| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

المشهد العربي المثير

المشهد الفلسطيني مثير ومؤلم وذو دلالات بعيدة وينذر بمخاطر كبيرة ومؤكدة، وما يشكل تفاصيله وهوامشه وأطره الأوسع لا يتوقف عند حدود صراع بين طرفين رئيسين فيه " فتح وحماس أو فئة من فتح وفئة من حماس" بل يمضي إلى صلب قضية الشعب الفلسطيني ليمزقها من بعد تمزيقه، قضية فلسطين التي من مهازل الدهر أن أسند تمثيل من يدعي أنه يعمل على حلها إلى من أسس لمشكلتها وأشعل نارها في البدء، لعدو الأمتين العربية والإسلامية والشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، إلى المجرم المنبوذ من شعبه توني بلير شريك المجرم المنبوذ من شعبه جورج بوش اللذين تقطر دماء الأبرياء في العراق من أطراف أصابعهما.

المشهد الفلسطيني وضع طرفين داخليين في تقابل دموي أظهر إلى العلن موضوع قسمة الساحة إلى فريق مع تحالف المعتدلين وفريق يوضع في محور المتطرفين وفق معايير "بوش ـ رايس ـ بلير ـ أولمرت" وتصنيفاتهم وتحالفاتهم وأقوال أتباعهم، وبذلك تصاعد التمترس في خندقين كبيرين يشملان المنطقة ويؤسسان للفتنة وللصراع بالوكالة بين قواها الحية المستقلة الرافضة للاحتلال والهيمنة والمشروع الصهيوني والوجود الصهيوني ذاته من جهة، وبين وقوى الاحتلال والاستعمار والهيمنة والقمع والسلب المنظم ومن يرتبط بهما مصيرياً من جهة أخرى.. وهي الفتنة التي لجمها اتفاق الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيس أحمدي نجد منذ أشهر على وأدها أو محاصرتها.

ويتمركز الصراع في المرحلة الحالية من خطة الأميركيين والصهاينة لضرب التحالف بالمحور حول مصير المقاومة وأشكال الممانعة العربيتين بكل صيغهما ومظاهرهما وعناصرهما، ويستمر أعداء الأمة بوصم المقاومة بصفة الإرهاب والعمل على اجتثاثها بوصف ذلك مقدمة "للاستقرار والسلام وحل الدولتين"، ويعملون على تطوير أدائهم الذي بدأ قبل سنوات ضد حزب الله في لبنان ويستمر ضد المقاومة العربية كلها، حيث أراد الأعداء وما زالوا يريدون أن يدخلوا كل مقاومة ضد المحتل في باب " الميليشيا" الواجب حلها ونزع سلاحها والقضاء عليها ليستقر الأمر للمحتل و" للسلطات الشرعية " التي ينصبها المحتل ويرضى عنها ويدعمها بالمال والسلاح ويغريها بالفساد الإفساد وتشويه تاريخ المقاومة والأمة، ويسوّقها في الإعلام والمحافل السياسية وأمام الرأي العام بوصفها ممثلاً للشعب ويصنف من هم في خلاف معها بوصفهم أعداء وإرهابيين ومخربين وخارجين على الشرعية والقانون ومارقين بأشكال مختلفة، ليبقى العملاءُ ومن يرتبط وجودُهم بالاستعمار والاحتلال والفساد والإفساد من " رجال الولايات المتحدة والكيان الصهيوني" هم أصحاب القرار والسلطة والنفوذ والأمر والنهي في المنطقة.

وهكذا انقسم الصف الفلسطيني كما انقسم اللبناني والعراقي إلى قسمين:  "سلطة" شرعية وخارجين على "السلطة" والشرعية؟ جيش وشرطة وأمن بإمرة "السلطة" وإرهاب وميليشيا وسلاح خارج على القانون يعارض "السلطة" أو يتمرد عليها ويتصدى للاحتلال الذي تربطها به علاقات راسخة من تحت الطاولة ومن فوقها ولا تريد أن ينال من سطوته أحد باسم سلطتها الشاملة التي لا تقبل انتقاداً من أحد؟! وها هو تأكيد التزام رئيس وزارة الطوارئ الفلسطينية يطفو على السطح كما طفا على السطح من قبل التزام وتأكيد رئاسات في العراق ولبنان يقول بنزع سلاح الميليشيات «بغض النظر عمن هم وإلى أي حزب ينتمون"؟ يا الله هل أصبح كل مقاوم للمحتل "ميليشيا مدانة" بعد قرار مؤسسة الولايات المتحدة الدولية المسماة مجلس الأمن، حتى مقاتلو أبي عمار رحمه الله من صقور فتح أصبحوا اليوم ميليشيات ينبغي سحب سلاحها وأعشاباً ضارة ينبغي تنقية أرض فلسطين منها؟ ومن يريد أن يقوم بذلك يطالب "إسرائيل" بالمساعدة عبر وقف ملاحقة المطلوبين وخدمات أخرى كما يساعد الأميركيون من يطلبون منهم نزع سلاح المقاومة في لبنان والعراق وغيرهما من مناطق الوطن العربي"؟ أية صفقات وأية مقايضات على حساب الحق والتاريخ والأمة والدم البريء؟. ومن يقارن ما يجري في العراق ولبنان مع ما يجري في فلسطين الآن يستعيد المشهد بصورة مكبرة مقربة " زوم"، ويرى ما لا يعجبه وما يفرح قلب العدو المحتل.

 الخيوط تحبك بدقة، ولكل خطة من خطط الأعداء مراحل ولكل مرحلة بدائل ولكل بديل رجال وأموال وأسلحة وأدوات، ورجال المحتل وعملاؤه وأعوانه ومن يتحالفون معه خوفاً أو طمعاً، يظهرون على أنهم أقوى من أهل البيت على إدارته أو تحريره، صوتهم أعلى بكثير من صوت أهله النازفة دماؤهم؟ والمذهل المخيف أن هناك داخل البيت الذي يكتوي أهله بالنار من يعملون لمصلحة العدو وتحالفاته بسرية تامة ويسجلون أنفسهم في صفوف المقاومين ويحسبون أنفسهم عليهم ومن داء بين الجلد والعظم، ويقوم بعضهم بتقويم أداء الآخرين وينصبون أنفسهم حكماً ويطبقون معاييرهم على الشرفاء فيقصونهم باسم ألف افتراء وافتراء، ويدمرون الإرادة من الداخل بأشكال مختلفة؟ هل هؤلاء هم المنافقون؟ أقول لا .. إنهم الأشد في تاريخ الفتك الداخلي والنفاق من أي نفاق ومنافقين.

تحالف المعتدلين الذي تقوده رايس وجد على رأسه اليوم فلسطينيين متحمسين للثأر من فلسطينيين "من حماس" يعلنون قرارهم بالقضاء على كل المقاومة الفلسطينية ويصفونها "بالميليشيا"، وربما هي بنظرهم زائدة عن الحاجة وخارجة على القانون ويستوجب الاستقرار الداخلي المهيب تصفيتها بل واجتثاثها؟. وقد كان هذا هو المطلب الأساس للكيان الصهيوني الذي أصبح قرار " سلطة" في فلسطين ولبنان والعراق، قرار له قوة دولية وتحالف معتدلين من العرب يتبناه ويرعاه ويمده بقوة السلاح إن استدعى الأمر؟ وهو التحالف الذي شكلته الولايات المتحدة ضد من سمتهم محور المتطرفين وعلى رأسه المقاومة ومن يدعمها ويقف إلى جانب خياراتها ويؤمن بشرعيتها وعدالة قضيتها ويسعى إلى بقائها وتحقيق أهدافها. وإذا كان هناك استهجان أو استغراب أو تململ من ذلك أو شك به فعلى من يذهب هذا المذهب أن يفحص قرار قمة بيروت 2002 وقرار قمة الرياض 2007 الذي أحياه وأكده وتبناه، وما يطبق على الأرض وهو واجد أن الاعتراف والتطبيع وحماية أمن الكيان الصهيوني وغير ذلك من العبارات والإشارات ذات الدلالة البعيدة في نصوص القمتين يصب في التخلص نهائياً من المقاومة بأية صورة من الصور، وعلى رأس ما يتم التخلص منه المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني الذي سيكسب الأرض والأمن والهيمنة، وهو المطلب الأول في اتفاق أوسلو وفي خطة خريطة الطريق وفي الاتفاقيات والتفاهمات النابعة منهما، وهو أيضاً مضمون تصريحات الكبار في المحافل كلها.. ويتقدمه أو يتساوق معه حصار من يتبنى المقاومة أو يرعاها أو يدعمها أو يقول بشرعيتها ويجعلها اختياراً استراتيجياً والقضاء عليه بالوسائل اللينة أو بالقوة الحارقة، بالاحتواء أو بالمحو أو بالإخضاع لا فرق إذ المهم هو النتيجة.

وها هو التنسيق المدنس يستمر سراً وعلناً مع العدو الصهيوني منذ أوسلو حتى الآن، وقد أصبح له رجاله وشبكاته وقنواته وتمويله وخططه وتغطياته ومسوِّغاته، إنه يستمر في العمل من أجل القضاء على المقاومة ورجالها وكل من يتصدى للاحتلال في فلسطين والعراق ولبنان.. إن حرب العملاء على الشرفاء تستمر وتكبر وتتسع في الأرض العربية تحت عين الشعب العربي المغلوب على أمره في الكثير من المناطق والمواقع والأقطار، وتحاصر قنوات فضائية ووسائل إعلام عربية من يتصدون للعملاء ومن يقفون ضد مشروع العدو وممارساته، إلا من رحم ربك منها وأمسكت بجمر الغضى وهي ترفع الصوت ليسمع من به صمم.. ولكن التصفيات السرية والعلنية، الساخنة والباردة تستمر ويستمر التعتيم على الحق وصوته، كما تستمر التصفيات.

وها هو العدو الصهيوني في اجتياحين لقطاع غزة ومخيماته خلال أسبوع واحد يسقط أكثر من خمسة وعشرين شهيداً عدا عشرات الجرحى، والصمت يرين على الأحداث والضحايا والدماء، والملاحقات في الضفة الغربية لعناصر المقاومة لم تتوقف، ومعاناة المحتجزين على المعابر في القيظ اللاهب تستمر وتزداد. وفي حركة مدروسة موجهة ضد فئة من الشعب الفلسطيني لإحداث مزيد من الانشقاق والبلبلة في الصفوف، ولتعبيد الطريق إلى الفتنة من جديد، حُجِبت الرواتب المستحقة منذ أشهر عن موظفين ومتعاقدين في غزة بذريعة أن حكومة حماس وظّفتهم، وكأنها ليست حكومة الشعب الفلسطيني المنتخبة حين كانت تمارس صلاحياتها منذ سنة ونصف، ومنها توظيف عناصر أو التعاقد معها؟. نحن بحاجة إلى المنطق والحوار وقبول بعضنا بعضاً قبل أن نقبل الآخر الذي يريدون حصره بالعدو الصهيوني ويروجون لقبوله، وإلا فلن يكون هناك وجود لأي منا بصورة نافعة. إن تحويل الأموال واستمرار الضغط والحصار وفتح معبر " كرم أبو سالم" بديلاً لمعبر رفح، وغير ذلك من الإجراءات المضافة إلى التصريحات والتحشيد السياسي والإعلامي ضد المقاومة.. كل ذلك يهدف إلى إنهاء المقاومة الفلسطينية وتجريد الشعب الفلسطيني من حقوقه ومما بقي له من أرض وقوة ومقاومة وصمود.

لكن يبقى السؤال الذي ينتصب شوكة في عين العدو وعملائه والمتحالفين معه والساقطين على دروب النضال والمفرطين بالحقوق والكرامة وأهداف الشهداء، ويبقى المشهد العربي الذي يتكون ويتسع ويطرح أسئلته: هل تنتهي المقاومة ويقضى عليها في أرض العرب، وينتصر الاحتلال وعملاؤه، ويخضع الشعب العربي ويستسلم، وتسود حالة اللاسيادة في أرض الأمة؟

نحن على أبواب الثاني عشر من تموز، فذكر إن الذكرى تنفع المؤمنين، وها هي الذكرى تقرع الباب ، الذكرى الأولى لانتصار المقاومة اللبنانية البطلة على الكيان الصهيوني وعدوانه الوحشي الذي شنه على لبنان كله عام 2006، ذكرى الشهداء والأبطال والمدنيين الذين نحيي صمودهم وتضحياتهم جميعاً، تلك التي صنعت الانتصار الذي أسس لمعادلات جديدة وحسابات جديدة ولكل هذه التحالفات والاستراتيجيات التي لإلحاق هزيمة بالمقاومة وحماية للكيان الصهيوني المحتل، ولإخراج بوش من مستنقع العراق " بشرف ما" .. شرف من نوع ما؟!. إن هذه الذكرى التي تقرع الباب بقوة يجب أن تجدد فينا العزم على الاستمرار في المقاومة ودعمها والحرص عليها وتبنيها خياراً استراتيجياً ومقدمة لطرد المحتل وكنس عملائه وأدواته، وهي تذكرنا بقوة الشعب حين يختار المقاومة والصمود ويستعد للتضحية ودفع ثمن الحرية والكرامة.

ولن تُغلب خيارات الشعوب أبداً.. هكذا يعلمنا التاريخ وهكذا تُستعاد الحقوق وتُنال الحريات وتحمى الأوطان والمقدسات.. فليتعظ الغزاة والمحتلون والعملاء ومن يختارون عدو أمتهم حليفاً لهم يخوضون حربه ضد أوطانهم وقضاياها العادلة ومصالحهم وثقافتهم.

وإن غداً لناظره لقريب

دمشق في 7/7/2007

 علي عقلة عرسان

 

 

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |