|
| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث | |
|
على بوابة حزيران الحزين القنيطرة عزيزة علي، نبضها يساوق نبض قلبي ويفوقه اضطراباً. في مثل هذه الأيام قبل أربعين عاماً كانت في حضن الوطن تستعدّ للمواجهة وتنشر قوة وعزماً وخصباً في حقولها والهضاب، مهيأة لاحتمالات كثيرة إلا احتمال أن تتهاوى بسرعة ويدخلها العدو الصهيوني على نحو ما دخلها. وفي نهاية العشر الأوائل من حزيران 1967 سمعت ما لم يرح سمعي ولا قلبي منذ ذلك التاريخ حتى اليوم: " القنيطرة سقطت"! وانتشر الناس في شرايين الجولان وأوردته يتراجعون من الذرى إلى الوهاد. ومنذ ذلك التاريخ يعيش الجولان ما تعيشه الأمة من عجائب المعاناة وما يزال وتزال في خضمها يلفهما الضعف وبؤس الرجاء، ويتلطيان على أبواب الأمم لتعيد إلى أمة العرب ما استلب منها وقد غدت هي ذاتها في السلَب على نحو مفجع. حين أستذكر تلك الأيام، وأيام حزيران الأقدم منها أحنُّ إلى زيارة القنيطرة، وتأخذني لهفة لرؤية الجولان، وفي كل مرة أصاب بمرارة وخيبة أمل، وأسأل نفسي أسئلة لا يعجبني التماس الأجوبة عليها: لماذا يتعلم الأولاد المستوردون الذين تزرعهم "إسرائيل في هضبة الجولان أشياء عن جغرافية وطننا ويزوّرون له تاريخاً بحفظهم لما يُزيف حوله من تاريخ ويجلبون ليتشدقوا "بانتمائهم" للجولان أمام وسائل الإعلام ونغيب نحن وأطفالنا وتاريخنا من الوجود الفعلي وحتى من ذاكرة الناس في هذه البقعة من بقاع الوطن؟!... لماذا.. ولماذا.. ولماذا؟! عشرات من الأسئلة تتقافز في الذاكرة وفي الوجدان وليس من إجابة مقنعة على أي منها. وشدني الحنين واشتدَّ عليَّ، ووجدتني في الطريق إلى القنيطرة دون تصريح، ووجدتني أهيم في مروج الكلمات أشفى بها حيث لا شفاء للروح من قروح وجروح في واقع الحياة، وعبر ملاحم المعاناة، وجدتني على جناح الكلمة والذكرى مع ولدي في الطريق إلى القنيطرة أتشهى أيام تشرين وأيام حرب الاستنزاف، وأستعيد شميم عبير الأيام القديمة، ذاك المنسرب عبر كوى التاريخ، من خطوات الإنسان الأولى على درب الحضارة في سهل نطوف قرب أريحا قبل اثني عشر ألفاً من السنين، إلى كفاح العرب الكنعانيين فوق هذه الأرض الحبيبة من أجل الوجود والتقدم والرقي. إلى فجر التألق العربي- الإسلامي مع خالد وعمر بن العاص واستلام ابن الخطاب لمفاتيح القدس. مروراً بيوم حطين ومجد صلاح الدين وعشرات الأيام التي جعلت من هذه الأرض المباركة كتلة ثقيلة من جسد الذكرى، ومن ذاكرة الأمة العربية في نضالها من أجل البقاء والاستقلال والحرية والتحرير. إن طريقي إلى القنيطرة مضرج بالدم والعبرات، مختلج بالزهو والقهر، لاحبٍ عبر الزمن في اتجاهي الماضي والمستقبل. كان شوك الحاضر يفرش دربي، وأثقال ردم الهم والأسئلة تسحق قلبي على ألواح الصبار، لكني كنت أشتد في السير والذكرى، وتشتدُّ بي حمّى الاعتراض على أمة جراء سلوكها حيال قضاياها، والامتعاض منها لاستكانتها لواقع تتردى فيه ولا تلتمس لنفسها مخارج منه، على الرغم من وضوح الدرب، ورحابة الرجاء، ووفرة الإمكانات والطاقات. اشتدّ في السير، وتشتدُّ بي الحمّى، واستشرف القنيطرة فيشرف عليَّ جبل الشيخ دماً وتاريخاً ووقاراً، أهتزُّ، أرتعش كعصفور في ثلج الذكرى، هنا تسرب المقاتلون في خلايا التراب، وهناك رفعوا العلم، وفي تلك القمة فاضت نفوس آمنت بالحق وبالشعب وبالوطن.. هناك ارتفعت أغنيات الثأر، وتعالت هتافات النصر، وهناك أيضاً سقط أخوة لنا لم نأخذ بثأرهم بعد... أبعدني "الشيخ" عن القنيطرة... وهلَّ عليَّ بطلعة عملاقة قادتني للصلاة في محرابه، وخلت أن أياماً وأياماً مرت عليَّ وأنا في ذلك المحراب أستذكر وأعتبر وأنشد وأتأمل، وتفيض نفسي كلمات.. وكلمات.. وكلمات: أذوب كلاماً في نهار الدروب وظلمة الرؤية وفوضى الإرادات.. أُنشد.. يغتسل الفجر بثلج الجبل الشيخ يصلي... يقرأ: "إنا أنزلناه"... ويشرح صدره للأضواء الأسمى من كل الأضواء. ويصبح: "إنا أعطيناك". يسيل الكوثر فجراً خصباً فوق السهل الأسود، فوق كنوز العسجد. يشرب أجساداً تشربه. يحييها... تمتد شعاعاً.. فجراً. يصبح دفق النور ودفق الماء شراعاً.. تبحر فيه الروح وراء الروح تباعاً.. يسيل الكوثر في الأجساد ويثمر. ويثمر دمعاً مُرّاً، وجعاً مُراً، ثأراً بكراً... تنقع فيه الهامة تلو الهامة ثأراً ظل شريداً دهراً. أصحر في الأصلاب وفي الأرحام، وهام طويلاً تحضنه الوديان ويبكيه الناس وينمو في أضلاع الناس، يصير نسوراً... تجعل يوم "العهد" ويوم الوعد حضوراً في الأعماق وفي الآفاق. ـ 2 ـ حين دقت ساعة الأيام المرة والموعد وقفت على بوابة حزيران الحزين ومنها توجهت بقلبي إلى مدينتي، كان طريقي إليها سفراً في الذكرى والعبر، عبر طبيعة توحّدت مع الأحياء في نَفْس، وتجلّت في الأعماق بصيرة وتعبيراً، كل مفازة أقطعها درس: صخر خنادق يعيش حداداً ويبكي أعزة في رمس، وشجرٌ يرمي غدائره إلى الأرض من ألم، وعيونٌ نضب دمعها فغدت حفائر في الظلام ومساكن للهوام، وسهلٌ اتشح بالشوك وصام، ويباسٌ جفاه النعاس فانتصب سهراً وأنيناً وهمساً، وهضابٌ تلفَّعت بالأسى من بعدٍ وفقد. والجبل الأب جيل الشيخ شاب هماً وكمد غماً، تراه يرعى تلالاً أسرى بعين بصيرة ويد قصيرة، ينفث الهم غيماً ويدفع بالتشامخ ضيماً، ويبقى كالشخص الأمثل بارد الرأس دافئ القلب، يعطي ولا يسأل والحياة عطاءً وينتظر ولا يلبى له رجاء.. وبعض الانتظار محنة وابتلاء. الدرب إليها كل يوم، منذ انبثاق الضوء في حضن الشروق إلى انفجار الدم في عنق الغروب، ومن رأد الضحى إلى فحم الليل، الدرب إليها هامات تصيح ولا تريح أو تستريح: "نحن في هذا الفضاء بلا قبور ولا راحة نفس"، والتلال مقبرة وكلها مستنفرة، تقول: " وا قنيطرة .. مدينتي "المحررة"، نضارة في مجمرة، "أبو الندى" مكبّل وحوله ألفٌ عسس، تطل من مقلته قنابل بلا نَفَس، آذانه صاغية، يشلّه قيد الخرس، يقول " للعرَّام " إيماءً تعال نعانق الثكلى وأشلاء البيوت، لكنها الألغام حقلاً بعد حقل تقطّع العناق واللهاث والأفكار والأحلام والرؤى، وتترك المدينة الممزقة ، شهيدة المدن، مؤرقة. كان طريقي إليها سفراً في المشاعر والذكريات، ومن "سَعْسَع" إلى مخفر الأمم كانت تتداولني أيام حزيران وأيام تشرين، خطاب عبد الناصر الحزين، وقرار حرب التسعين يوماً استنزافاً للعدو على سفوح جبل الشيخ، فأَنفطر على جناح الذكرى هلعاً، وأنتشي تيهاً على جناح وقفة عز تراودني في مجتلى أرضي المستباحة بألف خنزير وخنزير يستوطنها، ويرفع سلاحه في فضائها. وأنا في كل هذا مظلل بجنح غراب، أنظر إلى السهول الأخصب في عمر أرضنا فألتوي كشوكة صحراوية من ألم ويأس، أقول متى يعود الحي وتدب الحياة في أرض "النُّقْرة"؟ متى يزرع الناس هذا السهل أعراساً وبيادر غلال ومواسم ربيع ؟ متى يغني التاريخ نشيد نصر "الياقوصة" وينحدر مع "اليرموك" نصر عربي كاسح يغسل القدس بدم طهور وقداسة شهادة ؟!. وأجيل النظر في التلال السبعة التي ينثرها جبل الشيخ كحبات مسبحة يرخيها أمامه، وهي تحيط بالقنيطرة كالسوار، وأرهن نَوّاحات يعدّدن مآثر فقيد فذٍّ ويذكرن محاسنه في مأتم يدوم مادام الأسر والقهر والعجز. وإخال سراباً من طير تنطلق من كل تل صوب الشام تحمل رسائل وتسّاقط دموعاً، وترمق الأهل بعتب في المدن والقرى، في الدور والقصور، في الخيم والمخيمات تقول :" تعالوا يا عز الأرض تعالوا .. ما أحلى طعم العسل يُجمع من زهر العُلّيق وزهر الدفلى، من نفلٍ مختلف الألوان ليس كمثل العسل المر النابع من قلب الرمل وقلب الغربة.. يا أهل الأرض الأخصب، إن الأرض " بلاكم " قفرٌ بلقع، لمع سراب يخدع .. يا أهل الأرض الأخصب، إن الأرض تنادي الأهل تعالوا ".. لكن.. من يسمع؟ عند مشارف المدينة الشهيدة ارتفع صرح حي، ولوّحت أيدي، وتراكضت بين أيدينا بيوت، وتراقص شجر وتهافتت صور.. أقترب منها في شبه حلم وأخشى أن يقطع الحلمَ سيفُ اليقظة سيف الواقع. أوغل في الحلم نشوان وأوقظ نفسي شيئاً فشيئاً وأنشرها في فضاء المدينة.. وأجد مع اليقظة استمراراً عنيداً للحلم. في واحة دامعة ابتسم تصميم الإنسان، شدت على أيدينا أيدي العزم :" القنيطرة الجديدة تحيا والأخرى نصب للذكريات ". الأرض الآن غراس أمل تخضر وتنمو، والناس يعودون إلى أرض تحرسها أرواح الشهداء. أشكال من روعة إعمار للأرض يقدمها الإنسان، ليس الإسمنت مهماً الإنسان الباني أكبر أبقى، والإنسان اليوم يعود إلى أرض تخضر بها أحلام الأطفال بيوم التحرير الشامل. صار الجبل الشيخ وَسَامة، والمجدل، شمس تحرق أورام الشر وأوهام الأعداء أمامه، صار " العرّام " قُليباً ينبض، يخاصر قليب الشرق بحوران، يعيد اللحمة ضلعاً ضلعاً للأرض وأهل الأرض. في قلبي رقصٌ عربدة، شيء من نشوة قلب ممرور يهوَى الصبح وطعمَ العسل البكر بأرض اليرموك، صرت حَلوماًً مثل الطفل.. رأيت.. تراءى لي: أن الناس جحافل تمضي نحو الأرض ، تعيد الأرض وتبني الأرض الأخصب: قصراً للتاريخ.. تَلُمّ التألق المنثور كواكب، رأيت الناس أكفاً.. عزماً .. سيل بنادق، سيل معاول، والأحداق عزائم أمضى من أسياف الفتح الأول في الياقوصة، العَود صُمود أحمد والزرع صُمود أحمد، والسكين سلاح أمضى من حجر يحمي ساح الأقصى، هيا مدوا يا ناس الجولان ذراعاً.. كفاَ.. عزماً.. مدوا للأرض الثكلى رمشاً. نظرة شوق .. إن الأرض بكم أرضُ حبلى بالخيرات وبالتحرير.. بكل الحب.. بروح الشمس الأغنى. أنتم شيحُ الأرض، وللشيح شرايين في الأرض. تعالوا : شقوا قلب الشيح أحبة، صبوني في الشيح محبة، ما معنى الحرف المنثور على الريح أهلّة، إن لم ينشر راية وعي، راية عز في الأرض؟ أبغي حرفاً مغروساً في الأرض كجذع الشيح تعالوا: شقوا قلب الشيح محبة، صبوني في الشيح محبة، فرعاً من شجرة الشعب لأعطي أعرق أرض ماء أنشد للشهداء غناء أصنع من دمعي لؤلؤة.. عقد لآلئ، فوق جبين مدينة عزٍ كانت.. كانت عزاً .. تبقى رغم الحقد ورغم العجز ورغم البؤس عزيزة.
علي عقلة عرسان
|
|
| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث | |