| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

الفوضى.. وتنظيم الفراغ.. وحكم التاريخ

تنظيم الفراغ والفوضى الخلاقة مصطلحان أميركيان مثيران في عالم السياسة المعاصرة، فالفراغ لا ينظم إلا إذا كان مستحدثاً ومتحكَّما به وموظَّفاً لغاية، والفوضى ليست خلاقة فيما عهدنا عبر التاريخ إلا إذا استغلتها قوة تقف وراءها أصلاً لتصل من خلالها إلى أوضاع ونتائج وأهداف منشودة هي في الأغلب الأعم أهداف لا تتحقق إلا بتوفير قوة تدميرية ـ استحواذية لا يوجد لمن هم ضحايا الفوضى ويعيشون ظروفها أو يغرقون في دوامتها أية مصلحة فيها ولكنهم يندفعون إليها اندفاع الفراش إلى نار المصباح. 

ويبدو أن المصطلحين الجديدين مخصصان لما يسمى منطقة الشرق الأوسط ولبلدان عربية وإسلامية على الخصوص، ولمن ينتمون إلى العروبة ويؤمنون بالإسلام، ويستدل على ذلك من أدلة كثيرة رافقت نشأتهما وتفعيلهما، ومن معطيات يدخل فيها التاريخ والجغرافية والنفط والغاز ومصالح وغايات تتكشف عنها الأحداث يوماً بعد يوم وحدثاً بعد حدث. فقد استنبت المصطلحان في المنطقة ولمآرب فيها وعبر رؤية سياسية وتدخل مباشر وأحداث دامية ومفجعة تابعناها جميعاً وهي تنذر اليوم بما هو أقسى وأشد وطأة على أهلها من كل ما مضى حتى اليوم ومنذ استحداث كل مصطلح وتفعيله واستثماره، وهما يترجمان تكتيكاً أكثر مما يحددان استراتيجية.

وحين نقارب كلاً من المصطلحين بهدف تحديده المفهوم بموضوعية ودقة نجد أنفسنا محاصرين بالخلفيات المباشرة لأحداث ومصالح وتحركات واستراتيجيات تتنصل بمشروع استعماري وبهيمنة أمنية واقتصادية وسياسية على جغرافية وديمغرافية وطاقة ومواقع ذات أبعاد استراتيجية من جهة وبتوجهات أعلى درجة من المنافع والمصالح والمكاسب تتصل بالهوية والعقيدة والتربية والشخصية الثقافية.. أي بأبعاد روحية واجتماعية وثقافية من جهة أخرى. وينطوي كل ذلك على توجهات إمبريالية حمقاء مشوبة بعنصرية خرقاء ذات أبعاد عقائدية وتاريخية، ويدخل في إطار صراع أو الإعداد والاستعداد لصراع أبعد من حدود المنطقة التي يستهدفها حالياً ويضع في منظورة هيمنة أوسع تشمل العالم من بعض زوايا النظر وتضع في اعتبارها أن تكون الولايات المتحدة الأميركية وحلفاءها مهيمنة كلياً على شؤون الطاقة والأسواق والنفوذ السياسي أو على الأقل الشريك الأكبر لمن يقبلون الدخول شركاء لها في تلك الهيمنة من الدول الكبرى. وأن المصطلحين وما ينتجانه ويدفعان باتجاهه ويعملان على غرسه في أرض البشر ونفوسهم وعقولهم يصب في مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد ذلك الذي مات موتاً سريرياً بعد الحرب على لبنان / تموز 2006/ ولم يدفن بعد. وفي الرؤية الاستراتيجية المستقبلية لعالم فيه قطب أو أكثر ينهضان بمواجهة القطب الوحيد الذي يعبث بالأمم المتحدة ومجلس الأمن والسياسية الدولية والاقتصاد العالمي حالياً.

تنظيم الفراغ مصطلح طازج روَّجت له الوزير رايس ولهجت به ألسنة عربية مسؤولة من بعد بإيحاء أو توجيه، وقد خُصص للحالة اللبنانية الراهنة التي قد تفضي إلى فراغ دستوري ينشأ عن عدم انتخاب رئيس للجمهورية في الوقت المحدد 24/11/2007 والأميركيون يهيئون لحصول ذلك الفراغ ويريدونه ويهتمون بتنظيمه بمعنى تفعيله واستثماره اللذين يحققان لهم أهدافهم القريبة والبعيدة انطلاقاً من مواقع وقرارات ومناخ يسود لبنان ويتحكمون به ويحركونه هناك.. حيث تبقى الحكومة الحالية ممسكة لهم بكل الأوراق والصلاحيات ومستندة كلياً إلى دعمهم ودعم من يواليهم غربياً وعربياً، ومن ثم تقوم بتصفية خصومهم/ها وحساباتهم/ها وفق الخطط والتصنيفات والمطالب والبرمجة الأميركية ـ الصهيونية الموضوعة للبنان ولسورية من خلال لبنان.. ومن الأهداف الرئيسة المطلوبة أميركياً وإسرائيلياً تصفية المقاومة اللبنانية، أي " حزب الله تحديداً الذي يقال عنه من طرف لبناني ذي تحالفات سابقة مع الكيان الصهيوني إنه الخطر الأكبر على لبنان"، بأيدي وقرارات ظاهره لبناني "مستقل وحريص على لبنان"، ويتبع ذلك أو يتواكب معه تصفية المقاومة الفلسطينية من مداخل موازية منها مدخل أنا بوليس على المقاومة الفلسطينية كلها، ووضع القوى اللبنانية على حافة الهاوية برفع وتيرة التطرف والتهديد المتبادل واستمرار التوتر في المناخ الاجتماعي المتداخل عضوياً بين التركيب السكاني اللبناني ومحيطه العربي وإشاعة ذلك ليبقى القلق والارتباك وانعدام الثقة عملاقين في الساحة، وإقامة حكم لبناني يعترف بالكيان الصهيوني ويقيم علاقات طبيعية معه وينهي ملفّ المخيمات الفلسطينية مقاومةً وتوطيناً، وإشغال سورية وإيران بالحدث اللبناني وتوريطهما فيه أكثر وأكثر لفتح منافذ صهيونية وغربية وعربية عليهما وفك ارتباطهما، وشل أي قوة تتحرك ضد "إسرائيل" إذا ما تم ضرب إيران أو سورية أو المقاومة بعدوان إسرائيلي، أو أميركي إسرائيلي مشترك هو منتظر وقيد الإعداد.

أما مصطلح "الفوضى الخلاقة" فقد انبجس من عقل بوش والمجموعة التي تحركه في البيت الأبيض، وحدث ذلك في ذروة من ذرى أحداث العراق الدامية حين أفلت الزمام في معظم المحافظات بسبب الاحتلال وممارساته وتصدي المقاومة لقوى الاحتلال، وعمَّت الفوضى التي أسس لها الأميركيون ليضرب العراقيون بعضهم بعضاً وتقتتل المقاومة فيما بينها بدل أن تقاتل الاحتلال، وارتفعت وتيرة ذلك بشدة بعد تدمير مرقد الإمامين العسكريين في سامراء، حيث شاع القتل على الهوية، ورفعت الفتنة المذهبية رأسها في العراق وفيما حوله.. حينذاك شاء الرئيس الأميركي أن يشيع " فوضاه الخلاقة" في العراق وفي بلدان عربية وإسلامية ليصل إلى تحقيق أهدافه الشريرة ومشاريعه وعلى رأسها مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي بدأ مع إعلانات شمعون بيريز بعد أوسلو وأخرج منه صهاينة البيت الأبيض طبعات جديدة منقحة ومزيدة، وانتهى دموياً في لبنان باسم الشرق الأوسط الجديد، حيث سقط على فراش الموت مثل شارون بانتصار حزب الله في حرب تموز 2006 ولم يشيع بعد.

إننا أمام فكر شرير بالمفهوم المطلق للشر، يريد أصحابه الوصول إلى أهدافهم بكل الوسائل والأدوات الممكنة وبأي ثمن، وأن يحققوا مكاسب بأرواح الآخرين، وأن يدمروا بلداناً وأمماً وعقائد وثقافات بأيدي أبنائها سواء أكان أولئك عملاء أو أغبياء. وأنت تستطيع أن تطلق حكماً أخلاقياً وحكم قيمة عليهم وعل ما يفعلون ولكنك لا تستطيع أن تردعهم أو توقفهم عند حد.  وما فائدة ذلك إذا كنت لا توقف الجريمة ولا تحاسب المجرم؟

يؤسفني أن أبدي رأياً سلبياً في تحكيم التاريخ بأفعال ورجال وأحداث والاكتفاء بحكمه والاستسلام لذلك ومنح النفوس راحة وبراءة، وكأن ذلك يحقق عدالة ويشفي غُلَّة أو يريح ضميراً.. إن ذلك تسليم بالعجز ونوع من الإرجائية العرجاء أو الكسيحة.. واستقالة من المسؤولية الإنسانية والاجتماعية الخلقية وحتى القانونية.

فحين أسمع أن رئيساً أو مسؤولاً كبيراً أو شخصاً عالي " الكعب" من أي نوع، قام بأعمال تمتد من الغش والفساد والطغيان إلى الجريمة والإبادة العنصرية وقبائح الأفعال، وأن أمره متروك للتاريخ سوف يحكم عليه ويحاسبه، وأن الناس يسلمون بذلك مرتاحين أو مغلوبين على أمرهم ويسكتون عليه مهما كبرت الجرائم؟ أشعر بالمهانة والعجز والاشمئزاز والاستفزاز، وأرى أن هذا من غرائب أمور الدنيا ومحنها وامتحاناتها القاسية.. وأنه أمر غريب بكل المقاييس.. فإذا كان هذا النوع من الأشخاص لا يسأل عن الله والإنسان والقيم فكيف سيسأل عن التاريخ وحكمه وحسابه وموقفه منه؟ وما هو التاريخ وحسابه لأشخاص لا يسألون عن سمعتهم وسلوكهم في الحياة ومن باب أولى ألا يسالون عنها بعد الموت أو حين يقفون أمام السيد "تاريخ" الذي سيتولى حسابهم.. ويقول في نهاية المطاف كان كذا.. أو كان كذا..؟ هذا حكم يسأل عنه ويقدر قيمته أشخاص يهمهم حكم الله والناس والضمير في الحياة الممارسات والتعديات والانتهاكات والموت.  

ماذا يعني التاريخ وحكمه لأشخاص يرتكبون ما يريدون ومن ثم يسندون ظهورهم إلى جدار لا يقيمون له وزناً ولا يعرفون عنه إلا أنهم يستندون إليه ويظلهم بظل أو يقيهم رصاصة عدو لهم؟

حساب التاريخ هذا حكم مرجأ، ويوضع لدى المجرمين في سلة المهملات، ويكلف البشرية الكثير. ونادراً ما يرتدع مجرمون جدد بأحكام التاريخ.. فحين تغيب المعايير وتسقط النماذج القدوة، وتزعزع القيم.. وتهزل التربية الروحية والاجتماعية، ويغيب الرقيب أو يغيَّب.. حينذاك لا يسأل المغامرون والمجرمون عن أحكام لا تطالهم في الحياة أو لا تجرح أجسادهم لتصل إلى مواطن الشعور منهم وهم يعيشون ..

ما ذا سيعني قول مؤرخ أو مؤرخين عن بوش إنه كاذب إذا كان يتقصد الكذب ويعلنه سياسة تمارس أمام مجلس الأمن الدولي؟ إنه لن يتأثر حتى بما ارتكبه جنوده وضباطه من جرائم بأوامر منه بالعدوان والاحتلال والتدمير والحصار والانتهاك والخروج على القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني وقوانين الولايات المتحدة الأميركية ذاتها التي انمتهكها حين وضع شعبه تحت مراقبة أجهزته الأمنية؟ لقد بقي يتكلم عن حقوق الإنسان والديمقراطية والحريات وعن " الرب" الذي يكلفه بهذا النوع من المهمات؟ فكيف يمكن لتاريخ من أي نوع أن يؤثر في أشخاص من هذا النوع أو عليهم؟ وماذا يعني لهم حساب التاريخ بعد الوفاة أو التقاعد والعيش بأمن واطمئنان ومزايا وحراسات؟ ما ذا يعني التاريخ في مثل هذه الحالة؟ وأي تاريخ نلجأ إليه.. وكيف يترجم حكم التاريخ لأسرة أبيدت أو لبلدان دمرت أو لمعتقلين انتهكت حقوقهم وأعراضهم وكل ما يمكن أن يشكل إنسانيتهم في الحياة التي يعيشونها مع أسرهم والمجتمع من حولهم.

حكم التاريخ أضحوكة ومهزلة سوداء لا تثير الضحك ولا البكاء لدى شعوب وأمم وأشخاص في حالات كثيرة.. تماماً مثلما تفعل الفوضى الخلاقة وتنظيم الفراغ.. أنه نتاج بشري يحكم على الفعل بكلام، وعلى الشر بأنه شر، ولا يتعاطى بفاعلية مع معطيات ومسوغات مدمرة وغير أخلاقية وغير إنسانية تشكل مداخل للتآمر والتدخل والطغيان لأولئك الذين لا يحترمون العقل والإنسان والتاريخ والقانون ولا يراعون أية معايير أو ضوابط أخلاقية وإنسانية تقف في طريق تحقيق أهدافهم وشهوتهم للتسلط والحكم والسيطرة على الآخرين ولا تضع حداً لنهبهم للشعوب وقتلهم لها وتخريب مقومات هويتها وعقيدته وقيم مجتمعاتها وحياتها.. وليس المطلوب إلغائه بل المطلوب البحث عن رادع ذي معنى ومدلول وترجمة تطال المجرمين والفاسدين ومن لا يرعون حرمة الإنسان في الحياة ولا العدالة التي تقيمها على أسس ومعايير وقيم وأحكام سليمة واقعية ملموسة ومحسوسة.

 دمشق في 24/11/2007

 علي عقلة عرسان   

 

 

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |