| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

الأمة والفلسطينيان: المقاوِم والمفاوِض

تشخيصان لموقفين يبدوان متضادين لكنهما يتكاملان، تشخيص المفاوض الفلسطيني لموقف الصهيوني وتشخيص الصهيوني لموقف الفلسطيني بعد مؤتمر أنابوليس لحالة كل منهما وهما على أبواب التفاوض على الأمور الجوهرية للوصول إلى حل نهائي وإقامة دولتين لشعبين في فلسطين العربية نهاية عام 2008 وفق رؤية الرئيس الأميركي جورج بوش.

تشخيص المفاوض الفلسطيني يتلخص في أن الكيان الصهيوني يريد أن يجمّد التفاوض أو يعوّقه محملاً الفلسطيني مسؤولية ذلك أمام عالم ما زالت تفاصيل المشهد في أنابوليس في ذاكرته وتعهدات الراعي الأميركي بمتابعة المفاوضات والوصول إلى الدولتين في عام 2008 ودفع الموضوع بحماسة.. على المحك.

وتشخيص المفاوض الصهيوني يتلخص في أن الفلسطيني الضعيف المحاصر بتناقضات وصراع داخلي من جهة وبمطالب جوهرية منها تصفية المقاومة الفلسطينية، " أي ما يسمونه الإرهاب"، لكي تنطلق المفاوضات وفق بيان أنابوليس والتعهدات المتكررة التي يطلقها بإنجاز ذلك وإبداء القوة وبسط الأمن والسيطرة على المشهد الفلسطيني كله من جهة أخرى.. والذي يحتاج حاجة ماسة إلى مساعدة "إسرائيل" المتعددة الأذرع وفي حضنها الجنرالين الأميركيين كيث دايتون وجيمس جونز المكلفين بالتنسيق معها في هذا المجال، من حيث إعداد قوته واستعدادها وبنائها وتدريبها وتقديم السلاح لها لتقوم باستعادة غزة وتصفية الحساب مع حماس بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أي بالاقتتال الداخلي أو عبر " إسرائيل" وبالتعاون معها والتغاضي عما تقوم به من حصار وقهر وتجويع لغزة وتصفيات جسدية متلاحقة للمقاومة بكل فصائلها وأطيافها.. فإنه لن يكون قادراً على مقاومة أي فعل تقوم به " إسرائيل".. ولذا قررت أن توسع المستوطنات وتنشئ ما تريد إنشاءه منها وتنهي مشروعها في الحرم القدسي وباب المغاربة وتستكمل تهويد القدس وقضم الأرض وتلقي للفلسطيني بسكانهما عبئاً على عبء وتهجيراً بعد تهجير.. وإذا رفض متابعة التفاوض تكون سعيدة وتحمله المسؤولية وتتنصل من التبعات وتوقف المساعدات وتعربد في أرجاء الأرض على هواها. 

التعامل الفلسطيني مع خطة "الإسرئيلي" واستراتيجيته للتفاوض وردّه عليهما قدم جزءاً منها ركن الفريق الفلسطيني المفاوض صائب عريقات عندما بدأت عملية التوسع الاستيطاني الصهيوني في جبل أبو غنيم ومعاليه أدوميم وأُعلِن عن التخطيط لإنشاء مستوطنة شمال شرق القدس في "عتروت" تقطع صلة القدس بالضفة الغربية، حيث قال عندما سئل عن جدوى المفاوضات في ظل التوسع الاستيطاني ونقض " إسرائيل" لتعهداتها في أنابوليس، وعن رد المفاوض الفلسطيني على التصرف الإسرائيلي، قال صائب عريقات: [[على الجانب الإسرائيلي الذي بدأ الاستيطان أن يوقف التفاوض من جانبه]] لأنه بذلك يناقض توجهاته وتعهداته في أنابوليس؟ وهذا غريب وعجيب ولكنه رد الضعيف الذي لا يملك قوة رادعة ولا ورقة ضاغطة ويريد من الطرف القوي، الكيان الصهيوني، أن يقوم بالتصرف الذي ينبغي عليه هو أن يقوم به لو كان يملك القدرة على الفعل. والتقط الصهيوني الرسالة والمعاني والمعطيات الكامنة وراءها وأضاف ذلك إلى ما في جعبته من أوراق ضغط ومنها قدرته على التحكم بقرار المانحين الكرام الذي تبرعوا بمبالغ كبيرة لتقوية رموز السلطة وبناء مؤسساتها، فقرر الاستمرار في الاستيطان وإبداء الاستعداد للتفاوض.. وهي المعادلات التي يضعها ويطبقها بنجاح وتؤتي أكلها في أكثر الأوقات، وهو يفعل برائع منها إدعاؤه شرعية ما يقوم به؟ وشرعية ما يقوم به تنبع دائماً من مصدر وحيد للشرعية هو ما يضفيه على نفسه وعلى احتلاله وممارساته تصرفاته من شرعية قرارات يصدرها ويفرضها ولا يعترض عليها أحد!؟. لقد قرر إتباع ذلك النهج وليتخذ المفاوض الفلسطيني الموقف والقرار المناسبين له.. وهو يدرك جيداً أن هذه اللعبة ستكون في صالحه 100% لأن الفلسطيني بلا ضعيف وبلا سند ومتلهف لمال وحل ودولة و..و..

وفي اللقاء الذي عقده أولمرت وعباس يوم 27/12/2008 في القدس مع فريقي التفاوض تقابلت " استراتيجيتا" المتفاوضين والتمس كل منهما طريقاً بدا معها التناقض في المواقف تكاملاً شبه تام.

ـ المفاوض الفلسطيني قرر ما لا يمكن أن يقرر سواه في ظل الأوضاع والمواقف التي وضع نفسه فيه، وجاء قراره بسند فقد تسلح بقرار اللجنة المركزية لحركة فتح التي نشرت في يوم الثلاثاء 25/12/2007 في ختام جلسة مع الرئيس محمود عباس، [[تحذيراً من تدمير المحادثات بسبب البناء في المستوطنات.]]، ولم يستند لقرار من هيئة منظمة التحرير التي يفاوض باسمها. وهذا القرار هو ما توقعه الكيان الصهيوني أو ما أراده وحاصر الطرف الفلسطيني به ودفعه إليه.. فالمفاوض الفلسطيني لا يملك إلا أن يفعل ذلك وإلا "فرّط" بأشياء كثيرة وكبيرة لا يمكنه التفريط بها وعلى رأسها حلم دولة بلا سيادة ولا طول ولا حول على 24% من فلسطين، وثقة المانحين وما جادوا به ومقداره 7,6 مليار دولار لدعم عباس وفياض كما صرح بوش وسواه وأتت بعد ذلك كلمات السلطة وبناء الدولة المنتظرة.

ـ المفاوض الصهيوني قرر بلسان أولمرت أنه لن يوقف البناء في جبل أبو غنيم " ها رحوما" و [[حث القيادة الفلسطينية على ألا تنتهج سياسة التسامح مع " الإرهابيين" في الضفة وغزة.]] وقال مسؤول حكومي إسرائيلي كبير، [[إن اولمرت رفض «تجميد المناقصات التي نشرت حتى الآن (لبناء مستوطنات) وكذلك تلك التي قيد التنفيذ.]]// عن: جريدة السفير 28/12، ووكالات: أب، ا ف ب،  رويترز، يو بي آي، "وفا"// وذكرت جريدة "هآرتس" الصهيونية [[أن الجانبين اتفقا على وضع الخلاف حول البناء في هار حوما جانباً، والتقدم في المفاوضات حول قضايا الحل الدائم]] وذلك استجابة لطلب وزيرة الخارجية الأميركية كوندليسا رايس.
وحصل الرئيس عباس على ما يريد أولمرت له أن يحصل عليه وفق شروط استخدامه المحددة، حصل [[على 50 حاملة جند روسية الصنع، بعد أن تخلى الفلسطينيون عن مطلب تزويدها برشاشات لأن تل أبيب رفضت ذلك.]] تستخدمها قوات السلطة في الضفة الغربية.. ومن المعروف أن الضفة الغربية تحت السيطرة الكاملة لقوة الاحتلال.
هذا هو التكامل الذي يوضع في دوائر التناقض أو التناقض الذي يصب في التكامل، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد أو هذا الوضع لأن أوضاعاً حاكمة أخرى يجري عليها هذا الحكم. فالاقتصاد الفلسطيني كله مربوط بالاقتصاد " الإسرائيلي" بموجب اتفاق بائس هو اتفاق أوسلو، والمستوطنات التي تضر بكل فلسطيني وبالقضية يبنيها عمال فلسطينيون بالدرجة الأولى لأن لقمة عيشهم وعيش أسرهم ارتبطت بالعمل لدى الكيان الصهيوني.. والمواد الأولية للبناء يصنعها فلسطينيون أو عرب في سيناء وغيرها وتصدر للكيان الصهيوني ليبني جدار الفصل والمستوطنات.. والبترول والغاز اللذين يغذي بهما الكيان الصهيوني مصانعه وآلته العسكرية المدمرة لأحلام شعبنا وجوهر قضيتنا العادلة تأتي في معظمها من بلدان عربية مباشرة ومن مصادر عربية بالضرورة.. وتطول القائمة عند العد وتضيق عن الحصر.

وهذا الوضع يطرح السؤال المر المقلق الذي طالما طُرح ولا إجابة شافية عليه، وهو سؤال ذو شعب وكل شعبة من شعبه تثير أسئلة ذات شعب.. لماذا تصبح قضية فلسطين التي بدأت قضية أمة قضية فئة من الفلسطينيين في التفاوض وقضية فئة منهم أخرى في المقاومة؟ لماذا يصبح العرب محايدين أو متفرجين أو غير معنيين حين يعاني الشعب الفلسطيني في غزة والقدس والضفة الغربية وحين يقضم العدو الأرض ويفعل ما يريد أن يفعل في القدس والمقاومة.. ويتحولون إلى نشطاء ووسطاء ومشاركين ومتعاونين عندما يتعلق الأمر بمفاوضات وتنازلات ومؤتمرات تخفض سقف المطالب الفلسطينية دوماً؟ لماذا توضع جماهير الأمة في الثلاجة عندما تحترق أجساد الفلسطينيين أو العراقيين وتسيل دماؤهم هنا وهناك ويعانون ويجأرون بمر الشكوى من دون أن يفعل صوتهم فعلاً ذا قيمة ويصل إلى من يستمع ويعي؟ لماذا أصبحت قضية عادلة بحجم قضية فلسطين خارج دائرة التكوين الوجداني لأبناء الأمة على هذا النحو المؤسف والمؤلم بعد أن كانت محرك الوجدان ومقوم الإرادة ومعيار وطنية القرار وقوميته وسلامته؟ وهل يرى المعنيون العرب من سياسيين ومثقفين وإعلاميين ومربين .. إلخ أن هذا الخلل العميق في تلك المواقف والمشاعر والدلالات يؤثر سلبياً على قضية العرب المركزية وعلى الأمة بكاملها وفي كل ما يتصل بالجانب القومي والمصيري من قضاياها التي تبدأ قطرية وتنسحب قومياً بالضرورة، سلباً أو إيجاباً؟ ولماذا لا يواجه العرب جماعياً من مواقع الشركاء ليس في المصير القومي فقط بل في المصير الإنساني والموقف والحقاني والتحرري إقامة للعدل ونصرة للحق ودفعاً للعدوان والقهر وللنتائج الكارثية التي تلحق بكل منهم في قطره وفي دائرة مصالحه وأفكاره الضيقة وبالإنسانية في نهاية المطاف.. لأن السكوت عن الشر والعدوان والاحتلال والظلم والجور يقوي الشرير والمعتدي والظالم ويغريه بالمزيد من شهوة التسلط والظلم والقهر والمال والقتل.

إن ترك المفاوض الفلسطيني والمقاوم الفلسطيني وحيدين بمواجهة تحالف قوى عنصرية واستعمارية متغطرسة خطأ وخطر على الأمة والعدالة والحرية وعلى الاعتماد البشري المتبادل، وتلك مسؤولية مشتركة تبدأ بوضع الأقرب أمام مسؤولياته وواجباته وتنتهي بالأبعد. إن التنصل من المسؤولية يغري " المفرط ومن لديه استعدادات مريضة" بتلمس الذرائع للقيام بالمزيد مما هو فيه وما يتطلع إليه، ويجعله يعطي ظهره للشركاء في الوطن والمصير، مستقوياً عليهم بمن يدعم تفرّده وتورطه لكي يجره إلى مواقع الهزال والاضمحلال والتنازل وإلى ما هو أكثر من ذلك وأسوأ.. كما أن التخلي عن المقاوم وصاحب الحق والمتعلق بالوطني والقومي والمقدس والعادل والإنساني.. المتعلق بالحرية والاستقلال والكرامة، يجعله مكشوف الظهر يدفع ثمن مواقفه دماً وتتأخر مواسم انتصاره وتطول دروب معاناته وترتفع ضريبة مواقفه الوطنية والقومية والإنسانية، ويصبح عرضة لإبادة المحتلين والمعتدين والعنصريين والظالمين والطغاة.

لسنا بحاجة إلى مزيد من الضحايا والتجارب والخسائر لنكتشف أن قوتنا في موقف موحد وضعفنا في فقدان أية درجة من درجات التضامن والتوّحد.. فالجزء يصبح أقوى بالكل يحتمي به ويقوى بقوته ويغتني بدعمه، والكل يصبح أكثر امتناعاً وقوة بانضواء الأجزاء تحت موحد وموقف وراية ورؤية وهدف.

وإذا كانت مقاومة المحتل والمعتدي والظالم سبيلاً مجرباً للدفاع عن النفس وللتحرير والردع وبلوغ الحرية واستعادة الأرض وعدم التفريط بالحق وحفظ الكرامة، فإن نصرة المقاومة الفلسطينية والعراقية وأية مقاومة ضد محتل حق وواجب ومسؤولية وطنية وقومية وإنسانية.. ولا بد للأمة من أن تحمي دمها. وإذا كان التفاوض مع العدو شراً لا بد منه ـ ولا أراه كذلك إذا ما تغيرت خيارات الأمة  وانتهجت نهج المقاومة والتحرير ـ فإن تعزيز موقف المفاوِض الفلسطيني وإسناده يشعره بأن وراءه قوة تحميه وأمة تحاسبه وقوة تمنعه من السقوط، فإن مناصرته في المبدئيات والثوابت حق وواجب.

وعلى الأمة ألا تخلي ظهر أبنائها في المواجهات، وأن تقف وراء قضاياها ومقاوميها ومناضليها الأصلاء، وأن تكشف المتورطين وتحاسبهم، وتقدم خشبة الخلاص لمن يتذرعون بالضعف ليتنازلوا أكثر ويتورطوا أكثر، فإن أدى ذلك إلى انتشالهم من وهدة الضعف وعزز مواقفهم النضالية والمبدئية فذاك مكسب، وإلا فالمحاسبة واجب الشعب لمن يفرط بقضاياه.

إن من واجب الأمة أن تقف وراء الفلسطينيين: المقاوم والمفاوض، كل وفق ما يجب عليها حياله وحيال القضية التي يمثلها، وأن تفعل ذلك بمسؤولية ووعي ومبدئية وإيجابية. 

والله من وراء القصد.

 دمشق في 28/12/2007

علي عقلة عرسان

 

 

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |