|
| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث | |
|
أسئلة الدم "إن صوت دماء أخيك صارخ إليّ من الأرض" هكذا قال الرب لقابيل الذي قتل أخاه هابيل، وهكذا حفظت الأرض الدم وذكّرت به وصرخت متألمة من حمله، ولم تنس ولا جعلت الناس فوقها ينسون قصة هذا الدم منذ أقدم العصور التي وعاها الإنسان، فتناقل الناس القصة جيلاً عن جيل وحكت أقوامٌ لأقوام قصة قابيل وهابيل حتى وصلت إلى يومنا هذا.. ولكنها لم تبق مجرد قصة فقد حملتها المورثات والذاكرة وغدت في الطبائع ثأراً وغدراً وصفحات نفس وألوان حياة.. تلك قصة ضجت بها الأرض ولكنها ما زالت على نحو ما قصة الحياة والناس، وإذا نظرت من حولك وتمليت الأحداث والأحوال المتواترة تجدها تكبر أو تصغر ولكنها تبقى قصة الحياة.. الله والأرض والإنسان. والأرض التي شهدت الحدث الأول وانساح فيها الدم وضمَّت الجثة لم تنس ما فيها، الأرض سفر الشعوب تكتب فيه بالدم والعرق والألم قصة حياتها وألوان وجودها ومعاناتها وتاريخ نضالها.. والأرض تحفظ وتنقل وتنشر وتصرخ ويضيق صدرها وتبكي أحياناً. وهي هكذا بالنسبة لنا اليوم ونحن ندفن ضحايانا ونلْهَج بأدعيتنا ويعتصرنا الألم وتداس حقوقنا وتطلعاتنا، ونحن نعانق الأرض الوطن، الأرض البيت، الأرض القهر، الأرض النصر، والأرض القبر. الأرض عند العربي ليست تلك المساحات العزيزة من التراب والمزارع والعمران الفلسطيني أو العراقي أو السوري أو الجزائري أو المغربي أو الصومالي فحسب ولكنها بالإضافة إلى ذلك كلّه التاريخ والعمران والذاكرة والأجداد منذ آدم وابنيه هابيل وقابيل وإلى يوم يبعثون.. إنها البيئة والطبيعة والموقع الاستراتيجي والشموخ الحضاري والذكريات المسجلة في أصلابنا والمنقوشة على العصب والخلايا، على القلب والجبين. وهي تعني للمرء كل شيء عندما يعيش الحنين ويستشعر الانتماء أو تُُسلَب منه الحرية والكرامة وقيم المواطَنة والاستقلال ويوضع على مشارف الدونيَّة. وهي صفحات النضال الحي الذي تكتبه طلائع شعب فوق أديم أرضه بالدم والدمع والمعاناة، وتجدد الكتابة كل يوم فئة صامدة مجاهدة من أبناء هذا الشعب في هذه البقعة أو تلك من أرض الوطن.. في فلسطين أو العراق أو السودان أو لبنان..ألخ .. وإذا كان هناك صوت يعلو ويجب أن يُسمع وتتناقل صداه الأرض ويعيه الناس في الخافقين، فهو صوت الإنسان العربي الذي التصق بأرضه وسقاها الدم ودافع عن حقه وصمَدَ بوجه العسف والقمع والظلم والاستعباد والقهر، وقدم ما لا يُحصى ولا يُعَدّ من التضحيات، وما زال مستعداً للتضحية يعيش ويعمل ويحلُم بالحرية والأمن والاستقلال، ينزف الدم ويرفع رأسه ويمشي.. وقد لا يستبين الطريق. إن الأرض عند العربي اليوم جروح وقروح وحروب ومقابر وثأر ونار فتنة تتلظّى في هذه الزاوية أو تلك.. إنها جحيم في بعض الساحات، ومواجهة من أجل الحياة في كل ساحة من الساحات. العرب في المحنة والامتحان من غزة إلى بغداد إلى دار فور إلى مقاديشو، والخوف يطرق الأبواب كل يوم وينذِر بما هو أفظع وأسوأ وأوسع مما هو قائم. هل نصدق أن للأرض يوماً واحداً عند بعض العرب منذ ذلك الحدث الذي وقع في آخر شهر آذار / مارس قبل عقود من الزمن في فلسطين المحتلة حيث سال الدم دفاعاً عن بيت ومزرعة وحقل وشجرة زيتون، وضمت الأرض جثثاً تذكّر بهابيل؟ لا.. فمنذ سنوات وسنوات، عقود وعقود، والزمن يومٌ للأرض في وطن العرب وذاكرتهم، كل يوم هو عندهم صفحة مشرفة تكتب بالدم وتُضاف إلى صفحات ذلك السجل المشرق من النضال الذي خاضته جماهير عربية هنا وهناك من أجل أرض حرة وحرية للإنسان العربي وكرامة في الأرض.. سواء أكان ذلك بمواجهة الغازي أو المحتل أو المستعمر أو الطاغية والظالم والمستبد والفاسد وسارق قوت الناس وأمنهم وراحة بالهم.. كل يوم يخوض العربي في دمه ويستيقظ على صراخ الأرض أو لعناتها أو ضيقها بما يفعله بعض الناس. بغداد اليوم تعيش قصة الدم والأرض مثلما تعيشها فلسطين، وهاهي الجزائر تعود إلى النزف، والدار البيضاء تخشى زحفه في أحيائها، ولكن ليل بغداد الذي طال تفرّد وأخذ يلف المواطن والوطن والمحتل ويشهر حراب الأهل على الأهل، وضاعت في حلكته البصيرة بعد البصر، وأضحى الخوف سلطاناً يرعب ويضرب ويخبط عشواء والخاسر واحد: العراق والأمة والإسلام. وفلسطين اليوم ينذر وضعُها ووضع القدس فيها على الخصوص بليل تراكِمُه مخاوف المقدسيين على الخصوص من تهويد ما تبقى تحت أرجلهم من أرض القدس، وملاحقات العدو تتخطّفهم ويُدفعون ليكونوا وقود النار التي يشعلها المحتل بهذه الصورة أو تلك وهو يزحف على الحق والأرض وأشكال الحياة في تلك البقاع المباركة. وفي هذه الأجواء يكبر السؤال: متى نعي أننا وحدنا ندفع الثمن الأفدح والعدو واحد سواء ألبس الثوب الصهيوني أو الأميركي أو الأوربي أو ثوب العمي والخائن؟ وأنه وحده المستفيد الأول من دمنا المراق وتمزقنا القتَّال وقوانا التي تتبدد في صراعات جانبية هنا وهناك؟ إننا نستيقظ بعد كل غفوة مهما قصُرَت على موت ونُذر بموت، والأرض تسمع وتبلع، ونحن نمضي إلى مصير أسود تصنعه أيدينا قبل أيدي الآخرين في حالات كثيرة في أيام يوم للأرض والاستقلال والتحرير أو أيام للانقلابات والتغيير بالعنف والثأر والفتنة.. إلخ وكلها أيام دامية، يفتح المرء بصره وسمعه على حقائق أطّّرها الإنسان العربي بالدم كي لا يهملها التاريخ ومن يزيفون سطوره وصفحاته ويشوهون ما يشوهون من متونه وهوامشه. وفي كل يوم من تلك الأيام نقرأ من جديد، حرفاً بحرف، قصة مذابح ومعاناة تكبر وتكثر: في فلسطين من أرض الشام وفي العراق الذي غدت أرضه سجلات مذابح وانتهاكات للحق والإنسان وفي بقاع نتتبع فيها نزيف الدم ومساحات الدمار والرعب من موقع إلى موقع من أرض العرب، وكل ذلك يثقل ذلك ضمائرنا ويحرّك فينا كوامننا ويعيدنا إلى تلك الصفوة من المناضلين العرب في العصر الحديث الذين رأوا قبل غيرهم بوادر الخطر فقالوا وكتبوا وجاهدوا واستشهدوا من أجل دفعه عنا وعن الوطن والأمة وتنبيه الناس إلى قدومه وإمكانية تجدده وضرورة دفعه بكل الوسائل ومنها العلم والوحدة والقوة والوعي والانتماء والتضحية والجهاد، ومن أولئك عمر المختار وعبد الكريم الخطابي وعبد القادر الجزائري وأحمد باي وأحمد عرابي والمهدي ويوسف العظمة وعز الدين القسّام وأحمد ياسين.. والقائمة تطول وتطول، وأيامهم تذكّرنا بالأوائل الذين أرخصوا دمهم دفاعاً عن الأرض والحرية والعقيدة والقيم لتبقى القدس ومكة والمدينة المنورة ودمشق وبغداد والقاهرة والقيروان وفاس منارات في الأرض للحضارة والشهادة والانتماء في تاريخ العرب والمسلمين وحضارتهم. كل يوم من تلك الأيام يذكرنا بالدم العربي الذي أريق من الاستعمار وفي مقاومة الاستعمار، من أجل قضية فلسطين ومن أجل الاستقلال والخلاص من الأجنبي، كما يذكرنا بكل وقفة شعبية ضد الأحلاف الاستعمارية والمؤامرات والعملاء وممارسات السلطات المستبدة والظلَمة وأشكال القهر التي ألحقها حكام وعملاء وخونة وفاسدون بالوطن والأمة، ودفع ثمنها الناس حياتَهم وأمنهم وقوت يومهم ومستقبلَ أبنائهم، وتحملت الأوطان نتائج ذلك كله وما زالت ترزح تحت أعبائه. تلك الأيام سجلات الذكريات وألسنة الوعظ وتاريخ العبَر إذ تعيد علينا ذكريات وتفتح صفحات مرت عليها الأيام وما درست فيها الحروف المكتوبة بالدمع والدم ولا ضمُر في ثناياها نبض العبَر.. تعيدها لا لترسّخ شيئاً مهماً في أذهاننا فقط وتحي فعلاً وتثير تفاعلات إيجابية بل لتلقي علينا أسئلة أيضاً وترفع أمام الناس قضايا ترتبط بمصائر، وتدعونا إلى فعل مغاير لذلك الذي نتآكل في دوائره أو تأكلنا دوائره بصمت مأساوي. ومما تثيره من أسئلة: ـ ما فائدة الحروب التي خضناها والتضحيات التي بذلتها جموع العرب منذ عقود بل قرون من الزمن إذا كنا سنقدم للعدو الصهيوني معظم فلسطين وطناً معتَرَفاَ به وحدوداً آمنة وتطبيعاً مع اثنتني وعشرين دولة عربية دفعة واحدة، والقدس، ونهَبه ـ على البيعة كما يقولون ـ معاناة شعب فلسطيني مشرد سيبقى قيد التشرّد ولا يعود إلى وطنه بعد كل تلك التضحيات والمعاناة؟ وندخل في ظلاله ونبقى تحت جناح نفوذه والنفوذ الأميركي، وتسقط أقطارنا وأنظمتنا الواحد بعد الآخر في قبضة احتلال من نوع جديد وتنهبها القوى المهيمنة من جديد؟! ـ لماذا قدمنا ما يقرب من نصف موازنات الدولة لسنوات في أقطار المواجهة على الخصوص، وسببنا تراجعاً في خطط التنمية وفي إعمار الريف وتصنيع البلاد وتعليم أبنائها.. ووصل الحرمان في بعض الحالات إلى حدود تجهيل فئات من الشعب وإدخالها في عداد الأميين لعدم توافر المدارس وإمكانيات التدريس.. وحرمان معظم الناس من الرعاية الصحية الكاملة والضمانات الاجتماعية، وجعل كمٍّ لا يستهان به من أبناء الأمة يهيمون في الأرض باحثين عن فرص عمل لأنهم لا يجدون في بلدانهم مثل تلك الفرص التي تتيح لهم مواطَنة كريمة وانتماء مفعماً بالأمل والكبرياء؟! لقد فعلنا ذلك وقدِّم لنا على أنه فعل من أجل تحرير الأرض؟! فما معنى أن تتغير الظروف في كل دورة زمن ليتعزّز بقاء الكيان الصهيوني وهيمنته حتى بعد أن يتعرى ضعفه الداخلي ويُهزم في المواجهة ويتبين للناس أنه كيان هش يمكن تخليص الجسد العربي من أدوائه الوبيلة.؟ ولماذا لا تتغير الظروف ولو في دورة زمن واحدة لصالح تلك الجماهير العربية التي كتبت وتكتب أسطر وجودها وحقوقها بالدم على تراب أرضها لا سيما في فلسطين؟! لماذا يحارب حكامٌ عربٌ مواطنيهم ويحارب مواطنون حكامهم وأنظمتهم وهم مستهدفون جميعاً، لأن ذلك يدخل في جدولة زمنية لتنفيذ برنامج الهيمنة الغربية والصهيونية على الوطن العربي وتعزيز تلك الهيمنة. يقول قائلون عن بعض من يفعل ذلك إنهم يفعلونه ويضحون حتى تُرفع الهيمنة ويتم دحر الاحتلال ويسقط مشروعه وتسقط الأنظمة المرتبطة بمخططاته؟ هذا تنظير جيد ولكن ألا توجد وسائل أخرى غير القتل والتدمير والتعذيب والقضاء على الأمن والأمل؟ أكاد أقول إن الكل شريك في إضعاف الوطن والأمة والدين والهوية، الحاكم الذي يفعل ذلك والخارج على إرادته بهدف منعه من الالتحاق بالمشروع الغربي والانهيار أمامه، لأن كلاً منهما يترك الطريق السليمة ويسير في طريق إضعاف الوطن والأمة وتدمير جسور الثقة والتواصل بين قواها الحية، وكلٌ يدعي بأنه على حق وأنه يملك الشرعية ومشروعية الفعل وله قائمة من الذرائع، ولكن النتيجة وبال على الناس والوطن والأمة. وما يكون وبالاً على الناس والوطن والأمة تسقط عنه المشروعية ولا شرعية له. وكل نتائج ذلك الفعل تصب في مصلحة أعداء الأمة والوطن والدين في نهاية المطاف، فمن نخدم؟ إنني أسجل على جبين المدن العربية التي تعيش الفتنة أو تقف على مشارفها وتدمى بنار الأعداء أو بنارٍ من صنع قواها الذاتية، أسجل ما أشعر أنه صرخة احتجاج الشهداء والرموز والسجناء والمعتقلين والأبطال والمناضلين العرب الأسوياء وذويهم، وما أراه أسئلتهم الملتهبة في هذه الأيام: "ما معنى أن نهدر دمنا وحياتنا كما هدر الآخرون من قبلنا دمهم وحياتهم.. إذا كان الرعب والضعف وانعدام الرؤية والمسؤولية سوف يستشري ونغرس التراجع والتنازل والهيمنة في نفوسنا وشوارعنا وقراراتنا وتكوين أجيالنا وطموحاتها ونجعلها تتراجع عن تحقيق الأهداف التي قضى من أجلها أوائل الشهداء ورموز الوطن ومن قدموا التضحيات ويقدمونها ويصمدون داخل السجون والمعتقلات، ومن يقاتلون بالإرادة واللحم الحي؟!". إنني أسمع الأرض تصرخ اليوم باسمهم وبحقها في أن تحيا فيهم ويحيوا فيها بحرية وكرامة.. إنها تضرب لنا المثل تلو المثل من نضالنا ذاته ومن حياتنا ذاتها.. وترينا كيف تشير أزقة القدس إلى القصبة في الجزائر العاصمة، وكيف تنثر مدنٌ وأحياءٌ دمها وتنشره على حبال التاريخ، ليقرأ من نسي دروس هولاكوا القديم دروسَ هولاكو الأميركي الجديد ومن معه على ظهور الدبابات. وكيف تفتح سجون العدو الصهيوني في فلسطين صفحات سجون النازية وسجون فرنسا الاستعمارية في الجزائر وسورية قبل الاستقلال، وسجون "الديمقراطية" الأميركية في العراق وفي أقطار عربية وبلدان أوربية وإفريقية وآسيوية وأخرى في أميركيا اللاتينية..إلخ وفي كل منها ما يلحق الخزي والعار بالديمقراطية والحرية وبالبشرية ذاتها. إن كل حادثة اليوم تنادي حادثة في التاريخ العربي قديمه وحديثه وفي التاريخ البشري قديمه وحديثه وتذكر بها وتستقي منها دروساً وعبراً وتهيب بالناس أن يتعظوا ويحموا حياتهم وقيمهم ممن يشوهون القيم والحياة والناس. التاريخ يفتح صفحة معاناة الناس في الأرض منذ قابيل، والأرض تفتح صفحة الدم الذي تضيق به، وخيار الناس يفتحون صفحات عقولهم وضمائرهم وجهادهم ونضالهم من أجل الحق والعدل والخير البشرية.. فهل نُحسِن القراءة؟ إننا نتحدث عن ذلك اليوم لأنه لم يبق لنا إلا الحديث، فكلماتنا "نقيق" و"صهيل" وتوجع وتفجّع في كثير من الحالات، ومحاولات تفريج عن النفس كربها، وتخفيف أصر الفجيعة التي تعتصرها وتعيشها في كل حين. أما إدماننا على تعاطي "الألم القومي" فلأننا سقاناه الانتماء الصراح وسقتناه عروبتنا مع لبن الرضاع، ولا فطام لنا عنه، وشاعرنا العربي يقول:
دمشق في 13/4/2007 علي عقلة عرسان
|
|
| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث | |