| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

إرهاصات استقطاب وقطب جديد

فليحبس العالم كله أنفاسه ويقف باستعداد تام، فهناك قضايا مصيرية لها أولية عالمية عند عنصري العالم والكل مجبر على الاستماع والإتباع والانصياع:

" قضية أولى تستدعي الاستنفار واجتياح غزة بعد أن أنهكها الحصار وإبادة حماس"، هذا ما أعلنه الجيش الصهيوني يوم الأربعاء الماضي بعد مقتل أحد جنوده قرب جدار الفصل العنصري في خان يونس.

يا للهول.. مقتل جندي من لواء غولاني؟ يا "للفظاعة".. يحدث هذا والعالم يتفرج؟

 خلال الزمن الذي مضى من عام 2007 قتل جنديان صهيونيان فقط مقابل 200 فلسطيني استشهدوا في أرضهم دفاعاً عن أرضهم أو في ملاحقات همجية لجيش الاحتلال لا تتوقف عند حد. هذه النتيجة بنظر عنصريي هذا الزمن كارثة، وسوف تصبح أكثر خطورة في الأيام والشهور القادمة حيث يتوقع جيش الاحتلال أن يقتل ثالث من أبناء "الرب" الكبار في هذا اللواء أو ذاك، لأن حماس أخذت تقاتل بنظام وبطرق تختلف عن السابق؟.. وهذا يستوجب قراراً سياسياً صهيونياً حثيثاً للانقضاض على غزة وسحق حماس التي بدأ عناصرها يهاجمون مثل عناصر حزب الله في تموز 2006!.

يا "للفاجعة العالمية"؟ كيف يقتل جنديان صهيونيان مقابل مئتي فلسطيني؟ وكيف يطور عناصر من حماس أساليب قتالهم؟ يجب أن تُباد غزة من دون رحمة وألا يسقط جندي صهيوني واحد؟.. تلك قاعدة العنصرية النازية الجديدة في فلسطين المحتلة التي ترعى عنصريتها وإرهابها الولايات المتحدة الأميركية.. فتمعنوا في الأمر جيداً يا من يعنيهم الأمر ممن يشتركون في الانتماء إلى الجنس البشري مع هذا النوع من المخلوقات العنصرية الفظيعة.

القضية الثانية هي أشد خطورة ومرتبطة بالنزوع العنصري البغيض ذاته وباحتكار العلم والقوة، أعلنها الرئيس جورج بوش الذي أثار الدنيا يوم الخميس 18/10 2007 ولم يقعدها بعد تصريح الرئيس بوتين في طهران بأن إيران لا تنوي امتلاك أسلحة نووية وأنه ملتزم بإنجاز مفاعل بوشهر، قال الرئيس الأميركي: " إذا امتلكت إيران معرفة تؤدي إلى صنع قنبلة نووية فسوف تقوم حرب عالمية ثالثة"، إيران تهدد إسرائيل."!؟

يا للهول .. إيران "تهدد " إسرائيل ولا ينبغي أن تُهدد دولة " الرب" التي هي فوق الناس والقانون؟ إسرائيل تحتل وتقتل الفلسطينيين وتهدد سورية والمقاومة اللبنانية والفلسطينية وإيران، وتحتل الجولان.. والولايات المتحدة الأميركية تحتل وتقتل وتحاصر وتهدد وتتدخل في شؤون الدول والناس هنا وهناك، وتلغي من تشاء وتبيد من تشاء وتفعل ما تشاء؟.. هذا لا يشكل عند الرئيس الأميركي شيئاً والمعرفة العلمية التي يمكن أن يملكها من لا يرضى عنهم تشكل كل شيء؟!

هل العالم في وعيه ويسمع ويرى جيداً ويفكر بما يسمع ويرى، ويعنيه تماماً ما يُفعَل ويُقال؟ حرب عالمية ثالثة من أجل امتلاك معرفة علمية نووية قد تؤدي إلى صنع سلاح نووي، ولا شيء من الاهتمام مطلقاً بامتلاك الكيان الصهيوني معرفة علمية وتقنية ومفاعلات وصناعات نووية وأسلحة بينها مئات الرؤوس النووية يهدد بها العربَ والمسلمين ومن يناصرهم في العالم، ويستمر في تطوير قدراته النووية وغير النووية، بينما هو يحتل فلسطين كلها والجولان وأراضٍ في جنوب لبنان ويهوّد القدس ويستولي على ما تبقى من أرض الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة يستوطنها ويطرد أكثر من سبعة ملايين من أبناء ذلك الشعب خارج وطنهم التاريخي بلادهم الأصلية منذ عشرات السنين، ويعتقل أكثر من عشرة آلاف منهم منذ سنوات وسنوات، يقتل ويعتقل من يشاء من الفلسطينيين في الداخل كل يوم من دون حساب أو سؤال أو عقاب أو حتى "رفَّة" جفن إنسانية من رئيس الدولة الأعظم في العالم التي تحتكر الأسلحة النووية وتعاقب على امتلاك العلم والمعرفة وحتى على إعادة قراءة التاريخ حين يتعلق الأمر باليهود أو بإبادتها التاريخية للهنود الحمر وتتاجر بالحريات والحقوق العمة والنفط والسلاح والدم..إلخ.؟ المنطق العنصري واحد والنهج واحد والدرس واحد، لأن التكوين الفكري والعقيدي والتربوي التلمودي واحد، وهو عنصري في العمق جملة وتفصيلا.

تهديد بحرب عالمية إذن من أجل امتلاك معرفة نووية ومن أجل "إسرائيل"، ولا يوجد مجرد تفكير باتخاذ قرار واحد ملزم على الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ضد " إسرائيل" وهي تحتل وتشرّد وتقتل منذ أكثر من ستين سنة، ولا يوجد عزم على مجرد تنفيذ لأي قرار مما أتخذ بشأن قضية فلسطين على بقية فصول الميثاق منذ عام 1947 حتى الآن، لأن القرار لا يعجبها وليس في مصلحتها أو لأنه يلامس أطماعها التوسعية وممارساتها العنصرية الفظيعة وتطلعاتها الشريرة.

هل يبقى العالم يسير في الزَّفة التي يكون العريس فيها دائماً أميركياً أبيض اللون ملوثاً بالبترول والدم ويتزوج صهيونياً أبيض اللون أيضاً ملطخاً بدم الغوييم.. أو العكس.؟ هل سيسكت العالم من كل الأجناس والألوان والديانات والمذاهب والثقافات و..إلخ على كل ذلك المقت، هل سيبقى في الغيبوبة والخوف أو في عسل المصالح المتبادلة الذي لا بد أن ينتهي يوماً ويتحول إلى مناقع دم حين يستيقظ على مدى الورم العنصري الصهيوني ـ الأميركي الذي يتكون في أحشائه وينخر تلك الأحشاء؟ لماذا الصمت البشع من قبل من يسمون أنفسهم "العالم الحر، المجتمع الدولي، الدول المتحضرة..إلخ لماذا الصمت على هذه العنصرية الفظيعة التي تُلحق بالعالم العار وتهدده بالحرب والدمار؟ لماذا لا يكون هناك موقف ومسؤولية ووعي بضرورة قول فصل في قضايا تهدد السلم العالمي وتؤرق كثيرين من البشر مثل قضية فلسطين؟ لماذا تبتلع الرباعية الدولية لسانها ويبقى لسان السيد الأميركي ممدوداً باسمها وباسمه وتبقى هي في جيب السيد الأميركي وآمره الصهيوني؟ لم نسمع للرباعية في يوم من الأيام، منذ تشكيلها، صوتاً مستقلاً يعارض الموقف والرغبة الأميركية ـ الصهيونية في الانحياز الشامل إلى جانب الكيان الصهيوني.. لماذا ؟ هل لا يرون الحق، أم لا يجرؤون على الكلام، أم تعميهم المصالح.. أم ماذا..؟  لماذا يكون لقاء أو اجتماع أو "مؤتمر أنابوليس " على هوى الرئيس بوش ـ أولمرت لمناقشة فصل من فصول الصراع العربي الصهيوني بينما القضية ستبقى من دون حل بغياب الشعب الفلسطيني وأطراف أخرى رئيسة فيها؟ لم لا يُعقد مؤتمر دولي يقول كلمة ذات وزن حقيقي وفعالية ومعنى، كلمة منصفة ومعتدلة وعادلة، لماذا يغيب دور العالم أو يغيَّب وتبقى العصا الأميركية وحدها فوق الرؤوس؟

لا أسأل عن العرب ورايهم وموقفهم، ولا أقول ما الذي جرى لهم، لأن معظمهم انتهى أمره منذ زمن إلى تبعية لا خلاص منها وتخاذل وخذلان وموات يثير البؤس والشفقة، لا سيما بعد أن أصبح المقود بيد المحتل والمستعمِِر والإمبريالي "النهاب"، وتحول كثير منهم إلى أدوات تستخدمها الولايات المتحدة الأميركية وحليفُها الصهيوني بالدرجة الأولى في صراعات وحروب وخدمة مصالح واستراتيجيات وقضايا ليست مصالحهم واستراتيجياتهم وقضاياهم.. إنهم الآن مجرد انسياب بشري سلس نحو التلاشي وعلى دروب التآكل، يُصبون في أحواض معدَّة للتنظيف بكل الأحماض والمبيدات العصرية لما تبقى في بعض خلايا البعض منهم من العروبة والشهامة والكرامة وقيم الإسلام.

هناك بداية حراك عالمي نحو الوعي بالمخاطر الأميركية على العالم بعد عقد ونصف من الزمن سيطر فيها القطب الأميركي سيطرة تامة ووحيدة.. والفضل في هذه الصحوة لحماقات الرئيس بوش الذي جعل بعض من كانوا تحت جناح دولته يستيقظون على ما تشكله سياساته من مخاطر على بلدانهم وعلى العالم. وقد يكون للعرب نصيب في هذه الصحوة إذا أحسنوا القراءة والتآلف والتكاتف والاصطفاف وراء سياسة عربية مشتركة ذات استقلال وأهداف وثوابت وحجم.. ولكن.. أشك في أنهم يفعلون.

لقد بدأت تصريحات وتحركات واتفاقيات ومتغيرات تشير إلى توجه نحو عالم متعدد الأقطاب، بدأ الكلام عنه في روسيا والصين قبل أعوام قليلة والآن نراه رؤوس مواقف، وهذه التحركات إلى جانب مقاومة الاحتلال في العراق تعصف ببوش وبإدارته في وقت لا يريد فيه أن يسمع شيئاً من ذلك.. وكان رده انفعالياً ودعوة لحروب وتهديداً بها، الأمر الذي يغذي عملياً هواجس ومخاوف من يريدون العالم على صورة مغايرة لرؤية الرئيس بوش وهيمنة بلاده.

هناك الآن بصورة واضحة إرهاصات وتوجهات منها:

1 ـ توجهات دول مجموعة شنغهاي ذات المصالح والرؤى المختلفة عن الرؤية الأميركية.

2 ـ لقاء روسيا والصين في علاقات متميزة ورؤية خاصة قد تصب في استراتيجيات أعلى.

3 ـ تهديد تايوان بالانفصال وما خلقه من ردات فعل الصين على على تلك الدولة ومن يقف وراءها.

4 ـ المشكلة الكورية وموقف الصين منها، ومينمار وموقف الصين منها أيضاً. وسعي الصين المحموم للحصول على نصيب من الطاقة "نفط وغاز" الأمر الذي يجعل التنين الصيني يتحرك.

5 ـ اتفاق الدول الخمس المطلة على بحر قزوين " الخزر" على عدم استخدام أراضيها أو تقديم مساعدات لمن يعتدي على أي منها، واتفاقها على استثمار ثروات البحر الغني بالغاز والنفط على الخصوص بصورةعادلة.. الأمر الذي يشكل بداية توجه نحو تحالف أمني تحكمه مصالح وتستدعيه تهديدات أميركية صهيونية بعدوان وربما بحرب، وهذه الكتلة تضم روسيا الاتحادية وثلاث من الدول التي كانت معها في الاتحاد السوفييتي السابق كازاخستان وأذربيجان وتركمانستان إلى جانب إيران.

6 ـ محور لا يمكن تجاهل بداية تشكله، على الرغم من أنه لا يشكل تحالفاً معلناً، هو "محور" موسكو دمشق أنقرة، وعلاقات كل من هذه العواصم بطهران يشكل خلفية منظورة ومنتظرة لحضورها ضمنه بصورة من الصور.

7 ـ موقف تركيا من قرار لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأميركي حول موضع اتهامها بالإبادة الجماعية للأرمن، سوف يدفعها حكماً بعيداً عن الولايات المتحدة الأميركية وإلى تطلع الحكومة التركية نحو تلبية مشاعر الشارع التركي الذي يرى في الولايات المتحدة الأميركية عدواً وليس حليفاً، ومن ثم الذهاب إلى المدى المطلوب في الدفاع عن نفسها حيال هجمات الـ PKK الذي هو رأس حربة المشروع الكردي الذي تدعمه الولايات المتحدة الأميركية صاحبة قرار تقسيم العراق بعد احتلاله وتدميرهكما تدعمه بريطانيا و"إسرائيل". وتحرك تركيا لملاحقة حزب العمال الكردستاني الذي أخذ يتمركز في شمال العراق ويصرّح بأنه يدافع عن التجربة الكردية، أي الدولة الكردية في شمال العراق، وهي بداية الدولة التي سوف تقتطع من أربع دول هي تركيا وإيران والعراق وسورية.

 8 ـ توطد العلاقات السورية التركية وتناميها، وتأييد سورية لتركيا في الدفاع عن نفسها ضد حزب العمال الكردستاني المصنّف إرهابياً. وموقف تركيا من مشاركة سورية في مؤتمر أنابوليس وضرورة طرح موضوع الجولان، وتصريح وزير الخارجية التركي علي باباجان في الكيان الصهيوني بأن سورية جزء من الحل ولا يجوز القفز فوق حقها في استعادة الجولان ولا فوق دورها وحضورها في المنطقة.

 9 ـ يقظة روسيا على الزحف الاستراتيجي الأميركي نحو حدودها المباشرة مع دول في أوربا الشرقية، وتحولها إلى رؤية للخطر الأميركي من زاوية استراتيجية " نشر منظومة صواريخ في بولندا وتشيكيا"، الأمر الذي دفعها إلى الإعلان عن امتلاك وتطوير قدرات وأسلحة استراتيجية، بينها قدرات نووية هائلة حسب الإعلان الروسي، واستعدادها لإعادة نشر أسلحتها الاستراتيجية في مواجهة الإصرار الأميركي على تطوير ونشر شبكة الصواريخ في دول قريبة من روسيا مثل بولونيا وتشيكيا.

كل ذلك ولَّد حمى التحرك باتجاه حرب باردة، أو فاترة، أو ساخنة.. ولكن الحصيلة تغير باتجاه استقطاب جديد قد يؤدي إلى ولادة أكثر من قطب، ويقضي على التفرد العنصري الأميركي ـ الصهيوني بالهيمنة على العالم.  

 وهذا التوجه تدفع باتجاهه تصرفات أميركية " وإسرائيلية" عنصرية حمقاء وغربية أوربية لا تستطيع ولا يُسمح لها أن تلعب إلا في الهامش الذي تحدده لها الولايات المتحدة الأميركية.

وسوف يؤدي كل هذا إلى إيجاد مجموعات وتكتلات دولية تتقاطع مصالحها وتتشكل فيما بينها دوائر تواصُل قد تؤدي إلى تحالفات استراتيجية.

إن سباق تسلح جديد، وحرباً " باردة أو ساخنة جديدة" يتخلقان في رحم الأحداث الدولية، وهناك إرهاصات واضحة باستقطاب جديد وولادة قطب أو أقطاب جديدة. وإذا كان هذا الصراع الجديد وهذا السباق نحو التسلح ليس في مصلحة العالم ولا البلدان المهمشة كبلدان العالم الإسلامي وبلدان العالم الثالث على الخصوص، إلا أنه يخفف العبء الواقع على من تسوطهم العنصرية الأميركية ـ الصهيونية بسياطها الطغيانية وهم نحن العرب بالدرجة الأولى.

إن تلك القوة العمياء المشبعة بالإشعاع العدواني العنصري البغيض والغطرسة الطغياينة هي وحدها التي تتحمل مسؤولية مثل هذا التوجه نحو استقطاب وأقطاب جديدة وسباق تسلح، ونتائج ذلك كله.

ويبقى السؤال قائماً كالسيف: هل توقف الصراع، بارداً أم ساخناً، في العالم في يوم من الأيام؟ إن ما خسرته البشرية من أرواح منذ الحرب الإمبريالية الثانية حتى اليوم يكاد يعادل ما خسرته في أثنائها..

الإنسان يأكل الإنسان.. هذا قانون القوة .. أما قانون الروح والقيم والحقوق والعدالة والحريات واحترام الحياة البشرية ومصالح الناس وحياتهم.. فذاك يحتاج إلى ثقافة ومعايير وسلالم قيم مختلفة، وهي ليست بالتأكيد الثقافة والمعايير والقيم العنصرية العدوانية الاستعلائية السائدة والقائمة بالشر وعليه في عالم القطب الأميركي ـ الصهيوني البغيض.

 دمشق في 19/10/2007

 علي عقلة عرسان

 

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |