| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

تكرار ... أخطار غياب المعيار

بعد ربع قرن ونيف من الزمن قضيناه عقماً أو ما يشبه العقم، نعيد عزف لحن رتيب على الرباب بوتر واحد حزين ، نكرر الكلام المكرور ونستنهض من في القبور، ونذر في عيوننا رمال البيد.. نرى ولا نريد أن نرى، نعيد ولا نطيق أن نعيد.. ويتدفق في أفواهنا الصاب دوماً.. فنحن والمرارة على موعد ووفاق، كأسها الدهاق ينسكب في الحلق، وينساب في أرجاء القلب انسياب ريق الأراقم دونما انقطاع، وتشيع في الخلايا تعباً لا يخلف، على غير العادة في طبع "الحسان"، فهي معنا كل صباح، تنتظرنا مع رغيف الخبز عند شرائه، وفنجان القهوة عند احتسائه، تتلطى لنا في زحمة المرور، وتفاصيل العمل، وتلاحقنا من دون كلل ولا ملل ونحن نقرأ أو نفكر أو نكتب. والبحث عن صبر وسلوى في ظل قربها عسير بل مستحيل، وصرنا لا نجد حتى في قلب أيوب الزمان قطرة صبر تخفف عنا وطأة زماننا، وهذه التي عَلِقَتنا هي ابنة شرعية لوقتنا الذي أمرعت فيه الفوضى، وتكاثرت الدِّمَن، وتعاظمت شمرخة الخضرة الهشة، وازدهت رؤوس الشر وتراقصت طرباً، مصعِّرة خدودها للخلق والخالق.

وأرانا في هذا المناخ نذوي ونحن نحس دبيب الفساد في أحشاء السكون من حولنا، وفي أصلاب القيم وأصلاب الناس. فالمعايير تختل وتسقط وتخلف بسقوطها فراغاً يسمح لكل حاطب في ليل الفساد أن يُعْمِل أدواته ويستنفد طاقاته في التخريب من كل نوع والتشويه على الصعد جميعاً. والحاطبون بليل دامس يوغلون في الغي ويلِغون في "دم" يجدد الحياة في البشر والقيم والثقافة والحضارة ليفسدوه، وليحيلوا كل بناء وحيوية وجودة إلى أثر بعد عين. وهم يعملون بكل الجد والحرص على استمرار هذا المناخ، وعلى أن يدْلَهم ليل الفساد الذي فيه حياتهم لأنهم يُكشفون تماماً إذا ما أسفر صبح وارتفع معيار صحيح وسادت قيمة سليمة وتراتب الناس على أسس من صلاح أمرٍ ودقة مقياس وتقويم سليم للفعل والموقف والإنتاج والإبداع.

وإذا استمر هذا التخبط وتفاقم اختلال المعايير وسقوطها في مجالات الثقافة عموماً والإبداع خصوصاً، فإن كل ثقة معرضة للاهتزاز، وكل أمل إلى اضمحلال، وكل بناء آيل إلى سقوط. إذ كيف يُحكم في ظل غياب المعيار أو فساده؟! وكيف يطمئن الناس إلى قول أو فعل أو قيمة أو حكم، وهم يرون إلى الفصام بين المنطق والحكم، المعيار والقيمة، القول المعلن والفعل المكتوم، ويقفون صباح مساء على اختلال واضح بين صورة ما يقدَّم لهم أو تصويره وحقيقة ذلك الذي يقدم فعلاً، ويسقطون دائماً ضحايا من يروجون أحكاماً من دون اطلاع ويتناقلون آراء لا رصيد لها من الموضعية والمعرفة؟! ولم لا يداخِلهم الشك وهم يرون المواقف والأحكام والآراء تتغير مائة وثمانين درجة، حسب هوية الشخص وانتمائه إلى "العشيرة الحديثة"، ومدى قربه أو بعده من الشخص "المعيار"؟! ومتى بحق الله كان هوى الشخص "معياراً" سليماً؟! أليس الأشخاص والأفعال والسلوك هي التي تعرض على المعيار الذي رسخ عبر التجارب وبجهد جماعي وتضحيات، ليأخذ المعيار قيمة ويصدر بموجبه حكم قيمة؟! أليس الأشخاص، لاسيما في فترة فساد الزمان، عرضة لأقصى ما يمليه الهوى وتجر إليه المصلحة من زيغ في الرأي والرؤية والحكم إذا لم تكن هناك معايير واضحة وسليمة ومحترمة يستندون إليها فتعصمهم من الزلل وتقي غيرهم من الرجم بلا دليل؟! إن كل شخص عرضة لتأثير الآخرين أياً كان الشخص، بينما المعيار لا يتغير إلا بتغير معطيات موضوعية وحسب معطيات ومتغيرات وشروط وأصول يتفق أولو القدرة والخبرة والمكانة من الناس على أنها تقضي بتغيير المعايير أو تعديلها وفق منهج. ويكون ذلك لتحقيق مزيد من الدقة والسلامة والصلاح والشمول والفاعلية للمعيار الذي يستند دائماً إلى قيم وقواعد وأصول وقوانين، ثبت صلاحها للحياة وصلاح أمر الحياة والناس وشؤونهم وإبداعهم بها.

لقد كان قول أرسطو ومازال سليماً وصحيحاً حيث قال: "خير للناس أن تحكمهم شرائع جيدة جداً من أن يحكمهم شخص جيد جداً". وإذا كنا نعاني الأمرين من خلل المعايير والقيم أو غيابها في شتى مناحي حياتنا وعملنا، ونعلق أهمية على دور الكلمة والثقافة والأدب والفن في إشاعة المعرفة وترسيخ الوعي بأهمية المعايير والقيم وبمركزية الوعي المعرفي وضرورته ليقوم به التجدد والتطور على أسس معيارية سليمة، فإن غياب تلك المعايير والقيم والأحكام السليمة في مجالات الثقافة عموماً والأدب والفن خصوصاً، يغدو أشد شيء خطراً على الإبداع والإنسان. لأن قيمة المعيار وسلامته وحسن تطبيقه واحترامه خلال هذه الفعاليات البشرية التي تؤثر في تكوين الفرد والجماعة والحضارة يوازي سلامة القضاء أهمية بالنسبة لمجالات الحياة العامة للناس في دولة. وحين نجد هذا الداء يستفحل في المجالات الأدبية والفنية، ويفسح المجال أمام تقديم أحكام وآراء وتقويمات على أرضية مريضة، ويعطي تصوراً تراتبياً غير دقيق للإنتاج وقيمته ومكانته، ويسيء، عن قصد أو عن غير قصد، فهم المضامين وإيصالها وتقديم مسوغات الرأي ومستندات الحكم، نشعر كم هي مشوهة صورتنا لدينا ولدى الآخرين وكم هي بحاجة إلى إعادة صوغ على أساس سليم.

إننا حيثما وأينما توجهنا نجد أولئك الذين يهمهم أن يسود الضياع ويدْلَهم ليل يحتطبون فيه، نجدهم أحرص ما يكونون على استمرار الفوضى والتشتت، لأنهم أعجز من أن يجدوا مكاناً لهم حين يسفر الصبح وتصح الرؤية، وهم يمارسون التقويم والنقد أو ينطلقون في ذلك من أرضية "حكم" يمليه الهوى والانتماء "للعشيرة الحديثة" بهشاشة قيمها ومعاييرها وتقاليدها، ويمارسون طقوس التعظيم والتقزيم والإنارة والتعتيم والتشويه والتشويش، وكل ما يرون أنه يفيدهم في فرض من وما يمت "لعشيرتهم" الأقربين على الساحة الثقافية، دونما تفريق بين وسيلة ووسيلة. وعندما نكتفي بالتفرج على هؤلاء "البناة" على فساد، فإننا عندها لا نقف على أعتاب الكارثة بل نزحف إليها زحفاً، ولا نكون أمام عبث ضائعين بل أمام أخبث صنف من الناس، وهو ذلك الذي يساوي بين المحاسن والمساوئ، حيث نراه يرفع المحسن والمسيء من أبناء "عشيرته" إلى مرتبة الاعتبار القصوى، ويهبط بالمحسن وبالمسيء من غير أبنائها إلى "الحضيض" الأقصى من وجهة نظره. وموقفه هذا يجر أبناء "عشائر" العصر الحديث -وما أكثرها- إلى مواقف وآراء وأحكام مماثلة، وينعكس كل هذا سلبياً على المعايير والقيمة والإنتاج والأشخاص وتضيع الأمور وتضطرب الأحكام، فكيف يصلح بذلك شأن الأدب وتغدو الكلمة منقذة وبانية وهي تستنبت في دِمَن النفوس وتشوه مواقعها ومواقفها ومراتبها نفوسٌ دِمَن؟! إن الفاسد لا يصلح نفسه ويحتاج إلى من يصلحه، وهذا ينطبق على الأحكام والآراء والأشخاص كما ينطبق على المعايير والمذاهب والتيارات والمعلومات.

لقد أثر فساد المعايير بل غيابها عن حياتنا الثقافية في فعالية الكلمة ومستوى الإبداع تأثيراً سلبياً، وأصبحت الدعاوى "الإعلامية" التي تمارس نوعاً من أحكام القيمة، دون مستند من معرفة أو قيمة، أصبحت "تعلي" شأناً و"تحط" شأناً، تحجب "شمسها" أو تجعلها تشرق، على أساس من هوى وانتماءات عشائرية حديثة وقديمة معاً، وعلى أسس أكثر ضيقاً وأشد بؤساً من ذلك أحياناً، ولا يتهيّب أشخاص من الافتراء والاختلاق والتشويه، ويصل ببعضهم الأمر بكل بساطة إلى حد حذف أقوالك وما أنت عليه ووضع أقوال لك ورسم صورة لتغدو ما يريدون منك ولك أن تكون، كل ذلك يتم في وضح النهار، وتحت سمع الناس وبصرهم بـ " مشروعية" يكتسبها من يعطي لنفسه ذلك الحق بقوة الجهل والتجاهل. ويمارس بعض أبناء "العشائر الحديثة" رقابة من نوع تبدو معها الديكتاتوريات الفكرية غاية في الديمقراطية والحرية، في حمى تعود السيادة فيه شكلاً إلى "رقابة" تنسب للدولة و"تُجرَّم" من قبلهم بسببها ويمسحون أفعالهم بها، وينفذون في أحيان كثيرة ما هو ضار بمصلحة الثقافة القومية والوطنية والهوية والانتماء لأمة في تربة ثقافة وتاريخ وجغرافية ومقومات شخصية ثقافية متمايزة.. يمارسون الغزو والقتال والتخريب من الداخل، ويقبعون تحت ستار من الأمن والأمان والاطمئنان يساهم في إسباغه الجهل والخوف، حيث يتربعون في حضن السلطة، ويضربون بسيفها، ويأكلون خيرها، وينتفون ذقنها، ويصفون سواهم بأنه من "أزلامها"، ويدّعون أنهم ضدها، ويضحكون بعد ذلك كله وقبل ذلك كله على أنفسهم وعلى السلطة وعلى سواهم ممن لا يعرف حقيقة ما يجري.. حيث يفترضون: غباء السلطة، وغباء الذين يوجهون لهم الخطاب ويمثلون أمامهم الأدوار، وقدرتهم على العبث حتى النهاية وهم في دائرة توهم الاقتدار بلا حدود. ومن عجب أو رَهب أو "رَغَب" أن يسير الجميع في هذه "الزفة" المزيفة التي انعكست على مصداقية القول والعمل والإنسان، مصداقية الأدب والفن والثقافة والإعلام. وأصبحت وطأتها ثقيلة ونتائجها وبيلة، على حياتنا وحيويتنا ومعاني الصحة والسلامة والنقاء في كل ما نريد وما نحقق وما نكون وما نتطلع إليه. إن الوجه (الإعلاني- الإعلامي- العشائري) الذي يقدم لأدبنا وفننا وثقافتنا، بل لحياتنا الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، أصبح زائفاً ومضحكاً ومدمراً بشكل لا يحتمل. وتستدعي ظروف مواجهتنا في جبهة ثقافية، داخلياً وخارجياً، لهجمة ثقافية وسياسية وعسكرية خطرة، أن نرفع الأقنعة والزيف ونعيد النقاء لكل شيء، وأن يلبس كل من يريد الثوب الذي يريد، ولكن بوضوح وعلنية وشجاعة، حتى يأخذ المعيار مكانته واحترامه، ويعرض عليه القولُ والعمل والموقف والإنتاج والإبداع برضا وثقة وشرف، في ظل استقرار القيمة واحترامها والإخلاص في الاحتكام إليها.. في ضوء الانتماء السليم للأمة وقضاياها ونضالها ومعاناة جماهيرها ولثقافتها في مقوماتها الرئيسة، في ظل احترام لحرية الإنسان وحقوقه وممارسته التامة لتلك الحقوق، على أرضية مواطَنة ووطنية صحيحة وسليمة فيها الاحتكام للحقيقة الثابتة عبر التاريخ ألا وهي "لا وطنية خارج حدود التاريخ والجغرافية لأمة من الأمم، ولا وطنية على حساب الوطن والهوية والانتماء، مهما علت أصوات المدعين والأدعياء".

 دمشق في 1/11/2007

علي عقلة عرسان

 

 

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |