الكيان الصهيوني وإدارة بوش المعلنة سواء بشأن العراق أو لبنان أو فلسطين أو الكيان الصهيوني والموقف من المقاومة ومن إيران، ومن موضوع إطلاق ثلاثة جنود إسرائيليين وقعوا في قبضة المقاومة اللبنانية والفلسطينية. الأهداف واحدة والأساليب مختلفة. وقد لقيت بيلوسي ترحيباً حاراً وحفاوة بالغة في دمشق، وموافقة أو استجابة لطلبها الذي حملته على شكل رسالة شفوية من أولمرت بشأن المفاوضات مع سورية للوصول إلى " سلام"، الأمر الذي أعلنه أولمرت في أثناء استقباله لها في القدس ثم نقضه في أثناء زيارتها لدمشق، تحت تأثير الرئيس بوش وإدارته وبعض عناصر من إيباك أيضاً. لأن الريس ونائبه اللذين أغضبتهما زيارة بيلوسي إلى سورية وقالا فيها وفي رئيسها ما قالاه هما وحاشيتهما لا يريدان أن يُسجَّل لبيلوسي أي نجاح في أي مجال، ولذلك ابتلع أولمرت لسانه وسحب عرضه وقال مكتبه يوم 4/4/2007 بعد المؤتمر الصحفي الذي عقدته نانسي بيلوسي في دمشق، مصححاً أقواله لها: إن "سوريا لا تزال دولة تدعم الإرهاب" ـ أي المقاومة ـ ومن أجل إدارة مفاوضات حقيقية للسلام كما قال أولمرت لبيلوسي في القدس قبل سفرها إلى دمشق: "ينبغي لسوريا أن توقف دعمها للإرهاب وهكذا تختبر جدية نواياها للتوصل إلى سلام حقيقي مع إسرائيل".؟ لقد غير أولمرت وتحوّل وفعل مثلما فعل تحت تأثير إدارة بوش في أثناء العدوان المفتوح على لبنان ومقاومته/ تموز ـ آب 2006/ ومثلما رفض دعوة سابقة للرئيس السوري بشار الأسد لمفاوضات غير مشروطة للتوصل إلى سلام في المنطقة. وبوش يستبيح كل شيء ويفعل ما يريد ويمارس الضغط هنا وهناك وحتى على اللبنانيين لكي لا يتفقوا ولا يتوافقوا، لأن في تفرقهم وتناحرهم يعدّ تعزيزاً لنفوذه وهيمنته وتنفيذاً لمشاريعه وديمقراطيته العدوانية المسلحة التي تُكتَب سطورها وفصولها بدماء أبناء شعبنا. إنه وطاقم إدارته ينتقدون طريق الحوار والتواصل والتفاهم التي تختارها وتفتحها بيلوسي لمصلحة بلادها وحليفها الأقرب الكيان الصهيوني، ولا يرون مآسي طريقهم، طريق القتل والدمار والحصار والتهديد، التي يسيرون فيها وأساليب قطاع الطرق التي يتبعونها معنا نحن العرب. ومن عجب أن يقول المتحدث باسم مجلس الأمن القومي غوردون جوندرو عن طريق بيلوسي: "للأسف إن هذا الطريق مليء بضحايا حماس وحزب الله، وضحايا الإرهابيين الذين يعبرون الحدود السورية للدخول إلى العراق. كما هو مليء بالضحايا الذين يناضلون من اجل الديمقراطية في لبنان، وبناشطي حقوق الإنسان الذين يكافحون من اجل الحرية والديمقراطية في سوريا"؟ من عجب أن يقول ذلك ولا يرى ما في طريق رئيسه بوش من جثث العراقيين واللبنانيين والفلسطينيين والأفغان وما يغرق تلك الطريق من دماء!؟ لقد رأى نفسه ورئيسه في مرآة أكاذيبهما وأزلامهما وعملائهما ومن يزيّنون لهم الفتك بأمتنا ومَن يوظفونهم لإحداث اختراقات لمصلحة مشاريعهما وهيمنتهما ومصالحهما في أوطاننا. كان هناك أعضاء جمهوريون من الكونغرس قد زاروا سورية قبل الوفد الذي جاءت على رأسه بيلوسي، وزارها من بعده نواب أميركيون كان آخرهم النائب داريل عيسى، وأعتقد أن هذا كسر عملياً الحاجز الذي أراد بوش أن يقيمه. وسوف تتالى الوفود ويُفتَح باب واسع للحوار، وهذا ماكانت تنادي به سورية. وقد استرعى انتباهي وجود النائب اليهودي الصهيوني المؤيد بتطرف للكيان الصهيوني توم لانتوس في الوفد مع بيلوسي، ووجوده تمثيل لإيباك ولوجهة نظر صهيونية تعمل مع الديمقراطيين، ولا بد أن هناك فريق صهيوني آخر يعمل مع الجمهوريين فذاك تنسيق يهودي معروف ومكشوف للعب على كل الحبال والاستفادة من الصاعد. لم تنس بيلوسي أبداً أن تتحدث في دمشق وفي محطات زيارتها الأخرى عن موضوع الجنود الصهاينة الثلاثة الذين في قبضة المقاومة اللبنانية والفلسطينية، وقد أثار ذلك استغرابي لكن ليس بالقدر الذي أثاره عناقها لشمعون بيريس في القدس. وأرى أن اهتمام الساسة الغربيين بموضوع أولئك الجنود غريباً وعجيباً ومثيراً للدهشة والامتعاض. ويسأل المرء نفسه: ألا يشعر أولئك بالحرج يا ترى وهم يركزون في اتصالاتهم وأحاديثهم وإعلاناتهم على جنود الكيان الصهيوني الثلاثة في قبضة المقاومة ولا يشعرون مطلقاً بمعاناة أكثر من عشرة آلاف أسير ومعتقل وسجين فلسطيني وعربي في معتقلات النازية الجديدة في فلسطين المحتلة، وبعض أولئك مضى على اعتقاله أكثر من ثلاثين سنة؟ ألا تهزهم معاناة الناس وآلامهم في فلسطين والعراق والسجون الأميركية الطيارة، وما يلحقهم من إذلال ودمار على يد المحتلين الصهاينة والأميركيين والبريطانيين، ويتكلمون فقط عن ثلاثة جنود صهاينة وقعوا في قبضة المقاومة في أرضها وهي تعمل على رد عدوانهم عليها ودحر احتلالهم لها؟ أليس هذا تكوين عنصري يمنع إعمال العقل والضمير على أرضية المساواة والمنطق؟ وتعجب من أمرهم أكثر حين يتكلمون عن المقاومة بوصفها إرهاباً وعن دول تدعم المقاومة بوصفها دولاً ترعى الإرهاب منها سورية وإيران، ولا يرون إرهاب الدولة الصهيوني المستمر منذ عقود، والاحتلال المنتشر بفظاعة ووحشية، ومعاناة الشعب الفلسطيني التي فاقت كل معاناة. من أي طينة هؤلاء؟ أنا لا أتهمهم ولا أجردهم من حس العدالة والمشاعر الإنسانية، ولكنني لا أجد تفسيراً لهذه البلادة في الانحياز الأعمى للكيان الصهيوني والعداء المقيم للعرب والمسلمين، أو بالأحرى العداء للعدالة والحقيقة والضمير الحي والقيم الإنسانية الشاملة؟ ربما كان هؤلاء يخفون مشاعرهم ويزيفونها خوفاً من الصهيونية التي قد تتحكم بهم وبمصيرهم وربما لا.. ولكن هذا لا يمكن أن يسوّغ مواقفهم ويجعلهم يمضون إلى الحد الذي يفقدون معه إنسانيتهم ومشاعرهم ويميتون ضمائرهم وحس العدالة لديهم. وأتساءل من بعد.. هل هذا النوع من الساسة يمكن أن ينصفنا؟ أذكر هذا لكي أؤكد أن بيلوسي، على الرغم من تقديرنا لخطوتها وشجاعتها، لا تخرج عن هذا الإطار، وقد لا تريد الخروج منه حتى لو استطاعت لأنها من الطينية ذاتها. وهي تقوم بجولتها وتفتح أبواب التواصل لتنقض سياسة رئيسها وتظهر إفلاسه. إنها واقعية وشجاعة ومتعقّلة أكثر من ذاك المهووس بالتكليف الرباني وبدخول التاريخ. ولا ندري هل سوف تغير أقوالها ومواقفها عندما تواجه الضغط بعد عودتها إلى واشنطن؟ وهل يمكن ألا تمارس سياسة القهر بهذا الأسلوب أو ذاك إذا ما وصلت إلى الموقع الأول في بلادها؟ إنها الآن تقدم أسلوباً بديلاً لما ترفضه وتعمل على كسب الوقت والمساعدة في الخروج من مآزق كبير وهذا مفيد للجميع. إن موقفها السياسي مقدّر ومرحَّب به وينطوي على شجاعة ومبادرة طيبة وسعي لفهم الأمور من مواقع قريبة، وهو أسلوب وسلوك يختلف عن أسلوب رئيس بلادها المختطَف من المتطرفين والواقع تحت تعصب عقائدي قتال. ونهج بيلوسي يعبّد الطريق أمام أسلوب في التواصل والتفاهم أقرب إلى التحضر والديمقراطية وأقدر على خدمة العدالة والحقيقة والعلاقات الدولية ومصالح الولايات المتحدة الأميركية وحل المواضيع المعقدة. وهو أسلوب إذا استمر واستقر سيكشف مدى قصير نظر خصومها السياسيين. وعلينا أن ننتظر ونستعد لتوقع كل الاحتمالات. دمشق في 6/4/2007 علي عقلة عرسان
|
|
| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث | |