| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

مقاربة لأسئلة

كل عام وأنتم بخير

أعاد الله عليكم العيد وأمتنا في حال افضل مما هي عليه من حال.

كنت أود أن أذهب مع الرغبة الداخلية في الحديث عن قيم رمضان ومعانيه وبعض الرؤى في ختام أيامه وصبح العيد، ولكن.. مؤذية هذه الـ ولكن، غنها تنشب في الحلق مثل حسك السمك وتفسد على من يصاب بها الكثير.. وقد نحتني عن رغبة على شيئ آخر. 

فقد هالني كم التجني والحقد والعداء لأمة العرب يندلق بلسان " عربي" من فضائية عربية، وآلمني الأسلوب الغوغائي الذي يتبعه معادون لإنسانيتهم وانتمائهم، أياً كان ذالك الانتماء، لأن الغوغائية عداء للعقل والمنطق والحقيقة ومن ثم للحقوق والأمم والحريات والحياة السليمة، وهي نهج المفلسين الذين يسوغون كل نهج ليأخذوا ما لا يستحقون والنيل ممن لا يقدرون على مواجهتهم بالمعرفة والمنطق والعدل. واستفزني مقدار الحقد الدفين الذي يصبه فريق من الذين يدعون أنهم يريدون حقوقاً قومية، منها حق تقرير المصير لأقليات على حساب الوطن والقانون والأمة والمستقبل وعلى حساب كل علاقة مؤثلة وتارخ مشترك، وراعني استمرار  الاستهداف الهمجي للعروبة والقومية العربية والإسلام ضمناً، من أشخاص يدفق منهم الجلهل في مسارب البغضاء فيسودون وجه الحياة والعلاقات ويفتتون المستقر من الصلات، وهالني أكثر أن تفتح لهم منابر مؤثرة لينالوا من الأمة العربية في عقر دارها، وهم مستنبتون في أحواض استعمارية وصهيونية مكشوفة وممولون من قوى معادية للعروبة والإسلام، ويُحتَضنون في بيوت العرب ليشوهوا أمة العرب وتاريخها وحقائقها وحضارتها ونضالها ضد المحتل.

ليس من الحرية حرية التشهير، وليس الكسب الإعلامي بوابة من بوابات الخلق حين يكون على حساب الحقيقة والقيم والناس، ونفي المؤامرة في هذه المجالات هو نوع من المؤامرة وحلقة من حلقاتها.

وقد قادني ذلك الذي سمعت ورأيت إلى أن أطرح أسئلة على نفسي وعلى أبناء الأمة، سواء من ينضوي منهم في تيار فكري أو سياسي أو تنظيم ذي أهداف وبرامج عمل أو من ينتمون إليها ويحملون هويتها وهمومها كما يحمل الشخص اسمه وتاريخه ولا يتعصب لذاته. هل العرب أمة أم أنهم كما بدأ التشكيك بهم مع ولادة المشروع الصهيوني ومن حمله لم يحققوا مقومات الأمة وفي بعض الأقوال شبه أمة، ووفق منطق السواطير المستوردة لا أمة ولا يحزنون؟

وهل القومية العربية وما انبثق عنها وبُني عليها واشتُقّ منها وأوحت به وعمَّق إيحاءاتها من فكر قومي ومشاعر شعبية وتوجهات نظرية وتنظير وتنظيم وعمل، كانت مجرد وهم نمّيناه وابتلعناه فتورّم في أعماقنا وأصبحنا بسبب من ذلك خارج حدود التاريخ ومعطى الواقعية بتياراتها ومذاهبها كما يحاول أن يشيع أصحاب العداء المقيم للعروبة؟!.

وهل هي مشروع مستورد كما كانت تقول تنظيمات حزبية في الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين ـ صدَّره الإنكليز ـ أم أنها نبت أصيل في أرض الأمة وتربتها الثقافية تعود جذوره إلى تاريخ أبعد من تاريخ أية أمة من الأمم، لَهَج به دعاتها في مطلع القرن وفي " مجلس المبعوثان "  العثماني بالذات ؟!.

وهل التطلع الوحدوي العربي، الذي يعتبر أهم أقانيم الفكر القومي والعمل القومي وأبرز أهدافهما، هو خرافة ونوع من أساطير تُبنى عليها سياسات أو تتقنع بها سياسات، ولا تمتد لذلك التطلع أية جذور في الواقع المعيش، ولم يكرَّس بقاء تلك الجذور عندما تحقق له بعض الوجود السياسي في بعض الأقطار؟!

هل القومية تنفي الدين وتتعارض معه، أو أن الدين ينفي القومية ويرى فيها نوعاً من عصبية مرفوضة تقف في وجه تسامحه وأمميته واتساع مداه الإنساني؟! في علاقة القومية العربية بالإسلام هناك تكامل تام وعلاقة عضوية، أساء إليها وأساء فهمها بعض القوميين وبعض الإسلاميين في وضعي تطرف أسس لعداء حصدت الأمة ثمره المر، فلا هوية ولا شخصية للعروبة إذا ما استلب منها الإسلام أو ابتعدت عنه، وروح الجماهير التي تعمل العروبة من أجلها ومنظومات قيمها ومشاعرها العميقة مستمدة من الإسلام ومنسجمة معه ولا تنفصل عنه، أو هكذا ينبغي أن يكون عليه الحال من وجهة نظري، وأي وضع للعروبة في مقابل الإسلام وللإسلام في مقابل العروبة يضعف كلاً منهما. ونظرة الإسلام التي كونت الشخصية القومية وأكدتها ولم تنفها رفعت الانتماء القومي فوق علاقة الدم واللحم ليكون معطى معرفياً رفيعاً محكوماً بمنظومات العقيدة وقيمها، وتأكد ذلك في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو حديث صحيح:

" أيها الناس إن الرب واحد والأب واحد، ليست العربية من أحدكم بأب ولا أم ؛ العربية لسان ، فمن تكلم العربية فهو عربي.". وعلينا أن نذهب في فهم مغزى هذا الحديث إلى أبعاد مكانة اللغة العربية بما حملت في كل من العروبة والإسلام لندرك المغزى العميق للعلاقة والأبعاد المستمرة للرؤية التي نحتاج إلى تعميقها وتجسيدها.

هل القومية العربية نوعٌ من " شوفينية"  ظاهرة أو باطنة، فاعلة أو كامنة، يرى فيها أعداء التعصب " نظرياً " ومن يمارسونه على أسوأ صوره عملياً، هل هي كذلك وتشكل خطراً على الآخرين ونزوعاً مؤذياً يؤدي إلى تصاعد النزاعات والحروب، كما يلغو اليوم بعض من يتطاولون عليها من دون وجه حق ويشهرون عليها سكاكينهم مناصرين أعداء العروبة والإسلام؟!

إن هذا يستدعي فتح ملفات ضخمة تتصل بالحروب ومشعليها والقوميات ونزوعاتها، والتعصب وتاريخه ودعاته وممارساته، كما يستدعي الخوض في نقاش وتحليل حول القوميات بشكل عام ومواجهة عللها بوجه خاص: هل يمكن القضاء عليها أم من المستحسن أن تقوم بينها جسور ثقافية ومعرفية ليزيل التعارف جهل الحقد وحقد الجهل، ولتتأكد هوَّيات ثقافية وروحية للقوميات لا تجعلها مجرد تعصب عرقي وجشع مادي وقسوة تسلط وهيمنة وإلغاء أو إقصاء من أي نوع.

وفي مسارات الأسئلة :

هل العرب أمة حسب المعايير التي وضعها المنظرون لوجود الأمم وتطورها وحضورها الفاعل في التاريخ أم أنهم ما زالوا، بنظر من لا ترضيهم القومية العربية بالذات، مشروع أمة ومشروع قومية ومشروع وجود على الرغم من توافر الحضور التاريخي والمقومات جميعاً والحضور بأشكال لا يغيبها إلا التجني!؟ ومن المؤسف أنه حتى في مجال التطبيق العلمي للمفاهيم والمعايير الموضوعية تبدو الازدواجية ظاهرة ومتطرفة في معاداتها للعرب، ويبدو بعض أبناء الأمة أشد خطراً عليها في هذا المجال من أعدائها.

وهل " التشنج" القومي هو السبب في رفض عرب اليوم دخول أبواب
"سلام اليوم" الذي يقدمه للمنطقة: الصهيوني العنصري الوالغ في دم الأمة والمتصهين والإمبريالي المحتل الذي يرقِّط جلده بوشم الشعارات الإنسانية ويلغو بالديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة وهو يزري بها في كل آن ويتواطأ مع مزيفيها والمتاجرين بها ومن يستخدمونها مدخلاً للنيل من دول وشعوب وعقائد وثقافات  وللقضاء على بلدان وحضارات، ويريد أن يعطي للكيان الصهيوني حق الهيمنة على العرب وأرضهم وتاريخهم ومصالحهم ويجرد الأمة العربية من كل شيء، ويعقد مؤتمرات هي " أوكازيونات" للتنازلات المفرطة بحق الأمة العربية في فلسطين؟! وهل أصبح تمسك أمة مظلومة ومستهدَفة بحقوقها ومقاومتها لأعدائها وصلابتها وصمودها في وجه المحتل والمختل ورفضها التنازل عن الأرض والمقدسات والهوية والعقيدة عيباً ووصمة عار وخروجاً من العصر وعليه وعلى أهله والراسخ من " قيمه" التي يلخصها اليوم مجلس الأمن الدولي بوصفه أداة أميركية؟

وهل القومية العربية لا تقوم إلا على أسس علمانية، وعلى نفي الدين والتنازع مع الإسلام: فإما هي وإما هو؟! وأنها لا يمكن أن تكون تقدمية وعصرية ومرضياً عنها إلا إذا زوّرت هويتها وأهدافها وتنازلت عن ثوابتها وحقوقها التاريخية وغيرت تاريخها وبنية مجتمعاتها، وارتدت ثوباً مفصَّلاً على الطريقة الصهيونية والإمبريالية لحل مشكلة مجتمعية: اقتصادية وسياسية، أو لخلق مشكلات لكل المجتمعات تعيشها وتعاني منها ليتفرغ اليهودي لمشروعه الصهيوني وعبثه بقوميات الآخرين وعقائدهم ومقدساتهم وحقوقهم ودمهم؟!

إن مفهوم العلمانية في هذا المجال يحتاج إلى تمحيص وتدقيق، فمن يريد أن يقدم إلحاده في ثوب العلمانية وينفي حق المؤمنين والمعتقدين بإله في أن يمارسوا حرية الاعتقاد والتفكير والتعبير، يستطيع أن يحوّر ما يشاء وأن يقدم مفهومه كما يشاء ولكنه سيبقى في مساحة اللغو واللهو يسلك مسلك الغوغاء للفت النظر وينساق في مساق العصابات ويمارس نوعاً من الإرهاب الفكري ليفرض ما يشاء ويتهم الناس بما في نفسه، لأن تاريخ المصطلح " العلمانية" ومنطلقه لا يتعارضان جوهرياً مع الدين والإيمان والاعتقاد، وإنما يجعلان حاكمية ذلك لله وليس لسلطة بني البشر من خلال تأثيرها على السلطة الزمنية واستخدامها لتلك السلطة استخداماً تعسفياً ضد الناس.. وفي هذا المنحى تكون العلمانية شيء والإلحاد التورمي الخبيث شيء آخر، فاللاديني والاأدري والمرجئ كل أولئك موقفهم معروف ولكن من يريد أن يفرض غلحاده على الأمة ويزري بقيمها الروحية يحتاج إلى التحريف والتلطي وراء مفاهيم أخرى وزحلقة المفاهيم الصحيحة بما فيها "العلمانية الإيمانية" إن صح التعبير نحو دائرة فهمه واعتناقه الذي يحاول أن يموهه وهو أقرب إلى التحلل والانحلال منه إلى المبدا الثابت بدليل التحولات المبدئية بمدى 180 درجة عند بعض كانوا يقفون في صفوف أيدلوجية معينة ويصنفون الناس من مواقف بغطرسة فريدة من مواقع مستعلية.

وبعد، هل القومية العربية أفلست، وعليها أن تلملم أوراقها وتنسحب خارج التاريخ والحاضر بعد أن تحمّل نفسها مسؤولية كل ما حدث للأمة خلال هذا القرن والقرن الذي لفظ أنفاسه؛ وأنّ على التيار القومي بكل تشعباته وفروعه واجتهاداته وتناحراته أن يخلي الساحة لسواه بعد أن يعلن إدانة نفسه ويكتفي من الغنيمة بالإياب، لأنها حكمت على مستقبلها بالموت، من وجهة نظر من يطرحون هذه المقولات؟.

وهل أفلست طروحات ذلك التيار ونظرياته، ووصل إلى درجة من الجمود لا تجدي معها المراجعة ونقد الذات وتصحيح المسارات، أم أنه يرى ما له وما عليه ومازال حضوره في ساحة العمل والنضال هو الأساس لتحقيق أهداف الأمة، وأن مساحة المستقبل مفتوحة أمامه، ولكن وصوله إلى حالة من الأداء المطلوب تحتاج إلى وقفة شجاعة ودقيقة مع الذات يجري فيها مراجعة ومحاسبة يخرج بعدها أكثر تعافياً وأقل عنجهية وأشد تواصلاً مع أصوله وركائزه التي حاولت تنظيمات وتيارات أخرى أن تهزها وأنّ تدخل من خلالها إلى بنية أمة لا يمكنها أن تقبل التهجين والدخيل والتخلي عن منظومات قيمها وأصالتها وحقوقها وعقيدتها ومعطى هويتها وتاريخها الحضاري العريق، تلك التي  يرمي إلى نفي وعيها وتفتيت تماسكها لنقض بنيانها من الداخل وإضعافها تماماً بعد تمزيقها ومن ثم الانقضاض على حقوقها ووجودها ؟!.

أسئلة نطرحها ونحن على أبواب مشاريع تقسيم العراق وسواه من البلدان، وانفلات عملاء من كل قيد وخلق يثخنون جراح بلدان ويهددون أخرى وتستبد بهم الوقاحة إلى درجة الاستهانة بأبسط خصائص الإنساني والقومي والوطني، وتصفية قضية فلسطين، وارتفاع حمى الأقليات التي تنادي بتجزئة الوطن المجزأ المصاب بأعدائه وبأبنائه في الوقت ذاته.

وطرح هذه الأسئلة يرمي إلى التحريض على التفكير في الواقع والأهداف والحالة العامة التي يعيشها الوطن العربي، وتعيشها التيارات الفكرية والسياسية الرئيسة فيه من جهة، والتعامل مع ما تقدمه المتغيرات في وطن العرب والعالم من معطيات ذات تأثير كبير وخطورة، لتتم مقاربة الأجوبة وتلمّسها في ضوء ما يُطرح على هذا التيار من قضايا وأسئلة وتحديات، وما يخوضه من صراعات داخلية وخارجية وما يواجهه من قوى الاحتلال ومؤامرات حلفائها وعملائها وأعوانها، في إطار من الموضوعية والروح العلمية والواقعية العملية التفاؤلية.. وهي مقاربة مطلوب منها أن تضع كل أمر في موقعه الصحيح، لا سيما في الوضع العربي الراهن مقروءاً ومستقرءاً بوعي في ضوء وقائع تاريخنا وتاريخ الأمم من جهة أخرى.

لا يمكن النظر إلى التيار القومي على أنه تيار منزه، ولا إلى نظريات أطرافه على أنها لا ياتيها الباطل من أي طرف من أطرافها، ولا على أنها منزلة تتمتع بعصموية أبدية.. وهي في نهاية المطاف نظريات وأفكار واجتهادات تمتحن في الممارسة وتكتشف أخطاؤها، وتتوقف حيويتها على  اكتشاف الحقائق ومواجهتها والقدرة على التصحيح من جهة والثبات على المبادئ والأصول من جهة أخرى. ويبدو من شبه المؤكد أنه ما من نظرية توضع موضع التطبيق، إلا وتصاب بشروخ أو تظهر شروخها الكامنة فيها أصلاً ، قبل أن تُعْرَض على التطبيق. وما من شعار يُدفع إلى ساحة التنفيذ، إلا وتظهر هوة بينه وبين الممارسة المؤدية إلى إنجازه، وذلك لأسباب عديدة تتصل: إما بسلامة الفكر والرأي والرؤية، أي التنظر ومجرياته، وإما بالعنصر البشري " الإطار" وقدرته على التمثّل والأداء وترجمة المطلوب إلى ملموس منجز في اداء يحترم الإنسان والقانون ومقومات المواطنة والحريات في الحياة، وإما بسبب الإمكانات المتاحة والظروف المحيطة ودرجة النضج والاستعداد البشريين، وما قد يعترض ذلك أو يُنصب لـه من معوقات وتحديات داخلية وخارجية على الخصوص.

وهذا الذي ينطبق على معظم - إن لم نقل على كل - النظريات والشعارات في البلدان والأزمان المختلفة ينطبق على الفكر القومي والعمل القومي العربيين. فليس بدعاً ولا غريباً أن نلمس فجوات ونستشعر نواقص ونستهجن ممارسات، وتنهض في وجهنا صعوبات وتحديات وأن يقال لنا: هناك تقصير وعيوب وأخطاء وممارسات مؤسفة، الخ.. وأن نطالب بمراجعة وتصحيح من خلال ممارسة النقد والنقد الذاتي، ولكن محاولة النفي للأصل جملة وتفصيلاً، وجعل الفكرة القومية ذاتها موضع الشك وموطن الوهم وسبب الخلل والعجز، ونفي مقومات الأمة ومعطيات القومية عن العرب وعن التوجه القومي الذي يتخذه تيار كبير منهم، مستلهماً وجدان الشعب كله ومعطى تاريخه العريق.. ومطالبة القومية بالتنحي بعد اتهامها وتشويه مضمونها، هو الغريب المستغرب الذي لا يمكن أن يسوّغ على أرضية مقبولة معقولة ولا أن يقبل لأنه الإعدام والانعدام.

 دمشق في 11/10/2007

 علي عقلة عرسان

 

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |