| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

أسكن الله الشهداء وأهدافهم فسيح جناته

مئة وثمانون قتيلاً فلسطينياً، معظمهم من المقاومين الذين أُعدوا للتصدي للاحتلال والدفاع عن الوطن والشعب المظلوم، سقطوا في شهر واحد في قطاع غزة، أرداهم الرصاص الفلسطيني وليس رصاص الاحتلال الصهيوني هذا عدا مئات الجرحى ومن استشهدوا في مواجهات مع قوة الاحتلال التي تقتل دائماً وتلاحق المقاومة دائماً. حماس سيطرت على قطاع غزة وفتح تستعد للسيطرة على الضفة الغربية، والشعب في غزة عاش أياماً قاسيات داميات ولحظات حالكات مفجعات بين نيران الاحتلال ونيران المتقاتلين.

العقل غاب والمسؤولية الوطنية توارت خلف حجاب الحقد والنزاع الدامي والشعارات، مات الإنسان وبقيت الرايات والشعارات والهتافات ترفرف في الشوارع وفوق أسطح المنازل وفوق القبور. سوف تُستأنف الحياة هناك في ظل المعاناة والقلق والحصار والتهديد والوعيد والجوع والدموع بعد أن يخرج الناس من دوامة الدم والعنف إلى دوامة العدوان وإرهاب الدولة الصهيونية والرعب الذي يطفح مثل أمواج إعصار جونو الذي أضر بعمان العزيزة وأهلها الكرام.

العدو وحلفاؤه مرتاحون جداً لما حدث في غزة، وهم يستعدون لما هو قادم من ظلم وقتل وظلام بعد الأحداث السياسية والقرارات الرئاسية العباسية التي أعقبت سيطرة حماس على غزة ووقوف رئيس الحكومة هنية بوجه قرارات الرئيس عباس. الحرب الأهلية الفلسطينية التي دفعها الجميع عن أنفسهم لسنوات وقعت جزئياً وأسست لصراع دامٍ قادم، وكانت مطلباً معلناً للعدو الصهيوني وحليفه الأميركي منذ توقيع اتفاق أوسلو المشؤوم، وقد رسخت " خريطة الطريق" ذلك المطلب في بندها الأول الذي نصّ على تصفية المقاومة وتفكيكها والقضاء على الممانعة، ومازال ذلك مطلباً أولاً وهدفاً رئيساً من أهداف العدو الصهيوني ومن يوالونه ويأتمرون بأمره من فلسطينيين وعرب رسميين وغير رسميين.

في أرض فلسطين التي ترفع أعلام السلطة يمكن الحديث الآن عن حكومتين في "دولة" غير موجودة أصلاً يقع سكانها جميعاً تحت الاحتلال وتعيش حالة مؤلمة من الحصار المر منذ سنوات.؟ وبصرف النظر عما إذا كان الاقتتال في غزة من أجل السلطة والنفوذ أم من أجل تصفية المقاومة والتمهيد لتنفيذ الخرائط والحلول التصفوية والمطالب الأميركية ـ الصهيونية، فإنه قتال يستبيح وجدان الفلسطيني ويؤذي الأمة العربية في الصميم ويمزق المقاومة ويشل الإرادة ويفرغ الساحة من أهداف وطنية يصطف وراءها الجميع، ويزرع الأحقاد في القلوب ويغذيها بالدم.. والدم طالب دم دائماً.

إنه قتال الأخوة في ساحة القلب الداخلية، قتال يقطّع الشرايين والأوردة ويترك جسم الشعب عليلاً لمدى غير منظور.

قبل اتفاق مكة المكرمة وبعده قلنا وقال كثيرون إن الاتفاق هدنة، لأن الذين أعلنوا الحصار على السلطة منذ أن تولتها حماس ودخلوا وإياها في صراع دام لم يتقبلوا النتائج التي أسفرت عنها ممارسة ديمقراطية لم تكن "مضمونة النتائج" لديهم ولدى وكلاء الديمقراطية الانتقائية في عالمنا، أعني الأميركيين بزعامة الرئيس بوش. ومن قبل ذلك الاتفاق كان الجنرال الأميركي كيت ديتون ومن معه يرتبون لشيء ومن يتصدون لهم ولمشروعهم يرتبون لشيء مضاد وظواهر الأمور تشير إلى ما في الصدور. والتراب الذي حَثَتْه الأطرافُ في العيون لم يستطع أن يمنع من الرؤية ولو بعد حين.

كثيرون ممن شاركوا ويشاركون في حصار الشعب الفلسطيني وسلطة حماس لا يريدون إسلاميين في الحكم أو في المعارضة، ولا يريدون مقاومة على الأرض، ولا مناقشة جوهرية مسؤولة لـ " سيناريوهات" الحلول التي يفصّلها العدو المحتل على هواه. وكثير من هؤلاء على استعداد للتعاون مع الشيطان في سبيل القضاء على من يحمل السلاح ضد العدو الصهيوني أو الأميركي في فلسطين أو العراق، لأنه ارتبط مصيرياً بالاحتلال ويقرأ مصيره ومصالحه من خلال استمرار العدوان والاحتلال من جهة والصراع والعنف والتمزق والضعف من جهة أخرى.

في أرض ترفع العلم الفلسطيني اليوم سلطتان متنافرتان داميتان تتصارعان، لكل منهما برنامجها ورؤيتها ونصيبها من الألم والإثم والجراح، ولكل منهما محيط من المؤيدين والمعارضين، لكن سلطة فتح برموزها تحظى بتأييد رسمي دولي وعربي أكبر وأكثر بما لا يقاس مما تحظى به سلطة حماس، بوش أعلن موقفه المؤيد لعباس وتبعته دول وتكتلات أوربية، وألسنته الصهيونية شبّهت وصول حماس بديمقراطية إلى السلطة بوصول هتلر بديمقراطية إلى السلطة.. ـ لا حظوا مقارنة حماس تحت الاحتلال بهتلر المسؤول عن حرب عالمية ـ أما ديمقراطية العراق المدمّى التي تحرق الأخضر واليابس، الإنسان والعمران، المقدس والمدنس، الحضارة والنضارة،  فلا يتكلم عنها أحد، وتبقى " ديمقراطية" منشودة بنظر وكلاء الديمقراطية العميان في عالم يسوده الفساد والإفساد .. فساد الرؤية وإفساد العقل والوجدان.

أما الجامعة العربية المستجار بها من الفلسطينيين واللبنانيين والعراقيين والصوماليين والسودانيين.. ففي فمها ماء، وهي كبالع السكين والمزنَّر بأمعائه كلما تحرك أكثر اقترب اجله وتألم أكثر.. ويجري صراع دولها ومن يقفون مع تلك الدول  أو ضدها في الحلبة الصغيرة للجامعة في ميدان التحرير بالقاهرة، تلك الحلبة التي لم ترتفع فيها إرادة موحدة صادقة مؤثرة في الأحداث مثابرة بجدية وجدوى حتى بلوغ الهدف المنشود منذ تأسيسها عام 1945.

فما الذي ينتظرنا وما الذي يرتسم على أرضنا بالدم أو بسواه في فلسطين على الخصوص؟

لا يوجد مستقبل سياسي واضح لسلطة حماس المحاصرة بمن يسمونها إرهاباً وبمن يتهافتون لكي يكون لهم موقف ودور وسهم في مقاومة "الإرهاب الإسلامي" الذي يصنفها الأميركيون والصهاينة ومن يوالهم ضمن دائرته مع أنها حركة تدافع عن النفس والحق وتقاوم الاحتلال الصهيوني ولا تتصدى لسواه، وبين أولئك من العرب ما يفجع أصحاب المواقف والرؤى الوطنية إذا ما تبين لهم العد.

وهناك جمهرة رأي سياسي ودبلوماسي وإعلامي تقف وراء سلطة رئيس السلطة ومن ورائه فتح، وهناك مال المساعدات المرئية وغير المرئية، وقوى الرباعيتين، ومن يريد الخلاص من المقاومة والممانعة.. وهناك ما لا تنفع الإشارة إليه ومن لا يجوز ذكرهم الآن وسوف يعلن عنهم انكشاف الغيوم القاتمة في سماء السياسة العربية والدولية الغائمة. وفي تقديري أن تلك السلطة المعتَمدة سوف تُعطى دعماً وتأييداً ومدداً يمكنها من التفرد بتمثيل الشعب الفلسطيني والنطق باسمه والتوصل إلى حلول تجعلها " فائزة" بما يحرك قرار قمتي بيروت والرياض حول حلول لقضية فلسطين تفتح الطريق أمام ما بعد ذلك من صراع يعد له بين حلف المعتدلين ومحور المتطرفين في المنطقة والوطن العربي والعالم الإسلامي.. وما تفجير مرقد الإمامين العسكري والهادي في سامراء في الرابع عشر من شهر حزيران الجاري سوى حطب يضاف إلى النار المشتعلة هناك.

أعداء التيارات الإسلامية ومناصرو الصهيونية في المنطقة والعالم لن يقبلوا حماس في غزة لا بوصفها سلطة نافذة القرار ولا بوصفها مقاوَمة ضد الاحتلال تتدثر بأي دثار، وسوف يستمرون في معاداتها وحصارها وتحميلها المسؤولية عن كل ما جرى، بصرف النظر عن الوقائع والحقائق التي تقدم أو ستقدم، وسيؤلبون الجماهير العربية والرأي العام العالمي ضدها على الرغم من تعاطف كثيرين من العرب والمسلمين معها، ومن ثم يدخلونها في الحائط. وسوف تقوم هي ومن يناصرها برد الصاع صاعين لفتح ومناصريها.. في إطار توازن ختل لمصلحة طرف على حساب الطرف الآخر، سوف تقاوم حماس وتستمر في أداء مميز على دروب الجهاد بأنواعه، ولكنها الجغرافيا العامة تشير على أنها في حضن الصحراء محاصرة من البحر والبر بالعدو الصهيوني والماء المالح والرمل، ولا يوجد على جانبي رفح وعند البوابة التاريخية جيش صلاح الدين.

إذا لم يُحسم الصراع بين الأطراف الفلسطينية ويقوم اتفاق على أسس متينة من الثقة المتبادلة فإن المستقبل لا يبشر بخير لا لفصيل من فصائل المقاومة ولا للشعب الفلسطيني وقضيته وسلطته. إن المناشدات والكلمات والتصريحات.. إلخ كل ذلك لم يمنع من إراقة الدم الفلسطيني المحرم وتجاوز ما سمي خطاً أحمر. ولا أظن أنها سوف تغسل القلوب بماء الثلج والبرد لتدخل خيمة الوطن على أساس من الإيمان العميق بالله والوطن وخدمة الأهداف العليا للشعب الفلسطيني. الحقد نصب خيامه بين الفريقين وفي قلوب كثيرين من الناس، والدم يستدعي الدم، ومسيرة الدم الداخلية مأسوية على القضايا والشعوب.. وتلك مأساتنا نحن العرب جميعاً، وهي تتسع من لبنان إلى الصومال ومن العراق إلى غزة.

ما أخشاه أن يكون هناك مخطط أو أن ينهض من الذاكرة مخطط، يهدف إلى إراحة العدو الصهيوني بصورة مطلقة وشاملة من وجود سلطة فلسطينية من أي نوع وفي أي اتجاه، ومقاومة فلسطينية من أي نوع وفي أي اتجاه، تبشر بأي نوع من التحرير والعودة.. سلطة ولا أقول دولة ومقاومة ولا أقول تمرداً. وفي هذا الإطار قد يخرج علينا فلاسفة السياسة، الأشرار منهم والأخيار، بمشروع يفرضه الأمر الواقع، مشروع يلحق غزة بمصر والضفة الغربية بالأردن ويعود بنا إلى ما قبل الرابع من حزيران 1967. وهو مشروع قديم طُرح مرات بصور مختلفة، ويكمن لأي دولة فلسطينية حرة مستقلة مسؤولة بالمرصاد.

فهل نحن على أبواب تبشير بذلك في خطاب جديد للرئيس جورج بوش، سيد المتآمرين والمتقلبين، بمناسبة مرور خمس سنوات على " رؤية الدولتين" التي لم تنفذ، يتضمن موقفاً أميركياً جديداً يقول:  إن قيام دولة فلسطينية ديمقراطية واحدة موحدة مطمئنة غير ممكن في ظل ما رأيناه من ديمقراطية غير ملائمة لنا وصراع تعرفونه، وبدلاً رمن ذلك هناك رؤية جديدة الهثوا راكضين وراءها لسنوات عدة قادمة لكي ترتاح " إسرائيل" وتتمكن أكثر، رؤية لسلطتي حكم ذاتي ذي تميز وخصوصية تنضوي فيه سلطتان فلسطينيتان متناحرتان تحت لواء دولتين متفاهمتين يجمعهما حلف معتدل هما مصر والأردن.. سلطة غزة تحت لواء مصر وسلطة الضفة تحت لواء الأردن، ورئيس فلسطيني رمزي يجمع لحاف السلطتين فوق جسمه وينام مطمئناً تحت خيمة في العراء.

    عندها سوف تجتمع قمة عربية جامعة في الجامعة وتبارك قرار القرصان الأول وتقضي على حلم الفلسطينيين بالدولة، وتطمئن " دولة الإرهاب والقرصنة الأولى في العالم" بأن المقاومة الفلسطينية أزيلت مخاطرها وسوف يتولى العرب القضاء على فلولها، وأن طريق تنفيذ قرار قمتي بيروت والرياض أصبحت سالكة تماماً، وهي بين الجامعة بدولها جميعاً وبين " إسرائيل"، ونحن أمام اعتراف وتطبيع ودولة صهيونية في المنطقة تشارك في الصغيرة والكبيرة من شؤونها ومصيرها، تحيط بها دول عربية سقيمة وإرادة عربية منخورة وصراعات على ما تبقى للشعب العربي من الفتات.

وقانا الله شر ذلك اليوم، وأسكن شهداء فلسطين والأمة وأهدافهم التي قضوا من أجلها فسيح جناته.

دمشق في 15/6/2007

علي عقلة عرسان

 

 

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |